في رداءة “زمن سُعاد”

  معن البياري

                               

أمّا سُعاد في العنوان فهي سُعاد حسني، لكن الرداءة لا تخصّ زمنها، الجميل في وجوهٍ كثيرةٍ له، وإنما تتعلق برواية “زمن سُعاد” (الدار المصرية اللبنانية، القاهرة، 2026)، ذلك أن كاتبها المصري، خالد منتصر، ظنّ نفسه يُزجي تحيّةً إلى النجمة الباهرة، الباهظة الموهبة في السينما المصرية، لكنه لم يفعل هذا، إنما أراد تشنيعاً سافراً في الإسلاميين، وتخيّر الروايةَ، من بين أجناس الإبداع الأدبي، وسيلةً في هذا، وهو النشط في الطخّ الفالت عليهم في كتاباته وتدويناته ومشاركاته التلفزيونية. وغالباً ما تبعثُ حالتُه هذه، وهو يشرّق ويغرّب شططاً وغلوّاً، على القول إن ثمّة ما هو نفسانيٌّ مرضيٌّ في الرجل، يأخذُهُ إلى ما هو عليه. من دون أن يعني هذا أن الإسلاميين في مصر (وغيرها) بريئون من مذمّاتٍ مهمٌّ أن ينالها كل نقد وانتقاد، كما لا يعني أن خالد منتصر، وهو يكتُبُ روايته المسمّاة، فقير الموهبة في صنعة كتابة الرواية. … لا، إذ تفيدك قراءة “زمن سُعاد” بأن لديه الملَكَة، على مستوى بناء العمل وتعدّد الساردين والأصوات، وإنْ ثمّة أنفاسٌ من علاء الأسواني يقع عليها بيُسر قارئ الرواية هذه، والتي قتلها كاتبُها نفسُه، عندما غالى في تنميط الشخصيات وخنَقَها في طبائع متعيّنة، من دون أن يكترث بسعة الحياة، وبأبعادٍ في النفس البشرية لا تجعلها مقوْلبةً بحسب رغبة كاتبٍ في أن يراها على هذا الحال وحده، في كل مكان وكل وقت.

مضحكٌ تصنيفُ البشر إلى إسلاميين شهوانيين قتلةٍ فاسدين معادين للحياة والجمال وغير إسلاميين طموحين مشغولين بالفرح والبهجة والعمل ومحاربة التسلّط، ولا شغل لأولئك إلا ملاحقة هؤلاء والتنغيص عليهم، بقوا في مصر أو غادروها. رديءٌ أن توقِِع القرّاء في إغواء صورة سُعاد حسني واسمِها في روايةٍ شاغلُها دعائيّة أن كل الإسلاميين أشرارٌ وسواهم طيّبون. فيما تدلّ نباهة خالد منتصر في بناء روايةٍ على قدرته أن يُنجز روايةً من شخصيّاتها إسلاميون أشرار وغير إسلاميين طيّبون، على غير الإطلاقية بالغة التطرّف في “زمن سُعاد” التي يسرُد شخصياتُها ويحكون، وهم أفراد أسرة مصرية: الأم راقصةٌ سابقةٌ في فرقة رقص شعبية، متعلّمة، صديقة لسُعاد حسني التي تكبَُرها بعاميْن. زوجها فنان تشكيلي، يساري وسجينٌ سابق، مثقّفٌ وموهوب، يسافر إلى بلد عربي في الخليج، ليعمل في شركة دعاية وإعلان، فلا نعرف عن مطار هذا البلد سوى أن سلطاته تُصادر لوحةً منه. أما الشركة التي سيعمل فيها فلا تُجيز رسم البشر وكل أصحاب الأرواح، لأن شرع الإسلام يحرّم تشخيصهم. ابنة متعلمة محبّة للحياة، تتزوّج من شابٍّ أحبّته، شاءت إرادة الكاتب أن يكون بهائيّاً، متفوّقاً في دراسته الهندسة، لكنه لا يجد فرصة عمل في مصر، ولا يُؤذن له بالزواج ممّن يحبّها، فيغادر اثناهما إلى هولندا، هرباً من واقعٍ يتسيّد فيه الإسلاميون على مجاله العام، لهم فضائياتُهم التلفزيونية واستثماراتُهم الناجحة ونفوذهم بين البسطاء في المجتمع. لواحدٍ من هؤلاء ابنةٌ منقّبةٌ ترتبط بصلة بالابن في الأسرة، وهذا توأم شقيقته التي تُخالفه في الطباع، مغلقٌ ومتطرّفٌ ومتديّن، يتزوّج خفيةُ عن والديه، ويصطحب زوجته إلى مرسم والده ليُمارس معها الجنس بشهوانيّة صارخة. تتوالى نجاحاتُه في عمله في واحدةٍ من شركات إسلامية استثمارية لوالد زوجته وشركائه، ويبقى في حربٍ مع أمّه التي تنزوي إلى ذكرياتها، فتستعيد زمن سُعاد حسني وصداقتَها معها، ومع والده الذي تتآكل ذاكرتُه، ومع شقيقته التي تكتبُ رواية تنشُرها في مصر، تنشغل (هي الأخرى!) بشهوانية الإسلاميين وتخلّفهم، ومنهم شيخٌ أفتى بتفريقها عن زوجها، من المفارقات أنه يزور هولندا لنشاطٍ إسلامي فيها. يُنجب الزوجان بنتاً هناك، تكبَُر، وتدرس في الجامعة، تحبّ الحياة والفنون، باسمةٌ وصاحبة نكتة، تشاء الرواية أن تُقتلَ في حادثٍ إرهابيٍّ اقترفه متشدّدون إسلاميون.

هذا إيجازُ محكيّة الرواية التي تضج بفائضٍ من الرداءة، وهي على حالها بيانٌ مُعلنٌ ضد كل الإسلاميين والمتديّنين، الذين يتمثّلون بالشيخ المغلق والشقيق الانتهازي، ومن هم على قماشتهما، في الرواية التي انشدّ صاحب هذه السطور إلى قراءتها، عساه يكتُب عنها تحيّةً منه إلى سُعاد حسني في ذكرى وفاتها (مقتلها أو انتحارها؟) الخامسة والعشرين غداً… لكن خالد منتصر لم يُيسّر هذا، وإنما حرّض ضد روايته بكفاءة من يسيء إلى نفسه، وإلى زمن سُعاد حسني.

 

المصدر: العربي الجديد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى