
“مات وحيداً وتفسخت جثته”، جملة تبدو مناسبة لتصف حال كبار السن في سوريا، بعد العثور على عدة ضحايا متفسخين في الحدائق والمخيمات الفقيرة وبيوت الصفيح، ما يعني أن “الفيروسات الشتوية” مازالت انتقائية وقد طورت أدواتها في ظل غياب المضاد الحيوي “الإنساني” الذي يمكنه أن ينقذ الفقراء وكبار السن من الموت في الشتاء.
هذه الجملة “مات وحيداً وتفسخت جثته”، هي في الأساس توصيف لظاهرة انتشرت في اليابان، وتقول الموسوعة اليابانية إنها منتشرة بكثرة، نتيجة للمشاكلات الاجتماعية والاقتصادية، وعدد المسنين المتزايد. وتؤكد هيئة الإذاعة اليابانية أن هناك قرابة 32000 مسن، ماتوا وحيدين في عام 2009. وفي عام 2008 كان هناك أكثر من 2200 حالة وفاة في طوكيو وحدها تندرج تحت مصطلح “كودوكوشي”.
لكن “الموت المنفرد” السوري، يأخذ أبعاداً أكثر هولاً مما يعصف بكبار السن في اليابان، لأنه غالباً ما يفتك بالشيوخ، بعيداً عن وسائل الإعلام، وربما لأن المسنين فقدوا كثيراً من حقوقهم الإنسانية، فباتوا الطرف الأضعف في مجتمع يعاني الهشاشة الإنسانية، وتلك مسائل تظهر في النسبة الكبرى من كبار السن المشردين، والباعة على البسطات، والمتسولين، والمرضى المنتظرين في كاريدورات المشافي!.
في شهر كانون الأول/ديسمبر 2023، طبقت الإسكوا والهيئة السورية لشؤون الأسرة والسكان، الاستراتيجية الوطنية لرعاية كبار السن وحمايتهم، خلال اجتماع أقيم في دمشق، وتخلله عرض للأهداف الاستراتيجية وآلية تنفيذها، وما تتضمنه من محاور أبرزها الحماية الاجتماعية والأمن المالي والصحة الجسدية والعقلية والنفسية لكبار السن، إضافة إلى الرعاية الاجتماعية والوقاية من العنف والاساءة والإهمال والبيئة التمكينية لهم.
لكن تلك الاستراتيجية، ظلت للأسف حبراً على ورق، فكبار السن في سوريا، مازالوا يعانون من انتشار كبير لفيروس “الموت وحيدا” المطور من الفيروس الياباني “كودوكوشي” الذي تؤكد بيانات الصحة اليابانية أنه يزهق آلاف الأرواح من المسنين سنوياً، ويجعلهم يموتون وحيدين ويتفسخون من دون أن يعلم بهم أحد.
منذ بداية الثورة عام 2011، واجه كبار السن في سوريا، واقعاً قاسياً، مع اضطرار الشباب للهجرة هرباً من عسف النظام، ولجأ كثير من الآباء لبيع منازلهم من أجل تأمين تكاليف سفر فلذات أكبادهم للخارج، وأصبحت شريحة كبرى في عداد المشردين أو المستأجرين الذين لم يتمكنوا من دفع متطلبات الإيجار وبالتالي خفّضوا مستوى المعيشة والسكن.
تفاقم الحالة الاقتصادية بعد الثورة السورية، أثر على الوضع الصحي، وباتت تكاليف العلاج الباهظة تجعل الآباء والأمهات يترددون في مراجعة المشافي، فكيف الحال بمرضى الأمراض المستعصية والمزمنة؟.
راهن كثيرون على حوالات المهاجرين، لكن أولئك الذين غامروا عبر البحر، لم يتمكنوا من إرسال سوى 100 دولار شهرياً في أفضل الأحوال. ومع موجات الغلاء والتضخم وتضاعف الأسعار، اضطر كبار السن للنزول إلى سوق العمل، بأجساد هزيلة ونفوس مكسورة، تواجه التنمر وتصبر على الفاقة، على أمل حدوث معجزة تقلب المعاناة.
مات أبو محمد وحيداً بغرفته في دمشق، ولم تكتشف جثته إلا بعد ثلاثة أيام، إثر التحلل وانتشار الرائحة إلى بيوت الجيران. أبو محمد الذي تركه ابنه الوحيد وهرب باتجاه ألمانيا مع زوجته وطفله، منذ سنوات، أصبح مقطوعاً من شجرة. صحيح أن الابن نجا، لكن الأب مات!.
مسن آخر، اشتغل على “موتور” كوسيلة تقل المضطرين، من كراج البولمان باتجاه البرامكة، لكن عيناه خذلتاه على أوتوستراد حرستا، فضربته شاحنة مسرعة، أنهت الحكاية على الطريق الدولي.. أما في مشفى البيروني، فلكبار السن قصص لا يتصورها عقل، مع انقطاع جرعات الأدوية، واضطرار المرضى إلى شرائها من السوق السوداء، حيث لا يحصل عليها إلا كل ميسور وطويل عمر!.
في عام 1982، أقرت الأمم المتحدة خطة العمل الدولية للشيخوخة، وصدر القرار 37، الذي ينص على حماية كبار السن، ودخلت مبادئ حمايتهم في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، لكن ذلك لم يكن لينعكس على كبار السن في سوريا، حيث مآسي التغريبة السورية، طالت الأطفال والشباب والكهول على حد سواء.
في شهر يوليو من عام 2025، نظمت كلية العلوم الصحية بجامعة دمشق، بالتعاون مع صندوق الأمم المتحدة للسكان، يوماً علمياً بعنوان “الرعاية الصحية لنوبات السقوط عند كبار السن”، وكان في العنوان عبرة لما يعصف بكبار السن في سوريا من تدهور يليه تدهور، في حين أن المؤتمرات تبدو غير قادرة على فعل شيء.
يتمنى علينا بائع “العظم” في سوق باب سريجة، ألا نظهر وجهه في الصورة، وكذلك يرجو بائع “قطارميز المكدوس” والزيتون، ويقولون: “مو ناقصنا بهدلة بعد هالعمر”، لكن القضايا الكارثية، لا يمكن حلها إذا لم تخرج عارية للعلن، نقول لهم ذلك، فيكتفون بهز رؤوسهم، كأنهم سمعوا هذا الكلام كثيراً!. فظاهرة “الموت وحيدا” الخاصة بكبار السن في سوريا، تحتاج ميزانيات مالية وقرارات حاسمة، ولا تكتفي بالمؤتمرات والتوصيات.
تقول الأمم المتحدة، إن النسبة الحالية من كبار السن الذين تبلغ أعمارهم 65 عاماً فأكثر في المنطقة العربية تبلغ 4%، ومن المتوقع أن ترتفع إلى 5% بحلول عام 2030. وتصفهم بالفئات الأكثر استضعافاً، كما أنها تحث الحكومات على تمكينهم اقتصادياً واجتماعياً وصحياً. لكن هذا الكلام، لا يعني شيئاً في ميزان الجدّات اللواتي ينتشرن في شوارع دمشق، وهنّ يتوسلن المارة كي يشتروا منهن علب البسكوت والمحارم. نسأل إحداهنّ أين أبناؤك يا خالة؟ وتجيب: “مات ابني عام 2014 في الحرب، وترك لي مهمة تربية الأطفال، أما الآخر فأصبح لاجئاً في أوروبا منذ ذلك الوقت”!.
الطريف في الأمر، أن الأمم المتحدة، حددت الأول من تشرين الأول/أكتوبر، يوماً عالمياً للمسنين، منذ عام 1990، ومن يتابع البيانات المتلاحقة خلال تلك الأعوام وصولاً لليوم، يكتشف أن الصياغة واحدة مع اختلاف في التاريخ، خاصة بكبار السن في سوريا والمنطقة العربية.
تتوقع الأمم المتحدة أن يصل عدد كبار السن في العالم إلى 2.1 مليار شخص بحلول عام 2050. أما في سوريا، فإن ظروف الحرب والتهجير، جعلت الأرقام صادمة فعلاً، فالاستراتيجية الوطنية لرعاية كبار السن التي أطلقتها هيئة شؤون الأسرة، تقول إن عدد كبار السن في سوريا وصل إلى 1.6 مليون عام 2020، أي بنسبة 8% من السكان، ومن المتوقع أن يصل إلى ما يزيد عن 6 ملايين عام 2050، وهو ما يوازي 15% من السكان!.
يحاول الجدّ، بائع بسطة “الجرابات” إقناعنا بشراء ثلاثة “أجواز” بـ10 آلاف ليرة، ويقول إن هذا يعتبر أكثر دعماً بالنسبة إليه، من كل البيانات والأرقام التي نتحدث عنها!. فنحمل “اللكاليك” الثلاثة، ونمضي، على أملٍ قديمٍ أصبح يشيخ هو الآخر، من دون أن يتحقق!.
المصدر: تلفزيون سوريا







“مات وحيداً وتفسخت جثته” هل “الفيروسات الشتوية” مازالت انتقائية وطورت أدواتها بغياب المضاد الحيوي “الإنساني” الذي يمكنه أن ينقذ الفقراء وكبار السن من الموت في الشتاء، وذلك بع هجرة الشباب خلال مرحلة الـ 14 سنة من الثورة وحكم الطاغية، حماية كبار السن في الدول الأوروبية من حقوق الإنسان لإرتفاع أعدادهم، وفي الوطن سورية أصبح كبار السن يحتاجون لهذه الحماية.