عند ما يخذلك الملاذ الأخير

   حمّور زيادة

           

بينما كانت البوسنة تحاول، في نهاية التسعينيّات، لملمة ما مزّقته الحرب الطويلة، تفجّرت فضيحةٌ هزّت صورة المؤسّسات الدولية التي جاءت تحت شعار حماية المدنيين. بدأت الحكاية عندما كشفت المحقّقة الأميركية كاثرين بولكوفاك، العاملة في بعثة الأمم المتحدة، شبكات للاتجار الجنسي تستغلّ فتيات ونساء، وتهرّبهن إلى بعض دول شرقي أوروبا، ومنها إلى أماكن متفرّقة من العالم. كانت الكارثة في اكتشاف تعاون أفراد من العاملين الدوليين والمتعاقدين المحلّيين والأجانب مع الشبكات الإجرامية. اكتشفت بولكوفاك، التي عملت سابقاً مع شرطة نبراسكا قبل انضمامها إلى المنظّمة الدولية، أنّ عاملين دوليين اشتروا فتيات بوسنيات واحتفظوا بهن بوصفهنّ رقيقاً جنسياً. كما تورّط آخرون من قوات حفظ السلام الدولية في تهريب عدد من المختطفات. تحوّلت القضية إلى فضيحة عالمية أجبرت الأمم المتحدة والمنظّمات الدولية على مراجعة سياساتها ومدونات السلوك الخاصّة بها، كما فتحت نقاشاً (لم ينتهِ) عن المساءلة والحصانات التي يتمتّع بها العاملون الدوليون.

لم تكن تلك الفضيحة الأولى، ولا الأخيرة، التي يتورّط فيها عاملون دوليون في المجال الإنساني في جرائم ضدّ الضحايا الذين يُفترض أن يحموهم. تأذّت سمعة المنظّمات الدولية كثيراً من حوادث من هذا النوع، وأصبحت حججاً لدى الانعزاليين المؤيّدين لمعاداة المجتمع الدولي في كلّ مكان، إذ يقبل عادةً الانعزاليون أصحاب التوجّهات القومية المتطرّفة جرائم التطهير العرقي والعنف الجنسي طالما حدثت في إطار محلّي وفق سياق يتّفق مع أفكارهم، بينما ينتفضون إن وقعت الجريمة من المؤسّسات الدولية، ويُعدّونها حجّةً لمحاربتها. لكنّ الأذى اللاحق بسمعة المنظّمات لا يمكن قياسه بالضرر الذي يصيب نسوة خرجن من الحرب ليجدن أنفسهنّ في دائرة الاستغلال: أن تؤذيك الجهة التي يُفترض أن تحميك، وأن يتعامل الموظّف الدولي كما يتعامل الجندي المعتدي. يحتاج الضحايا في كلّ مكان إلى الثقة بالمؤسّسات الدولية، هذا هو رأس المال الرمزي الذي تعتمد عليه المنظّمات في مناطق النزاعات والكوارث لتقديم الخدمات. يثق بهم الضحايا لأنّهم ليسوا طرفاً في الصراع، ولأنّهم ينتمون إلى مؤسّسات يمكن الثقة فيها. لكنّ هذه الثقة تتأذّى كلّما وقعت جريمة مثل التي كُشف عنها أخيراً في مخيّمات اللاجئين السودانيين شرقي تشاد.

في تحقيق داخلي أجرته منظّمة أطباء بلا حدود، عقب تقارير وشهادات عن استغلال جنسي تعرّضت له لاجئات سودانيات، كشفت المنظّمة تورّط عدد من منسوبيها ومتعاقديها في الجريمة. كشف التحقيق تورّط منسوبي المنظّمة في عمليات ابتزاز جنسي، ومساومة على الخدمات (وأحياناً الوظائف) مقابل خدمات جنسية من الضحايا. فصلت المنظّمة موظّفين وأنهت عقود متعاقدين، وحظرت المدانين نهائياً من العمل معها مستقبلاً، وأعلنت تقديم دعم نفسي وطبّي وقانوني للضحايا اللواتي أمكن الوصول إليهن، بينما بقيت أخريات مجهولات لا يعلم أحدٌ كم عددهنّ بدقّة بسبب التنقّل المستمرّ للاجئين. كما أعلنت المنظّمة عزمها مراجعة أنظمة التوظيف والتحقّق من المراجع المهنية للمتقدّمين بمزيد من الدقّة. واعترفت المنظّمة بأنّ عدداً من الجناة لم تُحدَّد هُويّاتهم، من دون توضيح من السلطات المحلّية ما إن كانت هناك إجراءات قانونية وبلاغات ضدّ المفصولين، أم إنّ عقوبتهم ستكون فقط إنهاء التعاون مع المؤسّسات الدولية.

حتى لو كانت المسؤولية الجنائية فردية، فلا يمكن تبرئة المؤسّسة منها، إذ تكشف ضعفاً واضحاً وعجزاً بيّناً في حماية الضحايا. وعلى الرغم من تاريخ منظّمة أطباء بلا حدود الطويل في العمل في مناطق الكوارث والسمعة التي حرصت على بنائها، فإنّ ما حدث لا يمكن أن يشفع له هذا التاريخ. كما لا يمكن حرمان اللاجئين في المعسكرات من الخدمات التي تقدّمها المنظّمة. لذلك، يقع على المنظّمة الدولية عبءٌ ليس هيناً بإعادة ترميم الثقة، والعمل مع الضحايا والسلطات التشادية لضمان المحاسبة الجنائية للمتهمين.

الاعتداءات الجنسية أحد المهدّدات التي ينزح بسببها الناس من مناطق النزاع، وقد كانت جرائم الاعتداء الجنسي إحدى تهم جرائم الحرب التي تنظر فيها المحكمة الجنائية الدولية ضدّ مليشيا الجنجويد وقادة نظام الرئيس السابق عمر البشير في إقليم دارفور. وتكرّرت في الحرب الأهلية السودانية (منذ إبريل/ نيسان 2023) في عدّة مناطق اجتاحتها قوات الدعم السريع، ووثقت التقارير الدولية عمليات الاغتصاب الجماعي التي تكرّرت ضدّ النساء من أصول أفريقية. فأيّ صدمة تواجهها النازحات عندما يفاجئن بأنّ الأمان الذي طلبنه بالهرب إلى معسكرات النزوح هو مجرّد وهم، وأنّ من يُفترض فيه أن يحميهنّ لا يختلف عمَّن هربن من براثنه؟

تحتاج “أطباء بلا حدود”، وغيرها من المنظّمات العاملة مع النازحين، إلى مراجعة عميقة وحقيقية لسياساتها وأنظمتها وتدريب منسوبيها ومتابعتهم. إذ لا مكان آخر يهرب إليه الضحايا بعد أن يخذلهم الملاذ الأخير.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى