حروب نتنياهو ومصير فلسطين

   غازي العريضي

ثمّة سياسة إسرائيلية تقليدية متعمّدة منذ عقود: شنّ حروب، وافتعال أزمات للتغطية على ممارسات إرهابية توسّعية تكرّس سلطة الاحتلال في فلسطين، أولوية الأولويات بالتأكيد، للسيطرة الكاملة عليها، وقتل أيّ أمل أو حلم أو رهان لدى كثيرين في تحقيق “حلّ الدولتَين” وقيام دولة فلسطينية مستقلّة، احتراماً للقرارات الدولية والاتفاقات المعقودة مع السلطة الفلسطينية. إسرائيل، بعقيدتها وخبرائها وقادتها، قادرة على افتعال أسباب وتوليد حركات ترهق الناس لتبرير سياساتها وتحقيق أهدافها. المشكلة أنّ كثيرين في جوارها مستهدَفون بما تعلنه، بعيداً عن أيّ تحليل أو تأويل أو اتهام، ومع ذلك لا يتعلّمون من تجاربهم معها ومن سياستها التقليدية المذكورة.
اليوم، يقول نتنياهو إنّه يخوض، على رأس دولة الاغتصاب والإرهاب، حروباً في عدّة جبهات. بدأت الحرب الأولى على غزّة. شهد العالم ما لم يشهده خلال الحروب العالمية السابقة. سبّب، باعتراف كبار المسؤولين الأميركيين والإسرائيليين، حاليين وسابقين، عزلةً دوليةً لإسرائيل وتشويه سمعتها، وحذّرها حلفاء وأصدقاء وحريصون عليها، ولم تتوقّف حتّى أعلن رئيس المؤتمر اليهودي العالمي لاودر “فشل كلّ محاولاتهم لتلميع صورة إسرائيل والدفاع عنها وتوضيح حقيقة ما يجري”. وقد دفعوا 600 مليون دولار لتمويل الحملة. ما يجري في العالم غير مسبوق في وجه إسرائيل، على مستوى رجال قدامى أيّدوها وساندوها في حروبها كلّها، خصوصاً على مستوى الأجيال الجديدة والعاملين في قطاعات مختلفة، خصوصاً الإعلام، ولم يستفد العرب من هذا الأمر حتّى في تفاوضهم أو شراكتهم مع إسرائيل.

 إنّه المشروع التاريخي لدولة إسرائيل: “كلّ فلسطين لنا”، و”هي أرض الميعاد”، ومنها سننطلق نحو إسرائيل الكُبرى

يوقف نتنياهو حرباً هنا، ويشعلها هناك، ويورّط ترامب هنا، ويتصرّف وحده هناك، من إيران إلى اليمن والعراق وسورية ولبنان. وإذا وقع خلاف بينهما، هدّد بالعمل على الاستقلال الاستراتيجي في المجال العسكري، والاعتماد على الذات لناحية توفير الإمكانات المالية والتقنية الضرورية لتعزيز قدرات الجيش الإسرائيلي العسكرية من جهة، والتحرّر من “دائرة الابتزاز الأميركي” من جهة ثانية، كما يقول مسؤولون إسرائيليون.
وهو يستند، في ما يقوم به، إلى المال العربي اللامحدود، ورغبة مسؤولين عرب في الشراكة معه، بعد أن خذلهم ترامب بإهانته لهم، وتخلّيه عنهم، وابتزازهم مالياً، وذهابه إلى إيران والاتفاق معها، على أن يدفعوا هم تكاليف الحرب. طبعاً، لا شيء بالمجّان مع نتنياهو. سيدفعون له ثمناً غالياً جدّاً: اتفاقات إبراهيمية وأموالاً، وهو يلبّي أكثر من ترامب، بغضّ النظر عن أهدافه الأساسية وخطواته والمدى الذي يمكن أن يصل إليه معهم، وهو دقيق في ذلك كلّه. لن يحصلوا على أيّ شيء يؤهّلهم للتفكير بالاستقلال، كما يفعل هؤلاء مع أميركا. سيُبقيهم في دائرة الابتزاز والاستغلال والحاجة الدائمة إليه، وهو الحامي والمقرّر والمقدّر للخطوات كلّها.
اليوم، وفي ظلّ الخلاف مع ترامب الذي رمّم جزءاً منه بعد “اتفاق الإطار” مع لبنان واعتباره انتصاراً إسرائيلياً، تعهّدت الولايات المتحدة بـ”سحب 20 طائرة تزوّد بالوقود من مطار بن غوريون”، والمهلة تنتهي اليوم، بضغط من وزيرة الاتصالات الإسرائيلية: “خذ طائراتك من المطار”، و”تزوّد بالوقود من مكان آخر أكثر أمناً”. هكذا يقول له بعد أن أكّد أكثر من مرّة: “هو رئيس أميركا وأنا رئيس وزراء إسرائيل”، و”لم أطلب إذناً منه لضرب إيران”، و”لن تقيّد حركتنا”. وبالتالي، إذا فتح باب الشراكة مع العرب، ورغم كلّ ما سيقدّمونه وبلا حساب، فإنّ حسابه مختلف. الشراكة بشروطه. لن يكون أكثر أخلاقية والتزاماً معهم من ترامب. وفلسطين هي الهدف الأول.
أعلن منذ أيّام: “سنوسّع وجودنا في غزّة إلى 70%”، بما يتجاوز “الخطّ الأصفر”، مع استمرار القتل والدمار والخراب، وتجويع الفلسطينيين، واغتصاب معتقلين، وإعدام بعضهم وفقاً لقانون إعدام الأسرى الفريد من نوعه في العالم، والاستمرار في التوسّع والاحتلال في الضفة. هو بهذه الممارسات يتنكّر لترامب و”مجلس سلامه”، ويصرّ على احتلال وقضم كلّ غزّة على مراحل، ويستهدف الضفّة في وقت ينشغل فيه العالم بالحرب على إيران ولبنان وسورية، وتهديد تركيا، وقضايا كثيرة.
ما يجري في الضفّة خطير جدّاً جداً. إصرار على بناء مئات الوحدات السكنية ومنشآت إلى جانب بلدية الخليل، من دون استشارة البلدية. ولا ننسى القاعدة العسكرية في جنين، وهدم منازل في كلّ مكان، ومستوطنين يحرقون جبلاً بأكمله في الطيبة، ويطلقون النار على بيوت الفلسطينيين، ويمنعون الناس من الوصول إلى الحريق لإخماده. الهدف إخلاء المنازل واحتلالها. والطيبة بلدة ذات أغلبية مسيحية، وهم لا يفرّقون بين مسيحي ومسلم، يريدون الأرض، ويدّعون معاملة المسيحيين معاملة أفضل.
ودعا الحاخام إبراهيم زيرييف إلى “قصف الضفّة الغربية وقتل عشرات الآلاف”. هذا هو النموذج، وهذه هي الروحية والذهنية ببعدها الديني الخطير، اللتان تبيحان لهؤلاء، بحسب تأويلات طقوسهم وإيمانهم وعقيدتهم، ممارسة كلّ أشكال الإرهاب والظلم والقهر ضدّ الفلسطينيين. وفي الضفّة أيضاً، جال رئيس الموساد السابق تامير باردو لتوثيق انتهاكات المستوطنين. عبّر عن صدمة كبيرة وخيبة وسخط، وصرّح: “أخجل من أنّني يهودي، نظراً إلى ما شاهدته من اعتداءات وعنف ضدّ الفلسطينيين. ما جرى ذكّرني بما جرى في القرن الماضي في دولة متطوّرة جدّاً، وهي الشواهد على ما ارتُكب ضدّ اليهود”.
كذلك نشرت صحيفة ذا غارديان رسالةً مسرّبة موقّعة من شخصيات إسرائيلية بارزة تطالب بوقف “الإرهاب اليهودي”، واتخاذ إجراءات فورية ضدّ الاعتداءات التي تُرتكب على الفلسطينيين: القتل، والحرق، والسرقة، وتدنيس الموتى، والحكومة متقاعسة. ومن الموقّعين: رئيسا الوزراء السابقان إيهود باراك وأولمرت، ورؤساء أجهزة أمنية سابقون، وعشرات الشخصيات القضائية والقانونية والعاملة في الشأن العام. ومع ذلك لا تتحرّك الحكومة، بل تبارك أعمال بن غفير وسموتريتش وغيرهما، وتحمي المستوطنين، وترفض إدانتهم أو محاكمتهم في الخارج. وإذا أوقف أحدهم بتهمة الإرهاب، فلا يُطبّق عليه “قانون إعدام الأسرى”. إنّها الدولة اليهودية، دولة التمييز العنصري والعرقي. أعلن وزير المالية سموتريتش: “النقب والخليل يستلزمان ثورة جذرية، وهذه هي المرحلة الثانية من أحدث ثورة في يهودا والسامرة (الضفّة). المشكلة أيضاً وجودية بالنسبة إلينا. كمّية الأسلحة غير الشرعية الموجودة في التجمّعات البدوية تعادل نصف ترسانة الجيش الإسرائيلي”. ألا يعني هذا كلّه العمل الدؤوب لـ”تنظيف” الأراضي الفلسطينية ووضع اليد عليها، والعالم منشغل في مواقع أخرى وبقضايا وهموم أخرى، ونتنياهو هو أحد أبرز مفتعليها ومشعليها والمصرّين على استكمالها حتّى تحقيق أهدافها؟
هنا محطّة القدس و”جبل الهيكل”. يقول بن غفير: “الحمد لله، غيّرنا الوضع هناك. ليس الخلاص الكامل بعد، ولا الهيكل بعد. لكنّ الصلوات مسموحة في المسجد الأقصى، والسجود الملحمي، والرقصات والأغاني الدينية مسموحة، والسلام لكم”. ويقول الحاخام شموئيل إلياهو في حضوره: “كتبت ثلاث رسائل. لم أدرك يومها أنّ الله يرسلني في مهمّة. لكنّني أقول لكم إنّني أدرك اليوم أنّ ثمّة مهمّة تنتظرني. هي كحلم بعيد المنال بات يتحوّل إلى شيء واقعي. سيكون هنا كنيس، وهو تهيئة لبناء الهيكل في هذا المكان”. ويتباهى بن غفير، في صالون حلاقة، بـ”العقاب الجماعي” وهدم منازل الفلسطينيين، ويقول إنّ عددها يفوق عدد شعرات رأسه. وقال له حلّاقه: سأقصّ شعرة مقابل كلّ منزل جرى هدمه. فأجابه: “هل جننت؟ سأبقى حينها أصلع”.
إنّه المشروع التاريخي لدولة إسرائيل: “كلّ فلسطين لنا”، و”هي أرض الميعاد”، ومنها سننطلق نحو إسرائيل الكُبرى. هذا ما يخطّط له نتنياهو اليوم. نتنياهو الذي قال، في هذا التوقيت، كلاماً دقيقاً خطيراً شبّهه بعضهم بـ”فلسفة البقاء للأصلح” التي تبنّتها ألمانيا النازية بقيادة هتلر لتبرير جرائمها في الحرب العالمية الثانية، فأعلن: “القوّة هي العامل الحاسم الوحيد للبقاء في الشرق الأوسط والعالم. التاريخ لا يرحم الضعفاء. لا أدّعي أنّني نبي، لكنّني أعرف العناصر التي تحدّد البقاء. البقاء للأقوى، ولا مكان للضعيف الذي سيُهزم ويهلك”.

خلافات وانتقادات قاسية داخل “فتح” ومنظّمة التحرير، وانقسامات بين الفصائل. وهذا كلّه يخدم المشروع الإسرائيلي

هذه هي فلسفة نتنياهو وعقيدته وخلفية تفكيره، وتفكير من حوله. والهدف تهجير الفلسطينيين، بما يحمله ذلك من خطر كبير على دول الجوار القريب ودول المنطقة كلّها، لا سيّما عندما يعلنون أنّ الله أعطاهم الحقّ في السيطرة على أجزاء من مصر والأردن وسورية ولبنان والعراق والسعودية، و”الخطّة ستُنفّذ في الوقت المناسب”، كما قال كاتس منذ وقت قصير. هنا يبرز خبر مهم أوردته “هآرتس” نقلاً عن رئيس مجلس الأمن القومي الإسرائيلي شموئيل بن عزرا في اجتماعه مع كبار مسؤولي الدفاع لإعادة النظر في خطّة “الهجرة الطوعية” المتعثّرة للفلسطينيين من غزّة، حيث أكّد ممثّلو الموساد: “لم يُعثر على أيّ دولة مقصد، والفكرة لم تحرز تقدّماً”. ويمر خبر كهذا مرور الكرام، وليس ثمّة من يتابع ويهتم. الكلّ غارق في همومه. وكما أقول دائماً: “العرب، كلّ منهم يغنّي على ويلاه، وبعضهم على ليلاه”. وفلسطين تضيع، رغم كلّ ما حققته إسرائيل، المعزولة دولياً، والمحتضنة عربياً رسمياً إلى حدود بعيدة، بل المراهن عليها، والفلسطيني المشرّد، المقتول، المستهدف، صمد وصبر وتحمّل البرد والشتاء والقهر والظلم والقتل، ويؤكّد تمسّكه بأرضه.
المسؤولية فلسطينية بالدرجة الأولى. خلافات وانتقادات قاسية داخل “فتح” ومنظّمة التحرير، وانقسامات بين الفصائل. وهذا كلّه يخدم، بطريقة أو بأخرى، المشروع الإسرائيلي. وبعض العرب غارق في لعبة وهمية للسيطرة هنا أو هناك، ليس لحماية فلسطين وأهلها، بل تحت وهم امتلاكه مفتاح حلّ قضية غير موجودة في ذهن الإسرائيلي، إنّما يطرح ما تبقّى منها على طاولات البازارات ورقةً تُقدّم لنتنياهو. ولا يدرك هؤلاء أنّ المشروع يستهدفهم بوجودهم وثرواتهم، ولا مكافأة لهم على شيء.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى