ترامب جعل لبنان ورقة تفاوض إيرانية “رابحة”

بسام مقداد

منذ عقود وإيران محور الحدث في المنطقة وما يتعلق بها. وهي تتنافس مع إسرائيل على تبوء مركز الصدارة في عناوين الإعلام كقوىً مزعزعة لاستقرار المنطقة. واللافت أن الصراع بين الدولتين لا يقسم المنطقة بين مؤيد ومناهض لإحداهما، بل يخلق إجماعاً على عداوتهما للمنطقة وشعوبها، لا تخرقه سوى الفصائل الإيرانية المزروعة في بلدان المنطقة، وكذلك بعض البلدان التي أغرقت في التطبيع مع إسرائيل.

الأمل في تخفيض مستوى العبث الإيراني في المنطقة الذي لاح مع إضعاف نظام الملالي بالحرب الأميركية الإسرائيلية عليه، وجه له ترامب ضربة قاسية بتوقيعه على مذكرة التفاهم معه. ويرى خبراء أن البلدان العربية كلها ستدفع ثمن عواقب هذه المذكرة، من دون أن يتمكن أحد من تفادي ذلك. فالمذكرة التي يرى معظم الخبراء ومواقع الإعلام، بمن فيهم الأميركيين، أن معظم بنودها جاءت لمصلحة إيران، سمحت لنظام الملالي بالتمسك بمقولة “وحدة الساحات” التي بدا للحظة أنها قد دفنت تحت ردم مواقع إيران وأذرعها التي دمرها القصف الأميركي الإسرائيلي. فقد حرص نظام الملالي على أن تتضمن المذكرة شرط شمول وقف إطلاق النار على جميع جبهات الحرب، التي لم يبقَ منها مشتعلاً سوى جبهة لبنان. أما الجبهة الإيرانية نفسها فلم تعد تشتعل سوى بين الحين والآخر، ووفق مقتضيات المفاوضات مع الولايات المتحدة.

ترامب الذي يرعى المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية، ويضع أحد أهدافها فصل الجبهة اللبنانية عن الإيرانية وحرمان الملالي من استخدام الورقة اللبنانية في ابتزاز الولايات المتحدة في المفاوضات الجارية في سويسرا، لم يتمكن من تفادي هذا الإبتزاز كما يبدو. وبغض النظر عن الأسباب الكثيرة لعدم قدرته على ذلك، جعل لبنان ورقة رابحة بيد الملالي ولو إلى حين. وبفضل ما منحته مذكرة التفاهم الأميركية الإيرانية لنظام الملالي من أسباب الشعور بالنصر في الحرب، عاد لبنان مجدداً ليكون رهينة المصالح الإيرانية، ويفقد الكثير مما حققه في مواجهته مع ذراع الحرس الثوري في لبنان، حزب الله.

ومنذ أن بدأ ترامب يطرح مقولة التفاوض مع إيران، أعلن نظام الملالي تمسكه بالورقة اللبنانية، ووضعها في مقدمة شروطه للعودة إلى طاولة المفاوضات. ولم يكن لبنان يصدق في البداية أن الملالي سيتمكنون من تنفيذ شرطهم هذا، وقبل بالتفاوض مع إسرائيل بناءً على هذه القناعة، ومستنداً إلى التشجيع الأميركي ووعود فريق ترامب بتحييد إبتزاز إيران وذراعها اللبناني. والمفاوضات المباشرة مع إسرائيل التي تجري في حضن الإدارة الأميركية، وفي ظل القبول القسري لإسرائيل، التي تحقق في حربها على لبنان ما لا تستطيع أي مفاوضات أن توفره لها، فقدت (المفاوضات) الكثير من وهجها الأولي، وتراجع الأمل في الانعتاق من النفوذ الإيراني وابتزاز فريقها في لبنان، حزب الله. وعقد الجولة الجديدة من المفاوضات في واشنطن خلال الساعات المقبلة لن يكون ذات معنى إلا إذا انتهت بانجاز ما ملموس، قد يتمثل في انسحاب إسرائيلي جزئي ما من الأراضي اللبنانية المحتلة.

إسرائيل التي لم تتردد في الوقوف ضد مذكرة التفاهم الأميركية الإيرانية والمفاوضات الجارية في سويسرا والتي استبعدت منها، من البديهي أنها لا تتوقع إلا انتعاش النفوذ الإيراني مجدداً في المنطقة ولبنان. ومع أن الجولة الجديدة من المفاوضات مع لبنان لا يفصلنا عنها سوى ساعات، لا يتطرق الإعلام والمسؤولون الإسرائيليون إلى ذكرها، بل يركزون على تزايد النفوذ الإيراني في لبنان، مما يجعلهم يشككون في إمكانية التوصل إلى سلام مع لبنان.

الرئيس الإسرائيلي إسحق هرتزوغ رأى في مقابلة مع شبكة فوكس نيوز الأميركية أنه “يستحيل التوصل إلى اتفاق سلام بين إسرائيل ولبنان طالما أن إيران تتمتع بهذا النفوذ الكبير. كيف يمكن تحقيق السلام مع لبنان في ظل سيطرة حزب الله عليه؟”، حسب موقع يديعوت أحرونوت الناطق بالروسية vesty في 21 الجاري.

وعن العلاقات الأميركية الإسرائيلية قال هرتزوغ إن إسرائيل والولايات المتحدة تربطهما علاقة وثيقة للغاية. والتعبير عن المخاوف أمر مشروع تماماً، لأن إسرائيل في الخطوط الأمامية لهذه الحرب.

الموقع الأوكراني theotherukraine نشر في 21 الجاري نصاً عنونه بالقول “تطالب إيران الولايات المتحدة بوقف إطلاق النار في لبنان كشرط للمضي قدماً في اتفاقيات السلام”. ونقل الموقع عن الناطق بإسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي تصريحه بان طهران لن تنتقل إلى مرحلة جديدة من المفاوضات مع الولايات المتحدة حتى يتم التوصل إلى وقف لإطلاق النار في لبنان. وجاء هذا التصريح عشية انطلاق المفاوضات الأميركية الإيرانية في سويسرا.

أشار الموقع إلى لقاء نائب الرئيس الأميركي جي.دي.فانس مع الوفد الباكستاني في سويسرا برئاسة رئيس الوزراء شهباز شريف. وتوقف عند رفض فانس الإجابة على سؤال الصحافيين عن وجود رسالة إلى نتنياهو بشأن وقف العمليات العسكرية في لبنان، كما تطالب طهران.

تعليقاً على تشديد لهجة ترامب حيال الإيرانيين بعد تمنعهم عن مواصلة المفاوضات إلا بعد تنفيذ شرطهم بوقف إطلاق النار في لبنان، نشر موقع vesty عينه في 21 الجاري أيضاً نصاً آخر للمعلق السياسي في يديعوت أحرونوت إيتامار إيشنر.

عنون المعلق الإسرائيلي نصه بالتساؤل عن سبب تغيير ترامب خطابه تجاه إيران. ورأى أن السياسة الأميركية حيال إيران هي سياسة الجزرة والسوط، وأن الرئيس الأميركي لا يفهم دقائق السياسة في الشرق الأوسط، بل يزيدها تعقيداً.

قدم الموقع لنص إيشنر بالقول إنه في حين أبدى نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس تفاؤلاً خلال المحادثات مع إيران في سويسرا في 21 حزيران، أصدر الرئيس دونالد ترامب سلسلة من التصريحات التي أرسلت إشارات متضاربة حول موقف واشنطن من طهران وإسرائيل والشرق الأوسط. ونقل عنه قوله في مقابلة مع قناة فوكس نيوز ومنشور على موقع تروث سوشيال، تهديده بالسيطرة على مضيق هرمز، وتحذير إيران من الاستمرار في تخصيب اليورانيوم، وقال إنه بعد انقضاء فترة الستين يوماً المنصوص عليها في مذكرة التفاهم، “يمكنه أن يفعل ما يشاء”.

رأى إيشنار أن ترامب يلعب عملياً دور “الشرطي السيء”. وقد هدد بشكل مباشر بأنه إذا لم تكبح إيران جماح حزب الله في لبنان، فإن الولايات المتحدة ستقصفها “بقوة أكبر” من ذي قبل. وفي غضون ذلك، يجري فانس محادثات مع مسؤولين إيرانيين في سويسرا، ساعياً إلى تحقيق تقدم دبلوماسي.

يضيف إيشنار بالقول إنه بينما يتحدث فانس عن المصالحة والحوار ومواصلة المفاوضات، يستخدم ترامب لغة الإنذارات والتهديدات والقوة. ويعتقد المعلق أنها استراتيجية أميركية مُتعمّدة: فانس يُغري بالترغيب، بينما يُلوّح ترامب بالعصا. وتلعب هنا السياسة الداخلية دورًا أيضًا.

ويشير إيشنار إلى أنه في الأيام الأخيرة، تعرض ترامب لانتقادات شديدة في كل من إسرائيل والولايات المتحدة بسبب مذكرة التفاهم التي أبرمها مع إيران. ويؤكد منتقدوه بأنه منح طهران متسعاً كبيراً من الوقت من دون معالجة القضايا الأساسية التي تثير قلق إسرائيل ودول أخرى في المنطقة منذ سنوات. لذا، يمكن اعتبار تصريحات ترامب الأخيرة محاولةً لتحسين صورته. فقد سعى إلى التأكيد على أن الاتفاق ليس حلاً نهائياً، بل مجرد تمديد مؤقت لوقف إطلاق النار؛ وأن الخيار العسكري لا يزال متاحاً له؛ وأن إيران قد تدفع ثمناً باهظاً إذا انتهكت الاتفاقات المبرمة.

المصدر: المدن

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى