الأضحية المفقودة

نور الهدى سعودي

عاد عيد الأضحى إلى المغرب بعد أثر موسم سابق ترك في البيوت فراغاً يصعب قياسه، فراغ مسّ تلك المنطقة التي يلتقي فيها الديني بالعائلي، والاقتصادي بالرمزي، والذاكرة بما تصنعه الجماعة من طقوس كي تستمرّ في التعرّف إلى نفسها. لم يكن غياب الأضحية في السنة الماضية مجرّد واقعة عابرة في روزنامة الأعياد، فقد بدا كأنّه كشف هادئ لما يسند العادة من شروط مادّية صامتة، ولما يحتاجه الفرح الجماعي من أرضٍ اجتماعية مشتركة كي يبقى قابلاً للتقاسم، بعيداً عن الحرج، وعن الحساب المتعب، وعن ذلك الشعور الخفي بأنّ صورة العيد صارت أثقل من قدرة بيوتٍ كثيرة على حملها.

جاءت هذه السنة محمولةً على وعد بالعودة والوفرة. في الخطاب الرسمي ظهرت الأرقام مطمئنة: قطيع مراقب، وعرض وطني كافٍ، وأسعار معقولة، وأسواق مهيأة، وتدابير تروم ضبط حركة البيع. غير أنّ السوق، بما له من منطق واقعي خاص، أعاد هذا الوعد إلى امتحان التجربة اليومية؛ فالمواطن الذي دخل الرحبة وفي ذهنه خبر الوفرة وجد في أسواق كثيرة قلّة في الرؤوس المطروحة قياساً بما انتظره، ووجد أسعاراً تمشي خارج حدود الطمأنة التي صُرّح بها، كأنّ الرقم الوطني، وهو يعبر إلى المدينة والقرية والحي والهامش، يفقد شيئاً من معناه في الطريق، ثمّ يصل إلى المشتري وقد صار ثمناً مرتفعاً، وعرضاً نادراً مع مساومة ضاغطة. يكتسب العيد في المغرب معناه من بنية اجتماعية مركّبة، يدخل محمّلاً بما ترسّب في المخيال الجماعي من صلةٍ بين الذبح والقسمة، وبين القسمة والقرابة، وبين القرابة والصورة التي ترغب الأسرة في حفظها أمام نفسها وأمام محيطها. لهذا يتجاوز الغلاء مسألة القدرة على الدفع، ويمسّ بنية العيد كما تشكّلت عبر أجيال: حديث عن الأسواق قبل الموعد، ومقارنة الأثمان وأحجام الخرفان، وسؤال السلالة، وحضور الرحبة في المخيّلة الشعبية، وتوزيع اللحم، والزيارة، وذاكرة الوزيعة في القرى والجبال. لذلك تأتي الأسعار المبالغ فيها خللاً في المعنى نفسه، إذ تجعل الفقير خارج المشهد، وتدفع الطبقة الوسطى إلى شراء الطقس بثمنٍ يربك ميزان الشهر، وتفتح داخل العيد تمايزاً طبقياً كان الطقس، في أصله الشعبي، يسعى إلى احتوائه عبر القسمة والزيارة والتبادل.

تبدأ المسألة، إذن، من مكان أبعد من واجهة السوق. فالأثمنة التي صدمت المواطنين لم تأتِ وليدة لحظة البيع وحدها، إنّما نتيجة مسار طويل تداخلت فيه سنوات الجفاف مع كلفة التربية، وضعف الوضوح في انتقال القطيع من الضيعة إلى الرحبة، وارتباك شبكات الوساطة، وغموض مسألة الاستيراد، ورغبة بعض الفاعلين في تعويض ما فاتهم، إضافة إلى ضغط نفسي واجتماعي يجعل الأسرة تدخل السوق وهي تعرف أنّ التراجع عن العيد سيترك أثراً في البيت. … هكذا يصبح السعر تركيباً اجتماعياً معقّداً، لا رقماً معلّقاً على الأضحية، ويصير العيد مرآةً ترى فيها البلاد اختلالات الثقة بين ما قيل وما وُجد.

تنظيم الموسم يحتاج إلى أكثر من تدبير مؤقّت؛ يحتاج إلى سياسة إعادة ثقة تجعل العيد خارج لعبة التخمين

في قلب هذا التوتّر، يظهر “الشنّاق” اسماً دارجاً لما هو أوسع من وسيط عابر. “الشنّاق” صورة شعبية لوظيفة تنشأ في المسافة المعتمة بين من يربّي ومن يقتني، في زمن قصير يشتدّ فيه الطلب، وفي سوق موسمي يعرف أنّ المواطن يدخله محمّلاً بضغط رمزي سابق على المساومة. لذلك يصير الربح متعلّقاً بالخوف بقدر تعلّقه بالكلفة؛ خوف الأسرة من عيد ناقص، وخوف الأب من خيبة الأبناء، وخوف البيت من نظرة المحيط، وخوف الجماعة من فقدان علامة تمنحها إحساساً بالاستمرار. ومن هذا الخوف تحديداً يصنع السوق جزءاً من سعره. “الشنّاق”، بهذا المعنى، وظيفة اجتماعية تنمو في العتمة التي تسبق البيع، ثمّ يظهر في آخر المشهد كأنّه صاحب الحكاية كلّها.

قرار تنظيم البيع، بما يتضمّنه من حصر للتسويق في فضاءات مُرخَّصة، وتصريح بالمصدر وعدد الرؤوس، ومحاصرة لإعادة البيع والمضاربة، يكشف أنّ الدولة رأت موضع الخلل في السلسلة، لا في لحظة الشراء وحدها. غير أنّ قيمة هذا التدخّل ستظلّ مرتبطةً بما يغيّره في إحساس المواطن بالسوق: هل يجد سعراً وفقاً لإمكاناته؟ هل يرى مساراً واضحاً بين المربّي والمشتري؟ هل يشعر بأنّ الوفرة المُعلَنة موجودة في الواقع؟ فتنظيم الموسم يحتاج إلى أكثر من تدبير مؤقّت؛ يحتاج إلى سياسة إعادة ثقة تجعل العيد خارج لعبة التخمين، وتجعل السوق أقلّ قابليةً لإلحاق المعنى الاجتماعي بالمناسبة.

تبدو الأضحية المفقودة اسماً لما ضاع بين الخبر الرسمي وتجربة السوق، بين العيد بوصفه طقساً جامعاً والعيد بوصفه امتحاناً طبقياً مكشوفاً، بين الذاكرة التي ترى في الذبيحة مناسبة للقسمة والواقع الذي يجعلها عبئاً على أسر كثيرة. من يصنع هذا الفقد؟ “الشنّاق” الذي يظهر في آخر الطريق، أم الطريق الغامضة التي تمنحه حقّ الظهور؟ من حوّل قلّة المعروض في بعض الأسواق إلى قوّة ضغط؟ من أضاف خوف الأسرة إلى السعر؟ من يترك المواطن واقفاً بين العائلة والجيب؟ وأيّ عيد نريد لمجتمع يرى رمزه المشترك واقفاً عند باب السوق، ينتظر سياسة ثقة تحمي الفرح من المضاربة، وتحمي الكرامة اليومية من أن تدفع ثمن الطقس بمرارة واقعه؟

المصدر:العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى