
ليست كل المعارك الفكرية تستحق أن تُخلّد في الذاكرة الثقافية، فسجالاتٌ عربية كثيرة لم تكن سوى تبادل للاتهامات أو إعادة إنتاج للاستقطابات الأيديولوجية المعتادة. لكن ثمة استثناءات نادرة ارتقت بالخلاف إلى مستوى الإبداع الفكري، حيث يصبح الاختلاف نفسه منتجاً للمعرفة لا مجرد وسيلة لإقصاء الخصم. ومن بين هذه الاستثناءات برز “الحوار بلا حوار” بين محمد عابد الجابري وجورج طرابيشي، ويمكن اعتباره بحق أحد أهم السجالات الفكرية العربية وأعمقها في أواخر القرن العشرين، وربما أهم معركة فلسفية كبرى خاضها العقل العربي مع نفسه، قبل أن تبتلع الفضاء العام موجات الشعبوية، والطائفية، والسياسة اليومية.
إن ما يُكمِل النقاش بين الجابري وطرابيشي هو استعادة روح فكرية نفتقدها اليوم. وربما تكمن المأساة في أننا لم نعد نفتقر إلى الأجوبة بقدر ما نفتقر إلى الجرأة على طرح الأسئلة. والسؤال الأكثر استفزازاً ليس لماذا لم يستمر الحوار بين الجابري وطرابيشي، بل: هل ما زلنا أصلاً نملك الشجاعة الفكرية التي تجعل مثل هذه الحوارات ممكنة؟
كان هناك زمن اعتبر فيه المثقف العربي أن تفكيك العقل نفسه مشروع يستحق العمر؛ أمضى الجابري عقوداً في “نقد العقل العربي”، وأمضى طرابيشي سنوات طويلة في تفكيك هذا النقد ومراجعته. كما كانت هناك سجالاتٌ انخرط فيها آخرون، مثل مالك بن نبي، ومحمد أركون، وعبد الله العروي، وعبد الوهاب المسيري، وحسن حنفي، وصادق جلال العظم، ومحمد شحرور، وعلي حرب وغيرهم، واليوم هناك تراجع كبير في هذا النوع من المشاريع الكبرى، وانتقل جزء واسع من المجال الفكري إلى سجالات أسرع وأكثر آنية.
لم يكن ذلك الخلاف الذي استحوذ على اهتمامنا سنوات طويلة، منذ أيام المراهقة الفكرية الشبابية ومقاعد الجامعة في الشرق وحتى في الغرب، سجالاً عابراً حول جزئيات أو هوامش معرفية، بل كان مواجهة عميقة تمسّ جوهر السؤال النهضوي العربي نفسه: كيف نقرأ التراث؟ وكيف نفهم البنية التي تشكّل منها العقل العربي؟ وهل أزمتنا في تراث الماضي نفسه، أم في المناهج والعدسات التي اعتدنا أن نقرأه من خلالها في الحاضر؟
كان الجابري يبحث عن بطل فلسفي، فوجد ابن رشد. وكان يحتاج إلى خصم تاريخي، فوجد ابن سينا والغزالي وإخوان الصفا
عندما أطلق المفكر المغربي محمد عابد الجابري مشروعه “نقد العقل العربي”، لم يكن يكتب دراسة أكاديمية تقليدية، بل كان يسعى إلى بناء مشروع نهضوي كامل. لقد انطلق من فرضية أن الحضارة العربية الإسلامية لم تتراجع بسبب نقص في النصوص أو الأفكار، وإنما بسبب البنية المعرفية التي حكمت إنتاج المعرفة نفسها. ومن هنا حاول تشريح ما سمّاه “العقل العربي” بوصفه منظومة تاريخية تشكلت عبر قرون، وليست مجرد ملكة عقلية فردية. قسّم العقل إلى ثلاثة أنظمة معرفية كبرى: البيان الذي يقوم على سلطة النص واللغة، والعرفان الذي يستند إلى المعرفة الباطنية والإشراقية، والبرهان الذي يمثل العقل الفلسفي البرهاني كما تجسّد، في نظره، عند ابن رشد والمدرسة الأندلسية. لم يكن المشروع مجرّد قراءة للماضي، بل كان يحمل رسالة سياسية وثقافية واضحة: لا نهضة عربية من دون إعادة بناء العقل نفسه، ولا تحديث حقيقي من دون قطيعة معرفية مع أنماط التفكير التي كرّست الجمود. غير أن هذا المشروع، الذي استقبل بحفاوة واسعة في الأوساط الفكرية، وجد أمامه خصماً من طراز مختلف. لم يكن جورج طرابيشي مجرّد ناقد عابر، ولا مجرّد مفكر أراد تسجيل اعتراضاتٍ على بعض التفاصيل.
كان الجابري يرى أن “استقالة العقل العربي” بدأت مع تغلغل الهرمسية والغنوصية والعرفان في الثقافة العربية الإسلامية، بما أضعف سلطة البرهان. أما طرابيشي فيرفض منطق “حصان طروادة”، ويرى أن أفول العقلانية لم يكن بفعل وافد خارجي، بل مأساة داخلية صنعتها تناقضات العقل العربي وآلياته الذاتية. رأى أن مشروع الجابري، رغم ضخامته، يعاني من خلل منهجي عميق، يقوم على انتقاء النصوص أكثر مما يقوم على قراءتها، وعلى بناء فرضياتٍ مسبقةٍ أكثر مما يقوم على استخراجها من الوقائع التاريخية. وكان طرابيشي قاسياً إلى حد غير مألوف في الثقافة العربية. لم يكتف بالاختلاف، بل راجع مئات المصادر، وفتش في الهوامش، وقارن المخطوطات، وأعاد قراءة النصوص الأصلية، ثم خرج باتهام ثقيل: مارس الجابري انتقائية منهجية، واستبعد كل ما يهدم نموذجه النظري. بعبارة أخرى، اتهمه بأنه صنع “العقل العربي” الذي يريد نقده. بل ذهب أبعد من ذلك، عندما قال إن الجابري، وهو يهاجم الاستشراق، وقع في أكثر فرضياته رسوخاً. فالاستشراق الكلاسيكي كان يقسم العالم إلى شرق غارق في الميتافيزيقا وغرب يحتكر العقلانية. أما الجابري فقد أعاد إنتاج الفكرة نفسها داخل الجغرافيا العربية، فصار لدينا شرق عربي عرفاني متخلف، وغرب عربي برهاني عقلاني.
حين تتحول معركة الأفكار إلى معركة انتماءات، يخسر العقل قبل أن يبدأ النقاش
أي مفارقة هذه؟ أن يتحول مشروع تحرير العقل العربي من المركزية الغربية إلى إعادة إنتاج إحدى أكثر مقولاتها شهرة! وهنا تصبح القضية أكبر من خلاف بين مفكرين. كان الجابري يبحث عن بطل فلسفي، فوجد ابن رشد. وكان يحتاج إلى خصم تاريخي، فوجد ابن سينا والغزالي وإخوان الصفا.
لكن هل يتحمل التاريخ كل هذا التبسيط؟ وهل كانت الحضارة الإسلامية حقّاً منقسمة بين معسكرين متحاربين؟ أم أن الواقع أكثر تعقيداً من الخرائط الفكرية الجميلة؟. الحقيقة أن الحضارات لا تتحرّك بهذه البساطة. فابن سينا ليس مجرّد فيلسوف عرفاني، والغزالي ليس عدواً للعقل كما يصوره بعض الحداثيين، وابن رشد نفسه لم يكن عقلانيّاً بالمفهوم الحديث للكلمة. التاريخ أكثر فوضى من النظريات. لكن المشكلة ليست هنا فقط. المشكلة أن التحقيب المعرفي كله، رغم عبقريته، بقي أسير الماضي.
كشف هذا السجال أن الأزمة لم تكن في التراث وحده، بل في أدوات قراءته أيضاً، فالجابري كان ابن المشروع النهضوي المغاربي المتأثر بباشلار وألتوسير وفوكو، وكان يبحث عن لحظة تأسيس جديدة للعقل العربي عبر مفهوم “القطيعة”. أما طرابيشي، المتأثر بالتحليل النفسي والتاريخ الفكري والفيلولوجيا الدقيقة، فكان أكثر تشككّاً في كل مشروع يسعى إلى بناء سردية كبرى تفسر التاريخ بأكمله. ولهذا لم يكن الصراع بين الرجلين مجرّد خلافٍ في النتائج، بل كان اختلافاً بين فلسفتين للمعرفة: فلسفة تبحث عن البنى الكبرى التي تفسر التاريخ، وأخرى تنحاز إلى التفاصيل والوقائع وترفض التعميمات الواسعة.
لم يكن السؤال الحقيقي: من انتصر، الجابري أم طرابيشي؟ بل ماذا ربح الفكر العربي من هذا السجال؟ والمفارقة أن العرب كادوا أن يخسروا الاثنين معاً: الجابري حين تحوّل مشروعه عند بعض أتباعه إلى يقين مغلق، وطرابيشي حين قُرئ نقده هدماً لا مراجعة. وبين هذا وذاك، ضاعت القيمة الأهم: ثقافة الاختلاف والحوار النقدي.
انتقل النقاش من أسئلة الفلسفة والمنهج إلى معارك الهوية والانتماء، ومن تفكيك النصوص إلى تبادل الشعارات، ومن نقد الأفكار إلى تخوين أصحابها
وتكثّف رواية سعيد ناشيد هذه الأزمة في مشهد دال. فعندما قدّم في جامعة محمد الخامس بالرباط بحثاً عن سجال الجابري وطرابيشي، ومال في نتائجه إلى أطروحات الأخير، واجهه أحد الأساتذة بالسؤال الشهير: كيف تنتصر لجورج على محمّد؟ وهنا لم يعد السؤال: أي المنهجين أدقّ وأي الحجج أقوى؟ بل بدا كأنه اختيار بين اسمين وهويتين. وحين تتحول معركة الأفكار إلى معركة انتماءات، يخسر العقل قبل أن يبدأ النقاش.
ومع هذا، يبدأ تجاوز هذه الأزمة حين نتجاوز سؤال المفاضلة نفسه. لسنا مضطرّين إلى الاختيار بين الجابري وطرابيشي، بل إلى الذهاب أبعد منهما معاً؛ نأخذ من الأول جرأة تشريح البنية، ومن الثاني صرامة مراجعة المصادر، ثم نتحرّر من سلطتهما معاً، فالمشروع الفكري الحي لا ينتهي عند اسم، ولا يتحول إلى مدرسة مغلقة، ولا يطلب من الأجيال التالية أن تختار بين محمد وجورج. السؤال الذي يستحق أن يبقى: ماذا نستطيع أن نفكر بعدهما، لا أيهما ينبغي أن نتبع.
المفارقة ان الرجلين كانا يختلفان حول كيفية قراءة ألف سنة مضت، بينما كان العالم يستعد للدخول في الألفية الجديدة. الغرب كان يناقش البيولوجيا الجزيئية، والثورة الرقمية، والخوارزميات، ثم الذكاء الاصطناعي، بينما كان أبرز عقلين عربيين يختلفان حول موقع ابن رشد، وابن سينا، والغزالي، وابن عربي. وليس المقصود التقليل من قيمة التراث، بل طرح السؤال الذي تجاهله الجميع: كم قرناً آخر سنقضي في العيش الماضي، بينما يصنع الآخرون المستقبل؟ وهنا المأساة الحقيقية.
لن يكون المستقبل من نصيب المجتمعات التي تكتفي بحفظ تراثها وتكرار مقولاته، بل من نصيب تلك التي تمتلك الشجاعة لإعادة قراءته، ومساءلته
اليوم، لم يعد كثير من أبناء الجيل الجديد يقرأون المجلدات الأربعة للجابري، ولا المشروع النقدي الطويل لطرابيشي، وربما المفارقة الأكثر إيلاماً في أن هذا المستوى الرفيع من الجدل الفكري نفسه يكاد يكون اختفى من المجال العام العربي.
لقد انتقل النقاش من أسئلة الفلسفة والمنهج إلى معارك الهوية والانتماء، ومن تفكيك النصوص إلى تبادل الشعارات، ومن نقد الأفكار إلى تخوين أصحابها. وحلّت منصات التواصل تدريجيّاً محلّ الكتاب، فاختُزلت القضايا المعرفية المركبة في مقاطع قصيرة، وحُوّلت الأسئلة الكبرى إلى مواقف انفعالية سريعة، حتى باتت سرعة الاستجابة أهم من عمق الفكرة، والاصطفاف أعلى صوتاً من الحجة.
استعادة الجابري وطرابيشي وغيرهما من رموز النقد العربي ليست حنيناً إلى زمن فكري مضى، بل استعادة لمبدأ أصبح أكثر إلحاحاً في عصر الذكاء الاصطناعي والتحولات المتسارعة: نقد العقل قبل الدفاع عنه. فالمستقبل لن يكون من نصيب المجتمعات التي تكتفي بحفظ تراثها وتكرار مقولاته، بل من نصيب تلك التي تمتلك الشجاعة لإعادة قراءته، ومساءلته، ونقده، ثم تجاوز كثير من قوالبه حين تفرض ضرورات العصر ذلك. وهذه، في جوهرها، هي الرسالة الأعمق التي تركها لنا ذلك السجال الفكري الاستثنائي: أن الوفاء الحقيقي للتراث لا يكون بتحنيطه، بل بإبقائه حيّاً وقابلاً للمراجعة والنقد ونقد النقد.
المصدر: العربي الجديد






