
كثيرون يرون في “بروفايل” أيوب بوعدي تلخيصاً لـ”البورتريه” الناجح للشاب المغربي في العالم: شابّ بدراية علمية متقدّمة قادته إلى قصر الإليزيه، ليفوز في مسابقة لفنّ الخطابة والبلاغة أمام الرئيس إيمانويل ماكرون، وعمره بالكاد 18 سنة. عقل علمي دقيق يقف على قدمين رقيقتين أو “رقايقيَّتين”، بلغة أهل المغرب التي تحيل هنا على المهارة والسموّ الفنّي، وليس على الموهبة الرياضية فقط. “رقايقي” مصطلح آتٍ من الصناعة التقليدية عند معلّمي الزليج (البلاط الفسيفسائي) والتزيين والمنمنمات، يُطلق على شاب مغربي ابن الهجرة، وُلد في مدينة كريل الفرنسية، من أسرة مهاجرة، وهو اليوم واحد من جيل النجوم المغاربة في المونديال، يمثّلون 73% من المنتخب الوطني المنافس في مونديال القارّة الأميركية.
تحضر الثقافة المغربية اليوم في قارّات أخرى، من خلال حضور الأدب المغربي والثقافة المغربية في لوائح الجوائز المهمّة في جهات العالم
لا يضمّ الفريق أيّ لاعب متجنّس، أفراده مغاربة كلّهم، والانتماء حقّ لهم، سواء من طريق الأب أو من طريق الأمّ، وهي التي كانت موضوع نقاش خاضه المجتمع، وصار الدم الأنثوي هو أيضاً صانع النسب، بقوّة القانون 62.06. ولعلّ ذلك الحضور القوي للأمهات في المحافل الرياضية كلّها، سيّما الكروية، كان لافتاً حقّاً، ولا يمكن فهم جزء منه إلا إذا استحضرنا تجربة المغرب الرائدة في النقاش الفقهي والقانوني معاً حول الحقّ في الجنسية التي منح القانون للأمّ حقّ نقلها إلى أبنائها من رجل أجنبي.
لا يخفى عن المتتبّع أنّ المهاجرين، الذين اختار لهم المغرب اسماً أو وصفاً بحمولة عالية، “مغاربة العالم”، يُعدّون اليوم احتياطاً كبيراً في الأفق المستقبلي الذي يريده المغرب لنفسه. فهم رصيد ديموغرافي يجمع بين الرأسمال الروحي واللامادي العميق، وبين الخبرة والعلم والقوة الاقتصادية. هناك في العالم اليوم ستة ملايين مغربي، انتقلوا من التمركز في رقعة جغرافية محض أوروبية، كانت للمغرب معها علاقات تبادل اقتصادية مبنية على طلب اليد العاملة، خصوصاً فرنسا وبلجيكا، إلى الانتشار في كامل أوروبا، ثمّ في قارات بعيدة، كما في كندا والولايات المتحدة، وفي دول الخليج كذلك.
في لحظات الفرح الكروي، تتحوّل شوارع العالم كلّها إلى شوارع مغربية: من الخليج إلى باريس، ومن مونتريال إلى أفريقيا. ويكاد النشيد الوطني، الذي يحفظه المهاجرون والمقيمون عن ظهر قلب، أن يكون “بيعة فرحة” تتكرّر في كلّ منافسة ومع كلّ انتصار عابر للقارات. ولكنّ النظرة المتأنية تبيّن أنّ هذا الارتباط يتجاوز المجال الرياضي، والكروي تحديداً، إلى ما هو أوسع وأعمق، من خلال تأكيد ربط الاتصال بالبلاد الأصلية. ما نراه هو الارتباط متعدّد الوشائج، عبر السياسة، أو عبر الثقافة، وعبر التدين والامتدادات الصوفية، وغير ذلك.
تحضر الثقافة المغربية اليوم في قارّات أخرى، من خلال حضور الأدب المغربي والثقافة المغربية في لوائح الجوائز المهمّة في جهات العالم، بعضها من المشرق، وبعضها من أوروبا وكندا، حتّى باتت الدعوة إلى ترجمة الأدب المغربي لكتّاب مغاربة ذات حمولة حقيقية. وبذلك نحن أمام هُويّة ثقافية تتغذّى من روافدها المهاجرة، في بيئات ثقافية مغايرة. حتّى إنّ المغرب يتحدّث عن المهاجرين و”ترابهم” العالمي باعتبارهم الجهة 13، في التقسيم الوطني الذي يضمّ 12 جهة رسمية، وهي الجهة التي أفردت لها نظرية المغرب الجديدة عن الأبعاد الجديدة لمغرب 2035 مساحات واسعة، منها وثيقة النموذج التنموي الجديد، بما هو ثمرة تفكير جماعي وذكاء شامل، جعل مغاربة العالم رافعة من الرافعات الخمس الضرورية، منها الرقمنة، وتمويل التنمية، ولهم دور فيها إذ تغيّر وضع المهاجرين وظيفياً، حيث انتقلوا إلى وضع غير مسبوق، بل أحياناً تفوق مساهمتهم مداخيل الفوسفات والسياحة (تتحدّث آخر الأرقام عن 14 مليار دولار) والإصلاح الإداري، وهم من ضحايا تعثره في جوانب كثيرة. ومن ذلك خطب الملك محمّد السادس، مثل خطاب العرش في 2024، الذي دعا إلى إعادة تنظيم مؤسّسي خاصّ بمغاربة العالم، من أجل أفق يبدو معنوياً قريباً من “الحكم الذاتي”، لم تتأسّس له هيئاته ومؤسّساته التي تعبّر عنه.
تستحق العلاقة بين المغرب وعقوله وسواعده المهاجرة نظرة أعمق، لا يسمح بها المقام ولا المقال هنا، لكن يمكن التشديد على أنّ المتابعة، ولو في حدودها الإعلامية، لا بدّ أن تقف عند الترابط القوي بين الملكية وبين مغاربتها في الخارج. على مستويين اثنين، نستشف أحدهما من خلال تصريحات رئيس مجلس مغاربة العالم، إدريس اليازمي، المناضل الحقوقي والمعارض السابق وأحد وجوه الهجرة وحقوق الإنسان، والثاني من خلال مظاهر هذا الارتباط. في الحالة الأولى، يقول اليازمي إنّ “الدولة تغيّرت كثيراً، ولا شكّ، في ذهن المغربي المهاجر: لم تعد دولة تخيف”، وإنْ لا يعني هذا أنّ الطبقة السياسية تتعامل بالإيجابية نفسها مع مغاربة الخارج، إذ هناك شيء من التردّد، إن لم نقل الحيطة، من طرف هذه الطبقة. وفي المستوى الثاني، تحضر الملكية بوصفها الوجه المشرق من الدولة، من خلال صورتها الإيجابية عند المهاجرين في العالم. وهو معطى يجد جذوره في تاريخها نفسه، منذ السلطان الحسن الأوّل. كلّ الذين يتابعون هذه الهجرات العلمية يتذكّرون أنّ الهجرة من أجل العلم، في لحظة من لحظات الارتباك السياسي والهزيمة العسكرية، جاءت بقرار من الملكية في شخص الحسن الأوّل، الذي أرسل بعثة للطلاب في الزمن نفسه الذي خرج فيه طلاب اليابان في عهد ميجي (الحكومة العاقلة أو الرشيدة باللغة اليابانية). وقد كانت الملكية متقدّمة على مجتمعها المحافظ، إن لم نقل الرجعي، الذي سيحارب هؤلاء الطلبة عند عودتهم.
الملكية هنا، بوصفها قيمةً وصورةً للوطنية المغربية الإصلاحية (انظر عبد الله العروي في “أصول الوطنية المغربية”)، حافظت على هذا الدور، في ارتباط دائم بين المهاجرين و”المغرب الملكي”، ويتضح أنّ جلّ الحملات والسياسات المتقدّمة ذات ارتباط بالمؤسّسة الملكية بوصفها قوة توحيد أساسية في العاطفة الوطنية للمغاربة، ومن خلال مبادرات المصالحة الشاملة التي قادها الملك محمّد السادس. وجزء من الشباب الذي يغزو المساحات العلمية مثل كلّيات الطبّ والجامعات المتعدّدة الاختصاصات، و”البوليتيكنيك بباريس مثلاً، يغادر بحثاً عن أفق جديد. وقد شهد الرئيس الفرنسي نفسه، في القمّة الأفريقية الفرنسية، للمنجز المغربي، “ثورة التعليم كما قال”، يلتقي بالشباب المغربي الذي يولد في الهجرة، ويخلقان رصيداً استراتيجياً في التكنولوجيات المتقدّمة والطاقات المتجدّدة والتكنولوجيات البيولوجية أو الإحيائية. ويعمل المغرب على ترصيد روابطه البيوغرافية مع العالم، عبر تجسير العلاقة بينه وبين العالم، وقد شاهدنا ذلك مثلاً من خلال منصف السلاوي، الذي كلّفه ترامب أيام كوفيد-19 بتتبّع اللقاحات في أميركا، والمغربي الآخر سمير مشور (نائب الرئيس العام لمجموعة سامسونغ بيولوجيكس) الكورية الجنوبية.
المغاربة الذين هاجروا من جيلَي الآباء والأجداد قطعوا مضيق جبل طارق من أجل لقمة العيش، أمّا أبناؤهم فيفعلون هذا من أجل العلم وآفاق أوسع
والذين هاجروا من جيلَي الآباء والأجداد، قطعوا مضيق جبل طارق من أجل لقمة العيش، أمّا أبناؤهم الحاليون فيفعلون هذا من أجل العلم وآفاق أوسع، ويجاورون إخواناً لهم وُلدوا ونشأوا هناك. وهذا الجيل الأوّل، الجيل العامل اليدوي، صنع الجيل الذي يتمظهر من خلاله مغرب المونديال. وهو جيل قادر على الاندماج في أوطان الاستقبال، ويعيش مواطنته الأوروبية أو الكندية من دون عقدة، وفي الوقت نفسه، يبني شبكات انتماء لـ”غيرية” ذات علاقة مع بلاده، مع تشبيك، من الشبكة، أوروبي يوجد في قلبه. وفي الوقت ذاته، يبني شبكات تضامنية موازية مع البلاد، ومع الأسر، ومع القرى في الهامش، كانت الدولة فيها مجرّد مصدر للمعلومة (انظر فاطمة المرنيسي في “آيت ديبروي”). بدأ هذا منذ الثمانينيّات، وبدأ مع أولى مظاهر القطيعة بين الدول الأوروبية والعمّال المهاجرين إليها، أيّام مناجم بادوكالي، وعودة المهاجرين وإنشاء جمعيات للعمل من أجل الهجرة والتنمية.
تغيّرت الدولة كثيراً، ولا شكّ، في ذهن المغربي المهاجر: لم تعد دولة تخيف، ولكن العلاقة ما زالت موسومة بالحيطة من المغاربة في الخارج. في لحظات سابقة وُضعت لوائح الانتخابات في 2002، لكن لم يتم إعداد مكاتب التصويت لمغاربة العالم، وفي كلّ لحظة سياسية يبدو السقف الذي تقترحه الملكية على الطبقة السياسية أعلى من طموحاتها ومن هواجسها، وهذا ليس موضوع حديثنا. ويعيش مغاربة العالم في فضاء عمومي عابر للحدود، يعيشون داخله، ويثبتون قدرتهم على تدبير الانتماء، وتظهر جليةً في هذا التعدّد، وفي القدرة على اندماج سلس، واختيار واضح عند كثيرين، نجح حكيمي ولم ينجح يامال، ونجح جاد المالح ولم ينجح جمال دبوز مثلاً.
نحن أمام تجربة قوية في الانتماء وفي ترصيد الروح العابرة للقارات وللتاريخ نفسه.
المصدر: العربي الجديد






