ما هكذا تورَد الإبل يا نصر الحريري

علي العبد الله

لم يوفّق رئيس الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة، نصر الحريري، في موقفه وقراراته من الحوار الكردي في سورية، بدءا بإدانته الصريحة هذا الحوار، على خلفية اعتبار حزب الإتحاد الديمقراطي (الكردي) منظمة “إرهابية” و”انفصالية”، كونه امتدادا لحزب العمال الكردستاني (التركي) المصنف أميركيا وتركيا منظمة إرهابية، وعدم اكتفاء الحريري بالدعوة إلى وقف الحوار، بل واتخاذه قرارا عقابيا ضد “المجلس الوطني الكردي” باستبعاد ممثله، حواس عكيد، من الهيئة العليا للمفاوضات.

موقف نصر الحريري من الحوار الكردي في سورية تكرار لمواقف معارضين سوريين عرب كثيرين من الكرد وقضيتهم، بدءا من رفض وجود قضيةٍ كرديةٍ في سورية، والتعاطي معها باعتبارها قضيةً مفتعلة، قضية لاجئين تنمّروا وذهبوا بعيدا في تطلعاتهم، وشطْح معارضين عرب بالدعوة إلى إعادتهم إلى منبتهم الأول: هضبة إيران، إلى رفض مطالبتهم بنظام اتحادّي، مرورا بتبنّي السياسة التركية منهم، والمشاركة في اضطهاد المواطنين الكرد في منطقتي عفرين ورأس العين، وطردهم من منازلهم ونهب أرزاقهم وتفكيك اجتماعهم، وإحداث تغيير سكاني في مناطقهم. الجديد هو إعلان مواقف واتخاذ قرارات إجرائية من موقع المسؤولية: رئاسة “الائتلاف”، والأدهى، اتخاذها من دون تمعّن بجدواها ونتائجها القريبة والبعيدة على سورية دولة وشعبا، وعلى العلاقات العربية الكردية، في ضوء التاريخ المثقل بالدماء والدموع بين الطرفين، ومن دون إقرارها في مؤسسات “الائتلاف” ذات الصلة.

أول ما يمكن ملاحظته على مواقف نصر الحريري وقراراته أنها ليست قائمةً على دراسة للمشهد السياسي السوري، وموقع الحوار الكردي فيه، والهدف منه، والبحث في جدواه وفرص استثماره لتحقيق أهدافٍ سياسية، آنية وبعيدة، للمعارضة وعموم الشعب السوري. إذ تكفي نظرة إلى حيثيات الحوار ومواقف أطرافه المحليين، ورعاته الخارجيين، لاستنتاج وجود توجه أميركي إلى إعادة صياغة الوضع شرق الفرات، بما في ذلك صياغة “الإدارة الذاتية”، والتأثير على حزب الإتحاد الديمقراطي (الكردي)، ودفعه إلى الخروج من عباءة حزب العمال الكردستاني، وإشراك “الإئتلاف” في إدارة شرق الفرات، لتحقيق التوازن بين مكونات المنطقة وقواها، وتحويلها إلى نموذج لسورية المستهدفة، ودفع مجلس سورية الديمقراطية (مسد) إلى الانخراط في حوار مع المعارضة، والدخول في “الإئتلاف” و”هيئة التفاوض” والمشاركة في مفاوضات جنيف على أساس قرار مجلس الأمن رقم 2254. وهذا كان يستدعي من رئيس “الائتلاف” النظر إلى الحوار بدلالة مصلحة سورية العليا، والتفاعل إيجابا مع الحوار الكردي، والعمل على النتيجة، بما يتفق مع أهداف الثورة السورية. هنا يمكن متابعة موقف النظام وحليفيه، روسيا وإيران، من الحوار، وتلمس معناه وهدفه: رفض الحوار وعرقلته وإجهاضه، لأنه لا يخدم توجهاتهم وأهدافهم المستقبلية، من ذلك ما يمكن أن نقرأه في اتفاق “مسد” مع حزب الإرادة الشعبية في موسكو: تعزيز موقف قيادة “مسد” التي ذهبت إلى الحوار مرغمةً تحت الضغط الأميركي، ودفعها نحو التشدّد في مواقفها خلال الحوار مع “المجلس”، عبر تبنّي تصوّرها السياسي للحل في سورية، مدخلا لتخريب الحوار الكردي، ما يجعل تصريحاته، رئيس الائتلاف، تصبّ في طاحونة النظام وروسيا وإيران، في حين يفرض المنطق السياسي، العقلاني والعملي، على رئيس الإئتلاف، من موقعه ممثلا للمعارضة السورية، استثمار اللحظة السياسية التي غدا فيها حزب الإتحاد الديمقراطي (الكردي) وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) ضعيفيْن ومربكيْن وخياراتهما محدودة، في ضوء هزائم “قسد” غرب الفرات وشرقه، وقلقهما من تقلبات الموقف الأميركي، وخوفهما من قرار أميركي مفاجئ بالانسحاب من شرق الفرات؛ وتعرّضهما لضغط شديد، سياسي وإعلامي، من النظام وحلفائه الروس، لتغيير تحالفاتهما، والعودة إلى حضن النظام، وبحث الخطوة مع “المجلس الوطني الكردي”، المشارك في “الائتلاف”، ودراسة الحوار واحتمالاته ونتائجه والاتفاق على الهدف الذي يجب تحقيقه عبره، وتعزيز موقف وفد “المجلس” بالإعلان رسميا أن الوفد لا يمثل “المجلس” فقط، بل و”الائتلاف” كذلك. الواقع أنه فعل العكس، بإدخال ممثلين عن “رابطة الكرد المستقلين” إلى “الائتلاف”، لإضعاف تمثيل “المجلس” للكرد فيه، الأمر الذي أثار حفيظة قادة “المجلس”، ودفع بعضهم إلى التشنّج والرد بالتقليل من قيمة التحالف مع “الائتلاف”، ودفعهما، “الحزب” و”مسد”، إلى تغيير موقفهما السياسي ومراجعة تجربتهما وممارساتهما في مناطق سيطرتهما، بدلالة أهداف ثورة الحرية والكرامة، وعدم إعطائهما، “الحزب” و”مسد”، فرصة قتل الحوار، بتمرير الوقت، والتملص من استحقاقات التغيير المنشود.

ثاني ملاحظة على مواقف نصر الحريري اتخاذه قرار إبعاد ممثل “المجلس” بشكل فردي، من دون طرح الموضوع على الأطر المسؤولة في “الائتلاف”، ومن دون التشاور مع أصحاب الشأن، “المجلس”، ما أعطاه صفة قرارٍ عقابي وانتقامي، وحوّله، القرار، إلى مشكلة داخلية وسياسية لـ “الائتلاف”، داخلية تتعلق بالنظام الداخلي والعمل المؤسسي وسلطات رئيس “الائتلاف”، عكسه وقوف مجموعة الأربعة (هادي البحرة وأنس العبدة وبدر جاموس وعبد الأحد سطيفو) وكتلة الفصائل، المحسوبة على الإخوان المسلمين، بصف “المجلس الوطني الكردي” في مواجهة إجراءاته وتصريحاته الأخيرة ضده، وسياسية، بتأزيم الموقف مع “المجلس”، وما يمكن أن ينجم عن عملية شدّ الحبل بين الطرفين. مشكلة “الإئتلاف” في غنىً عنها في ضوء ما يدور داخله من صراعاتٍ على الصلاحيات والنفوذ، وما يواجهه من إرباكٍ نتيجة سعي موسكو ومنصتها إلى إضعافه أكثر، ودفعه نحو الهامش، وما سيضيفه خروج “المجلس” منه على صورته وصدقيته، كتحالف لقوى سياسية، تمثل معظم مكوّنات الشعب السوري، من انعكاساتٍ سلبية. يبدو أن رئيس “الإئتلاف” انطلق من فرضية أن قبول حزب الاتحاد الديمقراطي (الكردي) الدخول في الحوار مع “المجلس” مناورة للدخول في الأطر السياسية المسؤولة عن المفاوضات، عبر اختراق صفوف المعارضة، ما دفعه إلى الضغط على “المجلس”، ووضعه أمام خيارين محدّدين: الإنسحاب من الحوار أو إلغاء عضويته في “الائتلاف”. فرضية خاطئة ومتعارضة مع التوجه الأميركي، ومع سياق الحوار الكردي الذي يفترض الوصول إلى اتفاق نهائي أولا، ثم إشراك حزب الإتحاد الديمقراطي (الكردي) و”قسد” في أطر المعارضة المسؤولة عن المفاوضات.

تبقى النقطة الجوهرية في المشهد السياسي السوري وخيارات الحل النهائي، هي الاتفاق على حل لمشكلة التعدّد القومي وحقوق مكونات الشعب السوري، يبدأ بالإقرار بالتعدّد القومي، والتوافق على مخرج سياسي وعقد اجتماعي منصف، حيث ما زالت التصوّرات متباعدةً بين التمسّك بدولة مركزية؛ مع لامركزية إدارية، تطرحها القوى السياسية العربية، ترفضها القوى السياسية الكردية، لأنها لا تحقّق العدالة والمساواة بين جميع المواطنين، فقد اختبروها عقودا طويلة، واكتووا بنارها، وبين دولة اتحادية (فدرالية) تطرحها القوى السياسية الكردية، وترفضها القوى السياسية العربية. ونظرة العرب هنا مرتبطة بالهيمنة والسيطرة؛ فالدولة المركزية بوابة السيطرة العربية. ومن طرائف السجالات اعتبار سياسيين وحقوقيين عرب الدولة الاتحادية (الفدرالية) صنو التقسيم وبوابة الإنفصال؛ مع أن من يعرف ألف باء الأنظمة الدستورية يعلم أنها ليست كذلك، وأنها دولة واحدة وموحدة، وتدار عبر نظام يمنح المواطنين حق إدارة أقاليمهم والمشاركة في صنع القرار الوطني بشكل متوازن.

تقف هذه النقطة الخلافية في خلفية كل الصراعات والسجالات السياسية والفكرية؛ والاتفاق على حلها شرط لازب للاتفاق على حل سياسي. وهذا ما يجب التركيز عليه من دون مواربة، فلا الحديث عن “الكرد جزء أصيل من الشعب السوري”، ولا “عن الأخوة العربية الكردية” قادران على تورية القضية وردم الهوة، فمن دون حل هذه القضية ستبقى سورية في عنق الزجاجة عقودا أخرى، وينطبق على السياسيين السوريين، عربا وكردا وآشوريين سريانا .. إلخ، حكم التاريخ الصارم بالفشل واللعب خارج الملعب.

المصدر: العربي الجديد

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى