
بعد ستّة أشهر من المراوحة عقب إجراء الانتخابات البرلمانية العراقية، وما تلاها من انسداد سياسي كاد يعصف باستقرار البلاد، حسم “الإطار التنسيقي” (صاحب الكتلة البرلمانية الكبرى) خياره الصعب بتقديم مرشّحه لرئاسة الحكومة، علي فالح الزيدي. وجاء هذا التكليف بعد مخاض عسير، وتعثّر طال أمده إثر “فيتو” أميركي صارم على مرشَّح الإطار السابق، نوري المالكي، ووصول التفاهمات بين أقطاب البيت الشيعي إلى طريق مسدود هدّد بانهيار العملية السياسية برمّتها.
لم يكن ترشيح الزيدي وارداً في حسابات المحلّلين، ولا حتى في كواليس الصالونات السياسية؛ فالرجل القادم من عالم المال والأعمال لا تاريخ له في العمل الحزبي أو السياسي المباشر، ولم يتردّد اسمه في مسارات السلطة المتعاقبة، باستثناء بعض تصريحات مثيرة للجدل طاولته سابقاً من نواب داخل “الإطار التنسيقي” نفسه، حاولت وصمه بشبهات فساد في صفقات تجارية. إلا أنّ هذا الغموض السياسي هو ما جعل منه خياراً مقبولاً في لحظة دولية حرجة، إذ تبحث واشنطن عن شخصية “براغماتية” لا تلتزم بأيديولوجيا عابرة للحدود.
لم تكن الانتخابات العراقية، في نظر الشارع، أكثر من أداة لإعادة تدوير الوجوه نفسها، وهو ما تفسّره نسب العزوف المرتفعة
لا يمكن قراءة ترشيح الزيدي، والمباركة الاستثنائية التي حظي بها من الرئيس الأميركي ترامب، بمعزل عن الزلزال الذي يضرب المنطقة. فالصراع الذي تأخذ فيه المواجهة الأميركية – الإسرائيلية مع إيران طابعاً وجودياً، دفع العراق إلى فوهة البركان. فقد وجدت واشنطن أنّ الفصائل الموالية لإيران في العراق تجاوزت “قواعد الاشتباك” التقليدية، باستهداف القواعد الأميركية في الداخل العراقي، وصولاً إلى تهديد أمن دول الخليج العربي والأردن بمسيّرات وصواريخ، ما جعل تحييد العراق ضرورةً استراتيجية للأمن القومي الأميركي.
كشفت الأحداث أنّ الانتخابات العراقية لم تكن، في نظر الشارع، أكثر من أداة لإعادة تدوير الوجوه نفسها، وهو ما تفسّره نسب العزوف المرتفعة، فالمواطن العراقي أدرك أنّ الأحزاب التي تسيطر على مفاصل الاقتصاد والسياسة باتت تشكّل “خطّ الدفاع الأول” عن المصالح الإيرانية، بل تحوّل بعضها إلى “يد ضاربة” لطهران، كما تجلّى بوضوح في أحداث حرب الـ40 يوماً أخيراً، واستُخدمت الأراضي العراقية منصّةً لإطلاق التهديدات الإقليمية.
لعلّ هذه هي المرّة الأولى، منذ عام 2005، التي تتدخّل فيها الإدارة الأميركية بمثل هذه الجرأة لإعادة رسم الخريطة السياسية العراقية، فمنذ سنوات التوافق الضمني الأميركي – الإيراني الذي أوصل نوري المالكي إلى السلطة، كانت القبضة الأميركية تتراخى تدريجياً لمصلحة الهيمنة الإيرانية، حتى أصبح قرار اختيار رئيس الوزراء يُطبخ حصرياً في أروقة طهران. رأى ترامب أنّ هذه اللعبة يجب أن تنتهي، ومن هنا يبرز الزيدي خياراً “اضطرارياً” للقوى السياسية، شريطة أن ينفّذ ما عجز عنه سلفه محمّد شيّاع السوداني، الذي، على الرغم من الدعم الذي حظي به ثلاث سنوات ونصف السنة، لم يتمكّن من كبح جماح الفصائل المسلّحة أو تحقيق وعد “حصر السلاح في يد الدولة”، وبقي التردّد السمة الغالبة على حكومته، حتى جاءت الحرب على إيران لتكشف هشاشة الدولة أمام ترسانة السلاح المنفلت.
يقف الزيدي اليوم أمام تحدّيات يصفها بعضهم بالمستحيلة، ويمكن تلخيصها في مسارين: الأول، التحدّي المؤسّسي وفلترة النفوذ، إذ سيكون الزيدي ملزماً بتشكيل حكومة تكنوقراط خالية من أيّ شخصيات مدرجة في قوائم “الفيتو” الأميركي، أو مرتبطة عضوياً بالحرس الثوري الإيراني. سيضعه هذا الشرط في صدام مباشر مع أجنحة داخل “الإطار التنسيقي” ترى في حكومة الزيدي تهديداً لمكتسباتها التاريخية، والشعور بالعجز أمام الرغبة الأميركية التي أغرقت قوارب “الإطار” بسرعة قياسية قد يدفع بعض القوى إلى محاولة عرقلة نيل الحكومة ثقة البرلمان. المسار الثاني، التحدّي الأكبر، وهو التعامل مع الفصائل المسلّحة. وهنا لم يعد المطلب أميركياً فحسب، بل تحوّل إلى شرط عربي (وخليجي) صارم، فقد ضاقت عواصم الجوار ذرعاً بتحويل العراق إلى قاعدة خلفية لإيران، وبات الحديث عن تدويل قضية القصف المنطلق من العراق أمراً مطروحاً على الطاولات الدبلوماسية.
تعتمد مهمّة الزيدي على نتائج الضغوط الأميركية العسكرية والاقتصادية على النظام في إيران
وإذا يظنّ بعضهم أنّ دمج هذه الفصائل داخل هيئة الحشد الشعبي هو الحلّ، يُثبت الواقع العكس، فـ”الحشد”، رغم غطائه القانوني، بات تحت مجهر التفكيك أو إعادة الهيكلة الشاملة، لأنّ وجود ألوية تدين بالولاء للخارج داخل جسد مؤسّسة رسمية لم يعد مقبولاً، والمطلوب اليوم تصفير هذا النفوذ، وتحويل العناصر غير العقائدية إلى هياكل المؤسّسات المدنية أوالأمنية الصرفة.
حظي الزيدي بدعم دولي وعربي غير مسبوق؛ من تغريدة ترامب في “تروث سوشال” إلى الاتصال الهاتفي الذي دعاه فيه إلى زيارة واشنطن، لكنّ هذا الزخم يحمل في طيّاته ثمناً باهظاً، فأيّ إخفاق في كبح نفوذ طهران سيعني فوراً رفع الغطاء المالي عن بغداد، وهنا تبرز الورقة الأقوى: الدولار. فمبيعات النفط العراقي التي تُودَع في البنك الفيدرالي الأميركي الرئة الوحيدة التي يتنفّس منها الاقتصاد العراقي، والتلويح بقطع هذا الشريان هو السيف المسلّط على رقبة أيّ حكومة لا تلتزم بفكّ الارتباط مع إيران.
في نهاية المطاف، تعتمد مهمة الزيدي، إلى حدّ كبير على نتائج الضغوط الأميركية العسكرية والاقتصادية على النظام في إيران. فكلّما ضعف المركز في طهران، سَهُلت مهمّة الزيدي في اتخاذ قرارات “صادمة” لتفكيك أذرع الهيمنة في الداخل العراقي.
العراق اليوم عند مفترق طرق: العودة إلى حضنه العربي وإلى دولة القانون، أو البقاء ساحةً لتصريف الأزمات الإقليمية، والزيدي، بصفته مرشّح “اللحظة الأميركية”، يمتلك فرصةً تاريخيةً، لكنّها محفوفة بألغام قد تنفجر في أيّ لحظة إذا ما حاول اللعب على الحبال كما فعل من سبقوه.
المصدر: العربي الجديد






