العراق وثنائية الفساد والسلاح

  إياد الدليمي

ليس سرّاً أنّ العراق يعاني من أكبر مهدِّدَين لنظامه السياسي المبني عقب الغزو الأميركي في عام 2003. تتمثّل هذه الثنائية في الفساد الذي بات وجهاً من وجوه هذا النظام، والسلاح المنفلت، أو بالأحرى السلاح الذي تسيطر عليه المليشيات وتُعدّ هي الأخرى وجهاً من وجوه نظام ما بعد 2003. فعقب الغزو الأميركي، احتاج الغازي إلى ترسيخ سلطته، فلم يكن هناك طريق أسرع ولا أسهل من استخدام المال الفاسد في شراء الذمم.
نتذكّر أنّنا نتحدّث هنا عن عراق ما بعد الغزو، عراق تعرّض لأكبر (وأسوأ) حصار دولي عبر التاريخ، حصار استمرّ 13 عاماً، نخر رصيد صبر الناس وإيمانهم وقيمهم، وحتى من رصيد أخلاقهم التي نزفت كثيراً تحت جوع لم يعهده العراقي. فما إن جاء الاحتلال، حتّى بدأ يكرّس معادلةً جديدةً تتمثّل في استخدام المال. فكان يكفي أن تنشئ حزباً سياسياً (ليس بالضرورة أن تكون له أهداف أو مبادئ أو حتّى أنصار) لتأخذ من أعطيات الاحتلال، وكان يكفي لإنشاء منظّمة مجتمع مدني أن تستأجر لها غرفةً في مبنى لتأخذ إعانات شهرية وسنوية ممّا كانت تسمّى حينها “منظّمات المجتمع المدني” التابعة للأمم المتحدة. أمّا الأحزاب التي شاركت الاحتلال عمليات التخطيط والغزو، ممّا كانت تسمى “أحزاب المعارضة” التي اجتمعت في مؤتمرَي لندن وصلاح الدين شمالي العراق، فإنّ لها نصيب الأسد من تلك الأعطيات.

لا يمكن أن تنظر إلى المليشيات في عراق اليوم بمعزل عن الفساد، ولا أن تنظر  إلى الفساد بمعزل عن الملشيات

وبالتوازي مع هذا المشروع الأميركي لصناعة الأتباع، كان هناك مشروع إيراني موازٍ يتمثّل في الأموال التي كانت تنفقها إيران على أحزابها السياسية العراقية، سواء التي نشأت في إيران إبّان الثمانينيّات، أو التي بدأت تظهر مستعدّةً للتعاون مع طهران، فضلاً عن المليشيات التي كان بعضها أصلاً في إيران؛ فكان هناك سباق أميركي إيراني على صناعة نخبة سياسية قادرة على أن تؤثّر في مشهد عراق جديد يتشكّل. من هنا بدأت ثنائية المال والسلاح في عراق ما بعد 2003، ثنائية تمدّدت وكبرت داخل جسد النظام السياسي الجديد، وباتت هي الوجه الأبرز لهذا النظام، وهي الملمح الذي به يمكن وصف عراق ما بعد 2003، فلا يُذكر العراق اليوم إلا ويُذكر الفساد، ولا يُذكَر العراق اليوم إلا وتُذكَر تلك المليشيات التي باتت فعلياً سلطة أكبر من سلطة الدولة.
مناسبة هذا الحديث تأتي في خضمّ وضع إقليمي جديد يتشكّل، وضع يرى في العراق اليوم حالةً تجب معالجتها، خصوصاً بعدما برزت المليشيات المسلّحة ذراعاً إيرانيةً قادرةً على أن تشكّل خطراً على المحيط العربي، وهو ما استدعى تدخّلاً أميركياً واضحاً في حيثيات تشكيل الحكومة العراقية الجديدة، بدأ أولاً بالرفض الأميركي الصريح لترشيح نوري المالكي رئيساً للحكومة الجديدة عبر منشور الرئيس دونالد ترامب، ثمّ في مراقبة تفاصيل تشكيل الحكومة التي ترأّسها رجل الأعمال علي الزيدي، ولم يسبق له أن مارس العمل السياسي أو انتمى إلى أيّ حزب أو تشكيل سياسي.
واليوم، يستعد الزيدي (برز رجل أعمال “ناجحاً” في مناخات ما بعد الغزو) لخوض مواجهة معلنة ضدّ هذه الثنائية التي حوّلت العراق “دولة فاشلة”، واضعاً ملفَّي الفساد والسلاح خارج إطار القانون في مقدّمة برنامجه الوزاري. وعلى الرغم من أنّها معزوفة تكرّرت مع كلّ رئيس وزراء صعد إلى السلطة عقب عام 2014، إلا أنّ الخواتيم كانت دائماً تسفر عن نتيجة واحدة: مزيد من تغوّل المليشيات، ومزيد من تفشي الفساد.
وفي هذا التوقيت الحرج، تأتي مبادرة مقتدى الصدر بفكّ ارتباط تياره السياسي بمليشيا سرايا السلام لتُلقي بظلالها على الحوارات الجانبية المغلقة التي تجري بين أطراف حكومية وقادة الفصائل. وعلى الرغم من أنّ هذه هي المرّة الثالثة التي يعلن فيها الصدر خطوة كهذه، فإنّ التطوّرات الإقليمية العاصفة، والموجات الارتدادية التي تضرب العراق، تمنح هذه الخطوة أبعاداً تختلف عن سابقاتها.
في العراق اليوم، لا يمكن أن تنظر إلى المليشيات بمعزل عن الفساد، ولا أن تنظر إلى الفساد بمعزل عن المليشيات، ولا يمكن أن تنظر إلى النظام السياسي بمعزل عن كليهما؛ فالنظام السياسي في العراق نفسه متورّط في تفشّي الفساد وانتشار السلاح، فالمليشيات هي ذاتها التي تشكّل غالبية القوى السياسية الشيعية التي تهيمن على البرلمان، وهذه القوى السياسية هي ذاتها التي تتقاسم مغانم السلطة المالية في ما بينها ومع شركاء لها من قوى وأحزاب كردية وسنّية، وهذه المليشيات التي بيدها السلاح والسلطة تهيمن على عقود الدولة عبر شركاتها وأذرعها الاقتصادية؛ يكفي أن تعلم أنّ في الموصل (على سبيل المثال) هناك 27 مكتباً اقتصادياً تابعاً للمليشيات، وقس على هذا.

يستعد الزيدي لخوض مواجهة معلنة ضدّ ثنائية الفساد والسلاح التي حوّلت العراق إلى “دولة فاشلة

بناءً على ما تقدّم، لن يُكتب لإجراءات حصر السلاح ومكافحة الفساد النجاح عبر بيانات إنشائية وإعلانات بروتوكولية تصدر هنا أو هناك، ما لم تكن الدولة قادرةً على النأي بنفسها عن هذه المنظومة، وعلى امتلاك الجرأة الكافية لضرب حيتان الفساد من دون حسابات سياسية.
وبما أنّ الدولة عاجزة بنيوياً عن ملاحقة قوى قابضة أصلاً على السلطة والمناصب التنفيذية، فإنّ الأمر يقتضي بالضرورة وجود دعم دولي حاسم يضع هذَين الملفَّين الشائكَين في رأس أولويات إعادة ترتيب البيت العراقي. إنّ هذا الدعم الدولي المنشود ليس من أجل “سواد عيون العراقيين”، بل هو صمّام أمان لحماية المنطقة بأسرها من ارتدادات الانفجار، فقد تلمَّس الجميع خطورة المشهد خلال الحرب أخيراً على إيران، وكيف تحوّل العراق بفعل هذا التميّع إلى منطلق لتهديد الأمن العربي الخليجي، بعدما تلاشت الحدود الفاصلة بين “دولة المليشيات” و”مليشيات الدولة”.

 

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى