
في تحقيقٍ استقصائي لصحيفة وول ستريت جورنال استند إلى آلاف الصفحات من وثائق المخابرات العسكرية السورية التي عُثر عليها بعد سقوط نظام بشار الأسد وفراره إلى روسيا في كانون الأول/ديسمبر 2024، تتكشف ملامح منظومة مراقبة وترهيب جعلت “الوشاية” إحدى أدوات الحكم الأساسية، ودفعت السوريين إلى الشكّ ببعضهم بعضاً حتى داخل العائلات والبيوت.
وعلى امتداد خمس سنوات، بقيت عائلة الشيخ عبدو خاروف إمام وخطيب جامع الإخلاص بدمشق، الستيني المعتدل والمتجنب للسياسة تبحث عن سبب اعتقاله الغامض في تموز/يوليو 2020، بعدما استدعاه ضابط مخابرات للتوسط في نزاع عائلي، قبل أن يُقتاد في شاحنة إلى مقر أمني مسيّج وسط العاصمة. هناك، في أقبية التحقيق القريبة من مظاهر الحياة الراقية، توفي الشيخ، ولم يصل خبر وفاته إلى أسرته إلا في أواخر العام ذاته، من دون أن تتسلم جثمانه.
تقول الوثائق إن اعتقال خاروف جاء نتيجة مسار تحقيق بُني على شهادة أدلى بها قريب بعيد، هو ابن عمه محمود خاروف، الذي كان قد قاتل سابقاً مع الثوار. وبحسب الملف، أُدرج اسم الإمام خلال استجواب محمود في القبو نفسه الذي سُجن فيه صيف 2020، واتُّهم خاروف بدعم المعارضة ومنح فتوى تُجيز الإعدام في بدايات الحرب. ينكر محمود بشدة أنه ذكر اسم الإمام، ويؤكد أنه تعرض للتعذيب وأُجبر على توقيع اعترافات لم يُسمح له بقراءتها. لكنّ إنكاره لم يقنع عائلة الشيخ، التي قاطعته لسنوات، قبل أن ترى في الوثائق “الدليل” الذي انتظرته طويلاً.
ولا تقتصر المادة على هذه القصة، بل تكشف، عبر وثائق وتقاطع شهادات، شبكة تجسس واسعة طالت ناشطين ومقاتلين وزواراً دبلوماسيين وموظفي الأمم المتحدة، وتعدّ “جرائم” مثل حيازة دولارات أو شريحة هاتف غير مسجلة أو انتقاد الدولة في جلسة خاصة مبرراً للاعتقال. وتورد مثالاً صادماً عن الممثل فراس الفقير الذي سجلت زوجته انتقاداته للنظام داخل المنزل، ثم سلّمت تسجيلات للمخابرات وهددته بها في سياق طلاق ابتزازي، في مشهد يجسّد كيف تحولت العلاقات الحميمة إلى أدوات رقابة.
وتضع الوثائق فرع المخابرات العسكرية 215 في قلب آلة القمع، بوصفه متاهة زنزانات وتعذيب ووفيات يومية خلال سنوات الحرب، مع آثار صدمات كهربائية وحروق وضرب على الجثث. وبعد عام على سقوط النظام، يبقى السؤال الأكبر الذي تطرحه المادة: من وشى بمن؟ وكيف يمكن لسوريا أن تستعيد الثقة والمحاسبة في مجتمعٍ صاغه الخوف؟
ترجمة التحقيق كاملا:
طوال خمس سنوات، بقيت عائلة الشيخ عبدو خاروف المعتدل بتدينه المقيم في أحد أحياء دمشق الفقيرة تتساءل عن السبب الذي أفضى به إلى أحد السجون التي تخضع لإدارة المخابرات التي كان الجميع في سوريا يخشاها، حيث خضع خاروف للتحقيق هناك، كما فارق الحياة في ذلك السجن.
لم يتناهى لعلم الأسرة سوى معلومات أساسية عن الموضوع، إذ في تموز عام 2020، استدعى أحد ضباط المخابرات في سوريا ذلك الإمام الذي كان عمره ستين عاماً، وطلب منه التوسط في نزاع قام بين عائلتين. ولدى وصول خاروف إلى المكان المحدد، أقحمه عناصر الأمن في مؤخرة شاحنة واقتادوه إلى مقر أمني مسيج يقع وسط المدينة.
وهناك، وفي أحد أقبية السجن الذي لا يبعد كثيراً عن المطاعم والفنادق الراقية، لفظ الإمام أنفاسه الأخيرة، إلا أن أهله لم يصلهم خبره إلا في أواخر ذلك العام، كما لم يستلموا جثمانه.
خلال الشهر الماضي عرفت الأسرة سبب اعتقال خاروف، وذلك عندما قرأت وللمرة الأولى جزءاً من الملف الذي أعد له في أمن الدولة، والذي عُثر عليه بين آلاف صفحات الوثائق التي تعود للمخابرات العسكرية في سوريا والتي كشفتها صحيفة الوول ستريت جورنال، إذ خضعت تلك الملفات وغيرها لتحقيق استقصائي امتد لعام كامل حول الجرائم التي ارتكبها نظام بشار الأسد، بعد أن أسقطت قوات المعارضة الأسد فهرب إلى روسيا في كانون الأول من عام 2024.
من وشى بمن؟
ورد في الوثائق بأن خاروف اعتقل ضمن إطار عملية تحقيق قامت على شهادة أدلى بها أحد أقربائه، وهو أحد أبناء عمومته الأباعد، والذي قال عنه ضباط المخابرات بأنه أدلى باسم الإمام خلال عملية الاستجواب التي تمت في القبو ذاته الذي حبس هذا الرجل فيه إثر اعتقاله في الصيف نفسه الذي اعتقل فيه الإمام.
اتهم ابن العم، الذي قاتل في السابق مع الثوار، خاروف بدعم المعارضة ضد الأسد بحسب ما ورد في تلك الوثيقة، على الرغم من أن أفراد عائلته المباشرين ذكروا بأنه كان يتجنب الخوض في أي حديث عن السياسة طوال سنين بعد أن أيد الثورة التي قامت في عام 2011 لفترة بسيطة في بداياتها، ثم صار يلتزم بإلقاء خطب الجمعة التي تلقى استحساناً من الحكومة في مسجد الإخلاص بدمشق.
في مقابلة أجريت مع ابن العم، محمود خاروف، أنكر هذا الرجل وبشدة اعترافه باسم الإمام، حتى خلال التعذيب الذي تعرض له لأسابيع على يد رجال الأمن داخل السجن، إلا أن إنكاره لم يقنع أهل عبدو خاروف ببراءته، ولهذا قاطعوه منذ سنين.
تعتبر هذه القضية واحدة من بين مئات القضايا التي أماطت اللثام عنها صحيفة الوول ستريت جورنال كونها كشفت عن تفاصيل جديدة حول منظومة المراقبة الوحشية التي أسسها نظام الأسد ليحكم قبضته على السلطة.
على غرار ما فعلته وزارة أمن الدولة (الشتازي) في ألمانيا الشرقية، والبوليس السري في عهد ستالين، اعتاش ذلك الجهاز على زرع الخوف ضمن أصغر لبنات المجتمع السوري، عبر تأليب الجيران والأصدقاء بل حتى الأزواج ضد بعضهم.
وهكذا يختفي الضحايا إلى الأبد بمجرد أن يصبحوا في يد المخابرات، فهنالك أكثر من 160 ألف مختف ومختفية قسرياً على يد نظام الأسد منذ عام 2011، بحسب إحصائيات الشبكة السورية لحقوق الإنسان، ولقد تسببت آلة القتل الجماعي التي استعان بها الأسد في إزهاق أرواح الآلاف الذين دفنوا في قبور جماعية بحسب ما أورده محققون سوريون وأميركيون في جرائم الحرب ومنظمات حقوقية، ووفقاً لما جاء في وثائق أممية وفي تحقيقات لوول ستريت جورنال.
والآن، بدأ السوريون والسوريات يستوعبون الصدمة والشك الذي بلغ حد الجنون واللذين مارستهما تلك المنظومة، وذلك بعد مرور سنة كاملة على سقوط النظام، وما يزال كثير منهم يتساءلون بمن بوسعهم أن يضعوا ثقتهم بعد اليوم، ومن وشى بمن أيام سوريا الأسد؟
أعلنت الحكومة السورية الجديدة عن تخطيطها لفتح تحقيق بانتهاكات نظام الأسد، غير أن الوعد بإجراء عملية محاسبة شاملة سيكون صعباً، وحتى الآن لم يؤخذ هذا الأمر على محمل الجد.
نجحت تقارير الوول ستريت جورنال في إماطة اللثام عن هذه المنظومة بفضل ما يربو عن ألف صفحة من الوثائق التي تعود للمخابرات العسكرية السورية والتي تمت مراجعتها وتصويرها داخل فرع كفرسوسة الأمني القريب من ساحة الأمويين الشهيرة بدمشق.
عثر على بعض الملفات المخبأة داخل مستودع سري وذلك عندما اقتحم الثوار السور الحجري فور سيطرتهم على ذلك المبنى، كما عثروا على ملفات أخرى كانت قد تركت بالأكوام على مكاتب ضباط المخابرات الذين هربوا من المبنى قبل أيام على ذلك، تاركين وراءهم مسدساتهم وفوارغ زجاجات الويسكي الأسكتلندي، وأعقاب السجائر، وأكواب شاي لم يكملوا شربها، وذلك عند اقتراب الثوار من العاصمة في الثامن من كانون الأول عام 2024.
تظهر الوثائق كيف تجسست فروع مخابرات الأسد الأربعة الرئيسية على الناشطين والناشطات السلميين وعلى المقاتلين وعلى من يزور البلد من الدبلوماسيين والدبلوماسيات، وعلى موظفي الأمم المتحدة، بل حتى على بعضهم بعضاً، وورد في تلك الوثائق ما اعتبره هؤلاء جرائماً مثل حمل مبالغ بالدولار الأميركي، وامتلاك بطاقات هواتف غير مسجلة، وأي حديث مناهض للحكومة حتى لو كان في جلسة خاصة.
خط ضباط المخابرات مذكرات حول مكالمات هاتفية جرى التجسس عليها، وكتبوا آلاف الصفحات من التقارير حول أنشطة المعارضة، كما وصلتهم تقارير من فروع أمنية أخرى ومن شبكات الجواسيس التي بثوها في البلد، وفي الشرق الأوسط، وفي أوروبا أيضاً. وشملت الوثائق اعترافات انتزعت من الأشخاص تحت التعذيب، وهذا ما تأكدت منه صحيفة الوول ستريت جورنال من خلال مقابلات أجرتها مع الأشخاص الذين وردت أسماؤهم في تلك الوثائق.
فمن بين الحالات التي وردت في الوثائق والتي تحققت منها الصحيفة قضية الممثل المعروف الذي طلبت منه زوجته تأجيل موضوع الطلاق، وأخذت تسجل له محادثاته من دون أن يشعر، وقضية الجاسوس الذي جنده النظام ليراقب عن كثب المؤتمر الدبلوماسي الذي عقد في براغ، وقضية أحد المراهقين الذين تعرضوا للتعذيب إلى أن كذب واعترف بانضمامه لإحدى الجماعات المسلحة.
ظهر اسم فيصل عيتاني وهو محلل سياسي سوري-لبناني في تلك الوثائق وذلك لأنه لعب دوراً في تنظيم مؤتمر براغ، ويخبرنا هذا الرجل بأنه كبر ولديه إحساس دائم بمراقبة المخابرات السورية له ولكل ما يحيط به، ويقول: “كانوا موجودين على الدوام، ولهذا لا أصدق تماماً بأن النظام لم يعد له أي وجود، لأن الأمر أشبه بخسارة صديق أكرهه، اختفى بعد مرور ثلاثين سنة على معرفتي به”.
تظهر الوثائق أيضاً بأن عملاء مخابرات الأسد كانوا يشجعون السوريين على كتابة التقارير ضد بعضهم، ما خلف إرثاً من الريبة وانعدام الثقة.
خيانة زوجية
فراس الفقير، ممثل صاحب صوت جهوري، أيد المظاهرات ضد نظام الأسد في بداياتها، ووقع على بيان الفنانين الذي طالب الحكومة بإجراء إصلاحات، غير أنه تراجع عن ذلك عندما قمع النظام الثورة بكل وحشية، وتابع عمله في مبنى التلفزيون السوري الرسمي حيث مثل مسلسلات اجتماعية لموسم رمضان، كما ظهر في برنامج حواري صباحي.
غير أنه كان ينفس عن غضبه إزاء الحكومة في بيته أمام زوجته، حلا ديب، إذ في إحدى الحوارات التي جمعته بزوجته وأمها أثناء تناول طعام العشاء في مطلع عام 2020، انتقد بشدة اعتماد الدولة على روسيا، والأعطيات التي يقدمها الأسد للنخب التي تعمل في التجارة بالبلد.
في ربيع عام 2020، طلبت حلا الطلاق فجأة، حسبما أخبرنا، وخلال فترة إقامتها بالقرب من أهلها في مدينة طرطوس الساحلية خلال فترة تفشي جائحة كوفيد-19، أرسلت إليه برسالة صوتية أسمعته فيها ما سجلته له بالسر من انتقاد لاذع للدولة، وطلبت منه مالاً، ثم هددته بإرسال التسجيلات للمخابرات.
تظهر وثائق المخابرات بأن حلا قامت بعد فترة قصيرة بتسليم ما لا يقل عن تسجيل واحد للمخابرات فعلاً، ففي تقرير مؤرخ في تموز 2020، ورد بأن المخابرات العسكرية بلغتها معلومات بأن الفقير يتحدث ضد الحكومة في بيته، وعدد ذلك التقرير الأمور التي ينتقدها الفقير بالنظام. كم ورد فيه بأن زوجته طلبت الطلاق “لأنها لا تتحمل الكلام الذي يسيء للقيادة السياسية العليا”.
وجه فرع الأمن أحد مصادره ليقنع حلا بتأجيل مسألة الطلاق حتى تتمكن من جمع معلومات أكثر عن الممثل بحسب ما ورد في الوثيقة.
وفي أواخر ذلك الصيف، التقى الفقير بحلا وعائلتها للمرة الأخيرة من دون أن يعلم بأمر التقرير السري، لكنه كان يشعر بأنه أصبح تحت المراقبة. ويتذكر بأن حلا سألته في ذلك اللقاء: “لماذا تتكلم ضد الرئيس؟” فما كان من الفقير إلا أن أنكر انتقاده للحكومة.
وبعد أسابيع قليلة على ذلك اللقاء، استدعاه مديره إلى مكتبه، حيث كان ضابط مخابرات بانتظاره، فأخبره الفقير بأن زوجته رفعت ضده شكوى مغرضة، فما كان من الضابط إلا أن سجل ملاحظاته وانصرف.
بعد ذلك أتى رجال الأمن مرتين على الأقل ليحققوا معه، وكان الفقير في تلك الفترة لا يبارح شقته مخافة أن يتم اعتقاله إن ذهب إلى عمله. ثم لاح بصيص أمل عندما عرض عليه طبيب عسكري سبق أن أجرى مقابلة معه في أحد البرامج التلفزيونية التوسط لدى رجال المخابرات. وتبددت مخاوف الفقير في نهاية الأمر بعد مرور أشهر من دون أن يتم اعتقاله.
في ساعة متأخرة من ليالي هذا الشهر، قرأ الفقير الذي أصبح مطلقاً عمره 47 سنة اليوم ما ورد في ملف المخابرات عنه، وذلك أثناء جلوسه بالقرب من بركة ماء تتوسط الباحة الحجرية لأحد الفنادق الدمشقية، فعلق على ذلك بقوله: “أصعب شيء في الوجود أن يطعنك من الخلف الشخص الذي يحبك، والذي هو زوجك”.
أما حلا التي انتقلت للعيش في دبي، فقد رفضت التعليق على الموضوع.
الفرع 215
تحولت تلك الوثائق التي راجعتها الصحيفة إلى صيغة رقمية بعد أن وصلتها من عدة شعب للمخابرات الموجودة ضمن أحد المباني الأمنية بدمشق، ومن بينها فرع المخابرات العسكرية 215، حيث كان الضباط يعذبون السجناء ويعدمونهم ضمن حملة النظام الساعية لخنق روح الثورة لدى السوريين المعارضين للأسد، وذلك بحسب ما أوردته منظمات حقوقية وشهود ومسؤولون سابقون لدى النظام البائد.
تعرض عدد كبير من السوريين والسوريات العاديين لعمليات التجسس تلك وذلك بحسب الوثائق التي جرى الكشف عنها والتثبت من صحة ما ورد فيها من خلال المقابلات، فكان من بين من تعرضوا للتجسس أحد أعضاء منظمة الدفاع المدني الشهيرة المعروفة باسم الخوذ البيضاء، والذي كان يقيم بالقرب من مدينة حمص، إلا أن التجسس أودى به للحبس لسنوات أمضى خلالها فترة في سجن صيدنايا المريع، كل ذلك بسبب عمله مع تلك المنظمة التي تقدم خدمات الإنقاذ وتنشط في المناطق التي تخضع لسيطرة الثوار.
وممن تعرضوا للتجسس أيضاً مسؤول سابق لدى البلدية كان يقيم بالقرب من مدينة حماة، فهذا الشخص رفع فيه تقرير للمخابرات فقط لأنه نشر على وسائل التواصل الاجتماعي فحوى مكالمة فيديو ممتعة أجراها مع أقاربه خارج البلد، إذ كان ذلك التصرف يعتبر لدى النظام مؤشراً على وجود علاقات مع معارضين سياسيين.
تظهر مجموعة من الملفات عمليات التجسس الموسعة التي كان النظام يطبقها على عمليات الأمم المتحدة في سوريا، إذ كان يسجل تحركات موظفي الأمم المتحدة ونشاطاتهم، ففي تقرير يعود لعام 2014، ورد ذكر زيارة وفد مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى أحد مراكز الإيواء في حلب، وفيه وردت أسماء وأرقام هويات كل عضو في ذلك الوفد المؤلف من أربعة أشخاص، إلى جانب اسم الفندق الذي أقاموا فيه، ومعلومات عن سياراتهم.
علقت على ذلك رئيسة الوفد يوكو أكساكا، وهي مسؤولة رفيعة لدى مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، لكنها في إجازة من العمل فيها اليوم، فقالت بإن الملف يؤكد شكوكها بأنها كانت تخضع لمراقبة مستمرة طوال فترة عملها في سوريا، وأضافت: “أحس حتى اليوم بأن أحداً يسترق السمع إلى حديثكم معي أو حديثي إليكم”.
داخل متاهة الأنفاق التي أقيمت تحت الفرع 215، كان ضباط المخابرات يجمعون الناس الذين اعتقلوهم ليوزعوهم على زنازين بلا نوافذ مبنية من الإسمنت، وذلك بحسب ما ذكره معتقلون سابقون. كما يحتوي هذا السجن على زنازين كالقبور مخصصة للحبس الإنفرادي، إلى جانب زنازين أخرى تتناثر فيها بقايا من شعر وبقع دماء وفوارغ رصاص رآها فريق صحيفة الوول ستريت جورنال عند زيارته لذلك السجن بعد سقوط النظام.
في مقابلة أجريناها مع علي حمدان، 47 عاماً، وهو المسؤول العسكري السابق عن الطب الشرعي، لكنه أصبح اليوم يتعاون مع المحققين الدوليين في الكشف عن جرائم الحرب، ذكر هذا الرجل بأن الشعبة التي كان يتبع لها كانت تسجل ما بين ثلاث إلى عشرة وفيات تخرج كل يوم من الفرع 215، وذلك خلال الفترة ما بين 2012-2015.
معظم تلك الجثث كانت تخرج مهشمة الجمجمة، وتظهر عليها آثار حروق وصعقات كهربائية حسب قوله، كما أن صور الطب الشرعي للقتلى من المعتقلين والتي هربها شخص من سوريا وشى بهؤلاء أثناء الحرب، تثبت بأن معظم الجثث آتية من الفرع 215، بما أن اسم هذا الفرع كتب عليها.
الثائر اليافع
في تقرير آخر كشفته الصحيفة بعد أن عثر عليه بجانب قارورة ويسكي فارغة متروكة على طاولة مكتب بعثرت فوقها أشياء كثيرة، ورد ذكر قصة المراهق محمود الهاماني الذي ظهر مرتدياً سترة رياضية في الصورة المرفقة بالتقرير.
ذكر فرع المخابرات في تلك الوثيقة بأنه اعتقل ذلك الشاب في عام 2014 عندما كان عمره 17 عاماً، وذلك بتهمة الانضمام إلى جماعة مسلحة، وبحسب ما ورد في الملف، فإن هذا الفتى وقع على اعتراف خطي أقر فيه بأنه رمى صواريخ على عناصر الأمن، وشارك بمراقبة مواقع عسكرية تتبع للنظام لصالح الثوار، فأطلق سراحه بعد ذلك.
هذا وبقيت المخابرات السورية تراقب ذلك الفتى على مدى فترة طويلة من السنوات العشرة الماضية، بحسب ما ورد في ذلك التقرير.
تعرفت صحيفة الوول ستريت جورنال على مكان الهاماني اليوم الذي مايزال هزيلاً حتى بعد بلوغه الثامنة والعشرين، إذ أصبح يخدم لدى قوات الأمن التي تتبع للحكومة السورية الجديدة، حيث يناوب لفترات طويلة في الحراسة وسط المدينة وما يزال يقيم مع أسرته في ضاحية تسكنها الطبقة العاملة بالقرب من دمشق.
بعد أن تصفح النسخة الرقمية من ملفه عبر حاسوبه المحمول، أشعل الهاماني لفافة تبغ وسرد قصته بعيداً عن الورق، إذ خلال فترة من الفترات، عاشت مدينته حصاراً على يد قوات النظام بعد أن اقتحمتها إحدى جماعات الثوار، فاعتقله رجال الأمن وألقوا به في مؤخرة شاحنة واقتادوه إلى الفرع 215.
وهناك، جرده الضباط من ثيابه حتى أصبح عارياً تماماً، ثم علقوه من معصميه وصاروا يصعقونه بالكهرباء حسب قوله، ثم اتهموه بالتعاون مع قائد الثوار ملاذ سلوم، قائد فرع المنطقة التابع للجيش السوري الحر، وسألوه: “إن رأيت أمامك جندياً سورياً، فهل ستقتله؟”
وبحسب ما سرده الهاماني، فإنه استسلم بعد أربعة أيام، وبصم على اعتراف خطي لم يسمحوا له بقراءته. وفي تلك الوثيقة التي حفظت داخل مجلد وردي اللون، اعترف الهاماني بمساعدة ميليشيا السلوم من خلال مراقبة مواقع للنظام، كما ورد في الوثيقة قوله: “في الحقيقة إنني معارض للنظام الحاكم”.
يخبرنا الهاماني بأن الاعتراف كله كذب، إذ لم يكن له أي دور في الثورة المسلحة، كما ذكر بأنهم أطلقوا سراحه لأن شقيقه دفع لهم رشوة مقابل ذلك، في حين ورد في الوثائق بأن القضية لم تخضع للمحاكمة لعدم توفر أدلة.
غادر سلوم قطاع دمشق في عام 2016، بعد أن وقع على هدنة مع النظام مقابل وصوله بسلام إلى الشمال السوري حيث كان الثوار يسيطرون، لكنه عاد إلى دمشق في هذا العام، ليستقر في بيت ابن عمه بعد مرور قرابة عقد على غربته في الشمال ثم في إسطنبول، ويتذكر كيف تناهى إليه خبر الهاماني الذي كان يافعاً وصغيراً على الحرب وعنه قال: “كان دون الثامنة عشرة، ولهذا لم أسلمه بارودة”.
وبعد أن علم بأمر ملف المخابرات من خلال صحيفتنا، قاد سلوم، 45 عاماً، سيارته ليصل إلى بيت الهاماني ويسأله: “لماذا أعطيت اسمي للمخابرات؟”
فرد عليه: “كانوا يضربونني، ولهذا كنت على استعداد للإدلاء بأي شيء حتى يكفوا عني الضرب”.
نظر سلوم إلى ذلك الشاب بريبة، ثم عاد إلى سيارته وقفل راجعاً، بعد أن خلص إلى نتيجة مفادها بأن الهاماني كان متعاوناً مع المخابرات من وجهة نظره.
العثور على إجابات
في بداية الثورة، ساند الإمام خاروف، كمعظم الناس، الحراك ضد الأسد عند اندلاعه، وذلك بحسب ما ذكره أهله، لكنه انكفأ عندما أضحت الانتفاضة عنيفة، وأخذ يدعو في خطبه إلى الكف عن شن هجمات تستهدف الحكومة، كما منع أبناءه الثلاثة من الانضمام لجماعات مقاتلة.
في عام 2014، وقع الشيخ مع الحكومة على تسوية وافق من خلالها على التخلي عن النشاط الثوري مقابل حصوله على عفو، فصار يحمل أوراق التسوية معه إلى أي مكان يذهب إليه بعد أن احتفظ بها مطوية داخل جيب قميصه درءاً لأي مشكلة يمكن أن يتعرض لها، وذلك بحسب ما ذكره أولاده.
بعد انقطاع قسري لعام واحد، عاد خاروف للعمل لدى وزارة الأوقاف الدينية السورية، وذلك عبر إلقاء خطب دينية على حشود المصلين توافق على فحواها الوزارة. أما في الليل، فكان يشجع مع أولاده فريق كرة القدم الذي يحبه، ريال مدريد، داخل بيتهم الإسمنتي المؤلف من طابق واحد. غير أنه اعتقل في تموز عام 2020، وهذا ما أصاب الأسرة بصدمة كبيرة، فاتصل الأبناء بعمهم الذي كانت له علاقات مع فروع الأمن بما أنه ساعد خاروف على استخراج أوراق العفو قبل سنة على ذلك، إلا أن ذلك العم لم يستطع فعل أي شيء حسبما ذكر.
مضت أسابيع على اعتقال خاروف من دون أن يصل لأسرته أي خبر عنه. وفي أيلول التالي، زارت زوجته مكتب السجل المدني، فسلمها الموظفون وثيقة اطلعت عليها الصحيفة كونها تثبت وفاة خاروف منذ أواسط آب 2020، إلا أن السلطات رفضت تسليم جثته.
فيما بعد أخبرهم أحد معارفهم ممن كانوا معتقلين في السجن نفسه خلال الفترة نفسها بأنه رأى الإمام وهم يضربونه بجنزير إلى أن فارق الحياة، غير أن الصحيفة لم تستطع التحقق من سبب وفاة الإمام بصورة مستقلة.
ورد في وثائق المخابرات العسكرية والتي تعود لشهر تموز 2020، ذكر عملية استجواب أجريت مع ابن عم الإمام، محمود خاروف، والذي اعترف بالمشاركة في الثورة المسلحة، وأخبر المحققين بأن الإمام تعاون مع الثوار عبر منحهم فتوى دينية تجيز لهم تنفيذ عمليات إعدام، وذلك خلال الأيام الأولى من الحرب. كما أوردت الوثيقة عن خاروف بأنه: “كان أحد مؤيدي الحركة الإرهابية المسلحة منذ بداية الأحداث الجارية في البلد”.
مايزال ابن العم، محمود خاروف، يعيش بيت واطئ ضمن الشارع المليء بالطين والوحل والقريب من بيت ابن عمه، على الرغم من أن العائلتين قطعتا التواصل مع بعضهما.
وفي مقابلة أجريت معه، أنكر محمود ذكر اسم الإمام، حتى خلال جولة التعذيب التي أجبروه فيها على التوقيع على اعتراف جاء فيه بأنه حارب إلى جانب الثوار. إلا أنه أخبرنا بأن رجال الأمن ضربوه بأنبوب بلاستيكي أخضر على ساقيه بعد أن حشروه في قبو في الفرع 215، ثم وضعوا عصابة على عينيه، ولهذا لم يستطع قراءة ما وقع عليه إلى أن دفع إليه أحد القضاة بتلك الوثيقة في جلسة استماع بالمحكمة، وقد أصبحت مشيته عرجاء بسبب الضرب الذي تعرض له، وهذا ما دفعه إلى القول: “لقد دمر النظام حياتي كلها” ثم انفجر بالبكاء.
أما الأسرة المباشرة لعبدو خاروف فقد ذكرت بأنها تصدق وثائق المخابرات بعد أن شكت طويلاً بأمر ابن العم الذي خانهم، كما أضافوا بأن الإطلاع على تلك السجلات جعلهم يشعرون بأن القضية قد وصلت إلى نهايتها، إذ قال محروس خاروف وهو الابن الأكبر للإمام: “أصبحنا نعرف اليوم ما حدث، إذ كنا ننتظر دليلاً بأن هذا الشخص كان السبب في موته”، ويردف بالقول: “أحس بالارتياح الآن”، وهو يفكر بحياة أبيه، ويتابع: “تأكدنا اليوم أنه لم يقترف أي ذنب”.
المصدر: The Wall Street Journal
تلفزيون سوريا






