الوهم المُقيم للقوة الأميركية

أندرو باسيفيتش ترجمة: علاء الدين أبو زينة

في حملة الانتخابات الرئاسية لهذا العام، تجنب المرشحون إلى حد كبير الخوض في دور القوة المسلحة كأداة لتنفيذ سياسة الولايات المتحدة. مع أن الولايات المتحدة تظل القوة العسكرية الأبرز والأكثر نشاطًا في العالم، فإن الجمهوريين والديمقراطيين يجدون أشياء أخرى ليتحدثوا عنها.
منذ نهاية الحرب الباردة، عملت الإدارات المتعاقبة بحماس على تفعيل القوة العسكرية الأميركية ونشرها. وفي العقود الثلاثة الماضية، جمع علَم جيش الولايات المتحدة 34 يافطة إضافية -كل منها لحملة منفصلة نفذتها القوات الأميركية. كما قامت القوات الجوية والبحرية بحصتها من العمل أيضاً، حيث نفذت أكثر من 100.000 غارة جوية في العقدين الماضيين فقط.
لسوء الحظ، نادرًا ما أسفرت هذه الوتيرة المحمومة للنشاط العسكري عن نتائج إيجابية. وإذا ما قيست بأهدافها المعلنة، فقد فشلت “الحروب الطويلة” في أفغانستان والعراق بشكل واضح، كما فشلت الحملات الصغيرة التي كانت تهدف إلى إضفاء قدر من السلام والاستقرار على ليبيا والصومال وسورية. وينطبق حكم غير مواتٍ بالقدر نفسه على المشروع الغامض الذي أشير إليه ذات مرة بلهجة فخورة باسم “الحرب العالمية على الإرهاب”، التي تستمر بلا أي نهاية في الأفق.
ومع ذلك، يبدو أن ثمة القليل من الفضول في السياسة الأميركية اليوم حول السبب في أن العمليات العسكرية الأخيرة، التي تم تنفيذها بتكلفة باهظة من الدم والأموال، لم تسفر عن أي قدر يعتد به من النجاح المستدام. ومن المسلم به على نطاق واسع أن “الأخطاء قد ارتكبت” –والأبرز من بينها كان حرب العراق التي بدأت في العام 2003. ومع ذلك، في داخل دوائر المؤسسة، ما تزال التداعيات الأكبر لمثل هذه الأخطاء الكارثية غير مستكشفة بعد. وفي الواقع، أصبحت السياسة الخارجية التدخلية للبلد شأناً مفروغًا منه إلى حد كبير، فيما لا يكاد الجمهور يوليها اهتماماً يذكر. ولا شك في أن قيام الشرطة بقتل السود يثير الغضب –وينبغي أن يفعل. لكن الحروب الفاشلة لا تثير سوى بعض ردود الفعل المستغرِبة فحسب.
وهم “القيادة الأميركية”
بشيء يقترب من الإجماع، فإن الأميركيين “يدعمون القوات”. ومع ذلك، فإنهم يحجمون عن الاستفسار بما يكفي من العمق عما حققه وضع هذه القوات في طريق الأذى في العقود الأخيرة. لقد أصبح الاحترام للجيش شيئاً يشبه الورع في الحياة الأميركية. وعلى سبيل المثال، في خطاب قبول ترشيح الحزب الديمقراطي للرئاسة، ختم جو بايدن تصريحاته بالتماس إلهي نيابة عن جنود الأمة: “حمى الله جنودنا”. ومع ذلك، لم يشر بايدن في أي مكان في خطابه الذي استمر 24 دقيقة إلى ما تفعله القوات الأميركية حاليًا، أو لماذا تحتاج، على وجه الخصوص، إلى حماية الله. كما أنه لم يقدم أي أفكار حول كيف يمكن أن تفعل إدارة بقيادته الأشياء بشكل مختلف.
لا يريد الأميركيون أن يسمعوا بشكل خاص عن الحرب أو احتمالية نشوب حرب في الموسم الحالي من الأزمات المتداخلة والتي تعزز بعضها بعضاً. وقد التزم بايدن بذلك في أهم خطاب في مسيرته المهنية. لم يذكر السياسي المشهور بالثرثرة الحروب الأميركية الأخيرة إلا بشكل عابر، مشيرًا بإيجاز إلى ابنه الراحل الذي خدم في العراق، وانتقد الرئيس الأميركي دونالد ترامب على عدم رده بقوة أكبر على الكشف عن أن روسيا تقدم مكافآت عن قتل الجنود الأميركيين في أفغانستان.
وليس هذا التهرب من تقييم الحروب الأميركية الأخيرة مقتصراً بأي حال على بايدن أو على الحزب الديمقراطي. إنه نزعة ينطوي عليها كلا الحزبين. وهو يحول دون إجراء المراجعة التي طال انتظارها للسياسة الأساسية التي تحكم الأمن القومي.
بين سقوط جدار برلين والانتخابات الرئاسية للعام 2016، تعاوَن قادة كلا الحزبين السياسيين في محاولة إظهار فاعلية وضرورة ما يشار إليه عادةً باسم “القيادة الأميركية العالمية”. وكجزء لا يتجزأ من هذه العبارة التي تبدو حميدة في ظاهرة، كانت ثمة استراتيجية كبرى تهدف إلى تحقيق التفوق القائم على العسكرة. ولسوء الحظ، أثبتت النتائج التي تم تحقيقها من خلال تأكيد ان القيادة العالمية هي أي شيء سوى أن تكون حميدة، كما تشهد الاضطرابات التي تشهدها كل من أفغانستان والعراق. وعلى الرغم من أن صناعة الدفاع وحلفاءها قد استفادوا من الحروب الأميركية، إلا أن ذلك لا ينطبق على الشعب الأميركي. إن الحروب المطولة لا تجعل الأميركيين أكثر حرية أو ازدهارًا. وبدلاً من ذلك، أرهقت الأمة وأثقلت كاهلها بديون هائلة وصرفت الانتباه والموارد عن الأولويات المحلية المهملة.
يشهد العام 2020 مناسبات أخرى لعرض القيادة الأميركية المعسكرة الخشنة. وتقدم الصين المثال الأكثر وضوحًا لهيمنة الصقور، حيث تصبح المطالب بأن تواجه الولايات المتحدة جمهورية الشعب أكثر إلحاحاً يومًا بعد يوم. ويبدو أن الكثيرين في واشنطن يرحبون باحتمال نشوب حرب باردة صينية-أميركية. وتشمل المجالات المحتملة الأخرى لإظهار القيادة الأميركية الحازمة العمليات ضد إيران وروسيا، وحتى فنزويلا الفقيرة، مع وجود شخصيات بارزة في أروقة السلطة في واشنطن تبدو حريصة على تغيير النظام في كاراكاس.
يعني التمسك بهذا النموذج للقيادة العالمية للولايات المتحدة إدامة الافتراضات والعادات التي تعرِّف سياسة الأمن القومي للولايات المتحدة بعد الحرب الباردة – قبل كل شيء ـــــ التركيز على حشد القوة العسكرية واستخدامها. وتمنح الولايات المتحدة نفسها امتيازات حصرية لا يسمح لأي دولة أخرى بامتلاكها حتى تظل، في تقديرها الخاص، “الأمة التي لا غنى عنها” في التاريخ. وبالحكم من النتائج التي تحققت في أفغانستان والعراق ومسارح الحرب الأخيرة الأخرى، فإن هذه الحتمية ستستمر في إحداث الخراب باسم الحرية والديمقراطية والقيم الإنسانية فقط.
العالمي فوق الجيوسياسي
ثمة مسار بديل. ويقترح أنصار هذا المسار، ومعظمهم من التقدميين المناهضين للتدخلية، إعادة تأطير السياسة وصياغتها بحيث تكون عالمية بدل أن تكون دولية فقط. وهذا التمييز مهم؛ فالروح السياسية العالمية تسلط الضوء على المشاكل التي تؤثر في جميع الدول، سواء كانت قوية أم ضعيفة، غنية أم فقيرة، كنقيض للتركيز على المنافسة الجيوسياسية التي تشهد انشغال الولايات المتحدة بصد أي وكل الذين يتحدون تفوقها. وليس من الصعب تحديد المشاكل المشتركة، والتي تشمل الأمراض المعدية مثل “كوفيد19″، وخطر نشوب صراع نووي، وتدهور المشاعات العالمية، وربما قبل كل شيء تغير المناخ.
لن تعترف إدارة ثانية يديرها ترامب بوجود هذا المسار البديل. وللأسف، من المحتمل أن تمنحه إدارة يقودها بايدن ما لا يتعدى الكلام. وعلى الرغم من إيماءة حملة بايدن حول تغير المناخ -وهي أزمة، لكنها أيضًا، على حد تعبير بايدن، “فرصة هائلة”- فإن سجله واختياره للمستشارين يشيران إلى أن إدارة يترأسها ستكون أقل عناية بالتغيير الحقيقي منها باستعادة الوضع الراهن الذي صنعه ترامب.
جاء فوز ترامب بالرئاسة في العام 2016 في جزء كبير منه لأن عددًا كبيرًا من الأميركيين فقدوا الثقة بسياسات المؤسسة التي تركت الولايات المتحدة غارقة فيما وصفه هو ومنتقدون آخرون للسياسة الأميركية المعسكرة بأنه “الحروب التي لا نهاية لها”. وعرض نفسه على أنه المُصلح الذي سيضع “أميركا أولاً”. لكنه لم يصلح أي شيء –بل وكسر الكثير في الحقيقة. وبسبب عدم الكفاءة الهائل، تسبب ترامب في إلحاق أضرار جسيمة بمصداقية الولايات المتحدة فيما تتواصل الحروب التي ورثها.
خذ خطاب قبول بايدن لترشيح الحزب الديمقراطي بقيمته الظاهرية، وسوف ترى أنه عازم على متابعة ما هو في الحقيقة أجندة “أميركا أولاً” –ولو من دون استخدام تلك العبارة المشعة. وفي الخطاب، يقدم بايدن نفسه كوكيل للتجديد المحلي، ويعد بإنقاذ “روح أميركا”. لكنه لا يعد بفداء العالم وتخليصه.
سوف يتطلب إنقاذ روح الولايات المتحدة إعادة حسابات وإجراء مراجعة صادقة للسياسة الخارجية للولايات المتحدة بعد الحرب الباردة، وقبل كل شيء، سوء الاستخدام المتهور للقوة العسكرية التي تشكل موضوعها الدائم. ويقترح بايدن، كرئيس، خلق ولايات متحدة تكون “كريمة، وقوية، ونزيهة ومتواضعة”. وسيتطلب تحقيق هذا الهدف النبيل أكثر من مجرد التنصل من ترامب وجميع أعماله. وسوف يستلزم منهجًا في فن الحكم يتسم في حد ذاته بالسخاء والقوة ونكران الذات والتواضع، وهي صفات لم تظهرها الإدارات الأميركية الأخيرة إلا نادراً وبشكل متقطع.
كيف يجب أن يبدو هذا النوع من فن الحكم؟ ينبغي أن يؤكد التعاون متعدد الأطراف بدلاً من العمل الأحادي. ويجب أن لا يستخدم القوة إلا ملاذا أخيرا. وسوف يحترم الالتزامات المتضمنة في المعاهدات ويفي بها. وسوف يلتزم بالمعايير المحترمة -على سبيل المثال، حظر الحرب الوقائية. وسوف يشجع الحلفاء القادرين على الدفاع عن أنفسهم على القيام بذلك. وسوف يعمل على تعزيز المؤسسات الدولية بدلاً من تقويضها. وسوف يتوقف عن تحديد حجم ميزانية البنتاغون باعتبارها التدبير النهائي والأهم للأمن القومي.
بالنظر إلى أولوياته، فإن إحجام بايدن عن الحديث عن الحروب الخارجية أمر مفهوم. ومع ذلك، إذا عادت إدارته إلى التعريف المُعسكر للقيادة الأميركية العالمية الذي ظل لعقود من الزمان هو الموقف الافتراضي الثابت للمؤسسة، فسوف يجد صعوبة بالغة في تجنب هذا الموضوع. وسوف يؤدي هذا المسار إلى مزيد من الحرب، مما يؤدي حتما إلى جعل الرؤية الخطابية لبايدن عن الضوء الذي يتغلب على الظلام أكثر ضبابية.
إذا كان بايدن جادًا بشأن تغيير السياسة الخارجية للولايات المتحدة، فسوف يعطي الأولوية للأمور التي تشكل تهديدًا مباشرًا على سلامة ورفاهية الشعب الأميركي. وما يزال الإرهاب يمثل مشكلة مزعجة وسيظل كذلك دائمًا. وتعمل الإجراءات العدوانية التي يقوم بها خصوم مثل الصين وروسيا وإيران على تذكير الأميركيين بديمومة الجغرافيا السياسية. ولكن، عندما يتعلق الأمر بالخطر القريب، فإن كل هذه التهديدات المفترضة تتضاءل مقارنة بعدد القتلى الناجم عن جائحة فيروس كورونا أو الفوضى التي تسببها العواصف وحرائق الغابات التي يفاقمها تغير المناخ سنويًا. ولن تستجيب أي من هذه التهديدات الفعلية لحل عسكري.
إن الحرب هي العدو الذي سيمنع بايدن من تحقيق ما وعد به. وسوف يكون تجنب النزاعات المسلحة التي لا داعي لها وغير المجدية خطوة أولى نحو بناء الولايات المتحدة الفاضلة التي يريدها. وسوف يتطلب ذلك إعادة توجيه جذرية لسياسات الأمن القومي الأميركية، نحو إعطاء الأولوية لسلامة ورفاهية الشعب الأميركي في الداخل، وليس السعي وراء أعداء وهميين مُتخيَّلين في الخارج.
*Andrew Bacevich: رئيس معهد كوينسي للحكم المسؤول ومؤلف كتاب “بعد نهاية العالم: دور أميركا في عالم متحول” (سيصدر قريباً).
*نشر هذا المقال تحت عنوان: The Endless Fantasy of American Power
المصدر: (فورين أفيرز) / الغد الأردنية

اترك تعليقاً
1+

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى