حرب السودان ومعادلة الاستنزاف الصفري

بشار نرش

دخلت حرب السودان عامها الرابع، ويبدو أنّ الصراع لم يعد يتحرّك وفق منطق الحسم العسكري التقليدي، بل دخل مرحلةً أكثر تعقيداً يمكن وصفها بـ”معادلة الاستنزاف الصفري”؛ فلا يملك أيٌّ من طرفَي الصراع، سواء أكان الجيش السوداني بقيادة الجنرال عبد الفتاح البرهان أم قوات الدعم السريع بقيادة محمّد حمدان دقلو (حميدتي)، القدرةَ على تحقيق انتصار كامل، ولا يستطيعان في الوقت نفسه التراجع عن خيار الحرب من دون أن يشعرا بأنّهما يخسران معركتهما الوجودية. فما بدأ في 15 إبريل/ نيسان 2023 صداماً محدوداً بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، سرعان ما تحوّل إلى حرب بالغة الخطورة والتعقيد، وبامتدادات إقليمية ودولية تتشابك فيها العوامل العسكرية والسياسية والاقتصادية، من دون أفق واضح للحسم أو التسوية، وهذا ما يجعل الحرب السودانية نموذجاً لصراع تتراجع فيه احتمالات الانتصار بقدر ما تتزايد كلفة الاستمرار.

لا يكمن جوهر الأزمة فقط في قدرة أحد الطرفَين على تحقيق مكاسب عسكرية، بل في طبيعة الحرب نفسها والبيئة التي جعلت الحسم العسكري أمراً بالغ الصعوبة

في القراءة العسكرية، لا تعني “معادلة الاستنزاف الصفري” غياب التقدّم العسكري أو تغيّر موازين القوّة على الأرض، وإنّما تعني أنّ هذه التحوّلات الميدانية لم تعد قادرةً على إنتاج حسم استراتيجي ينهي الحرب، فالمكاسب التي يحقّقها أحدُ الطرفَين تبقى محدودةَ الأثر إذا لم تتحوّل إلى قدرة على شلّ الطرف الآخر وإجباره على قبول تسوية سياسية بشروط المنتصر. وفي الحالة السودانية، تتجسّد هذه المعادلة بوضوح، إذ لم تتمكّن التحوّلات الميدانية، على الرغم من أهميتها العسكرية، من إحداث اختلال استراتيجي يُفضي إلى إنهاء الصراع بعدما حافظ كلّ طرف على قدرٍ كافٍ من القدرة القتالية والمرونة العملياتية اللتين مكّنتاه من إعادة التموضع واستيعاب الخسائر ومواصلة القتال. ونتيجة لذلك، تحوّلت المعارك من مسار يُفترض أن يقود إلى الحسم العسكري إلى آلية لإطالة أمد الحرب وإعادة إنتاجها، فلم تعد المكاسب الميدانية، مهما بلغت أهمّيتها، قادرةً على تغيير طبيعة الصراع أو فرض نهاية سياسية له، بقدر ما أصبحت جزءاً من “معادلة استنزاف صفري” تستنزف الطرفَين، وتُنهك الدولة السودانية ومؤسّساتها، وتُفاقم كلفة الحرب على المجتمع والاقتصاد.
وفي هذا السياق، تعكس استعادة الجيش السوداني مدينة الكرمك الاستراتيجية (في ولاية النيل الأزرق) طبيعة هذه المعادلة التي تحكم مسار الحرب. فالمدينة، بما تمثّله من أهمّية عسكرية وحدودية، منحت الجيش السوداني مكسباً ميدانياً مهمّاً وأعادت رسم بعض موازين القوّة، لكنّها في الوقت ذاته كشفت حدود الانتصارات التكتيكية في حرب لم تعد فيها السيطرة على المواقع الاستراتيجية كافيةً لإنتاج حسم نهائي. فالمكاسب العسكرية التي يحقّقها أيّ طرف لم تتحوّل إلى تفوّق استراتيجي قادر على إنهاء قدرة الطرف الآخر على القتال أو فرض تسوية سياسية بشروط المنتصر، وهو ما يُبقي الحرب أسيرة دائرة استنزاف طويلة، لا تؤدّي فيها التحوّلات الميدانية إلى إنهاء الصراع بقدر ما تعيد إنتاجه، لتصبح الدولة السودانية ومؤسّساتها الطرف الأكثر تعرّضاً للخسارة.
ومن هنا يُمكن القول إنّ فهم طبيعة الحرب السودانية لا يمكن أن يتوقّف عند حدود التحوّلات الميدانية أو قياس موازين القوّة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، لأنّ جوهر الأزمة لا يكمن فقط في قدرة أحد الطرفَين على تحقيق مكاسب عسكرية، بل في طبيعة الحرب نفسها والبيئة التي جعلت الحسم العسكري أمراً بالغ الصعوبة.

استراتيجية الاستنزاف لدى طرفي الحرب في السودان لا تنتج منتصراً

لذلك، لا يتعلّق السؤال المركزي هنا فقط بسؤال: مَن يملك الأفضلية العسكرية في لحظة معيّنة؟ وإنّما بسؤال” لماذا فشل منطق الحسم العسكري في إنهاء الصراع؟ فطبيعة المواجهة بين جيش نظامي يمتلك مقوّمات الدولة الرسمية وقوّة عسكرية غير نظامية تعتمد على المرونة والانتشار وشبكات النفوذ المحلّية، إلى جانب اتساع الجغرافيا السودانية وتعدّد جبهات القتال وتشابك خطوط الإمداد والدعمين المحلّي والإقليمي، جعلت الحرب تتجاوز منطق المعركة التي يمكن أن تنتهي بانتصار طرفٍ على طرف آخر، لتتحوّل إلى صراع طويل الأمد يستنزف الجميع ويقوّض قدرة الدولة على استعادة الاستقرار.
ختاماً، يمكن القول إنّه لا يمكن فهم طول أمد الحرب السودانية على أنه مجرّد فشل عسكري أو تعثّر سياسي، بل يجب النظر إليه باعتباره نتيجةً لطبيعة الاستراتيجيات التي يعتمدها الطرفان، فالجيش يخوض الحرب باعتبارها معركةَ دفاع عن الدولة وشرعية المؤسّسة العسكرية، ويرى أنّ أيّ تسوية قبل استعادة السيطرة ستعني ترسيخ وجود قوّة مسلّحة موازية للدولة. في المقابل، ترى قواتُ الدعم السريع أنّ أيّ هزيمة عسكرية ستعني فقدان مشروعها السياسي والعسكري بالكامل. ولذلك يمثّل استمرار القتال بالنسبة إليها وسيلةً للحفاظ على موقعها التفاوضي، وفي هذه الحالة، يصبح الاستنزاف جزءاً من حسابات الطرفَين؛ فكلّ طرف يعتقد أنّ الزمن يمكن أن يعمل لصالحه. فالجيش يعوّل على تراجع قدرة خصمه بفعل الضغط العسكري والاقتصادي، بينما تراهن قوات الدعم السريع على أنّ طول الحرب سيؤدّي إلى إنهاك مؤسّسات الدولة وإضعاف قدرة الجيش على إدارة البلاد، لكنّ المفارقة التي يجب أن يعيها الطرفان هي أنّ استراتيجية الاستنزاف قد لا تنتج منتصراً، بل قد تنتج دولةً منهكةً لا يستطيع أيّ طرف حكمها.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى