
عندما أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب الأسبوع الماضي “أنّ ثمّة إمكانية للوصول إلى اتفاق مع إيران قبل نهاية المهلة المحدّدة (أمس)”، فوجئ كثيرون، إذ كانت عمليات القصف المتبادل بين إسرائيل وإيران، والعمليات الأميركية ضدّ أهداف حيوية محدّدة، وتهديدات بفتح مضيق هرمز والتخلّص من “العصر الإيراني” و”النووي الإيراني” و”اليورانيوم المخصّب”، والردّ الإيراني بمشاركة الحوثيين والحشد الشعبي وحزب الله ضدّ إسرائيل، ومواقع وأهداف ومنشآت أميركية في دول في الخليج أصيبت أيضاً بأضرار كبيرة. هذه العمليات كانت تغطّي شاشات الإعلام العالمي، واتصالات كلّ المعنيين بمسارات الحرب النفطية والعسكرية والأمنية والاقتصادية من هرمز إلى دول العالم كلّه. برز سؤالان: لماذا أعلن ترامب ما أعلن؟ وعلا مَ يبني موقفه؟ الجواب على لسانه أكثر من مرّة: “نتحدّث إلى القيادة الجديدة في إيران وهي أكثر عقلانية”.
ليس ثمّة شيء يقلق نتنياهو في السياسة، ما يجعله أكثر اندفاعاً في حربه الشاملة، ولو كانت النتيجة “الحريق الشامل“
من هي هذه القيادة؟ النظام لم يتغيّر بعد. مَن هم الأكثر عقلانية؟ مع كلّ العبثية التي تميّز شخصيته الغريبة العجيبة، يجب أن يكون ثمّة أساس لهذا الكلام.
السؤال الثاني: هل إسرائيل موافقة؟ هل نتنياهو على اطّلاع على ما يجري؟ ما موقفه؟ هل يمكن أن يوافق على أيّ اتفاق حتى ولو حقّق الشروط والأهداف التي تحدّث عنها ترامب؟ هل حساباته تتطابق أهدافها البعيدة مع حسابات ترامب؟ مَن يقود مَن؟ مَن يورّط مَن؟ والرئيس الأميركي قال بوضوح: “إيران ترغب بشدّة في إبرام اتفاق”، “وإذا تمّ التوصّل إليه فسنذهب بأنفسنا لأخذ اليورانيوم المخصّب. سيكون الاتفاق بمثابة سلام لإسرائيل طويل الأمد وسلام مضمون الاستمرار”. الجواب الأول جاء من هيئة البثّ الإسرائيلية: “من المبكّر جدّاً معرفة ما إذا كان ترامب يريد إنهاء الحرب، وتصريحه كان مفاجئاً”.
ميدانياً، صعّدت إسرائيل عملياتها ووسّعت دائرة أهدافها وكأنّ التصريح لم يكن، علماً أنّ مساعي ومفاوضات كانت جاريةً بجهود باكستانية– مصرية– سعودية– تركية، وكنّا كتبنا سابقاً في “العربي الجديد” أنّ إسرائيل لا تريد دوراً لأيّ من هذه الدول، فكيف إذا اجتمعت بهدف وقف الحرب وهي تريد استمرارها لتحقيق أهدافها كلّها، ونتنياهو يتفاخر بأنّه يكمل حروبه في كلّ الاتجاهات للتخلّص من “إيران وأذرعها وتسلّطها وتهديدها النووي وتمدّدها في المنطقة”.
لاحقاً خرج ترامب، وبعد تكراره الإشادة بـ”القيادة الجديدة”، بتصريح قال فيه: “كنا نتفاوض مع هذه القيادة فاستهدفوا مَن كنّا نتفاوض معه”. هذا في إشارة إلى محاولة اغتيال وزير الخارجية السابق كمال خرّازي ومقتل زوجته. من فعل ذلك؟ إسرائيل، التزاماً بعادتها المعهودة: قتل المفاوضين والمفاوضات. هذا ثابت أساس وميزة من ميزات نتنياهو في تعامله مع الحلفاء والأصدقاء في مواجهة الأعداء. عبّرت “سكاي نيوز” عن ذلك بقولها: “ترامب يفقد السيطرة على نتنياهو والاختلاف في الاستراتيجية هائل. إسرائيل تتصرّف بشكل منفرد”.
هنا ينبغي التوقّف عند المؤشّرات التالية: “تطهير في إدارة ترامب”، إقالة رئيس الأركان في أصعب لحظات الحرب، إقالة وزيرة العدل، استهزاء بالمعارضين كلّهم، إهانات متتالية للحلفاء في حلف شمال الأطلسي (ناتو) وغيره، تصريحات وكلمات نابية بحقّ رؤساء دول وحكومات في الغرب، ادّعاء شخصي من الرئيس بتحقيق إنجازات هائلة متقمصاً شخصية الرسل والأنبياء حاملي الرسائل الإلهية، محاطاً بمجموعة من المسؤولين يباركونه، بل يتباركون منه، ويصلّون له في المكتب البيضاوي، ووجود شخصيات مثل ليندسي غراهام وغيره يطالبونه بإكمال الحرب وتقديم الدعم لإسرائيل، فالفرصة لن تتكرّر، وهذه هي المقولة الشهيرة الثابتة لدى نتنياهو، الذي لا يزال قوياً في إسرائيل، لا يهتزّ، رغم كلّ ما يجري والخسائر والحالة التي تعيشها مدن وبلدات من الحدود مع لبنان وصولاً إلى عمق الداخل. ليس ثمّة شيء يقلقه في السياسة، وهذا ما يجعله أكثر اندفاعاً في حربه الشاملة، ولو كانت النتيجة “الحريق الشامل” والدمار الكامل في المنطقة، فإسرائيل هي المستفيد الأكبر من ذلك كلّه، وهذا يُسجّل في رصيده. يتلاعب بالجميع، يريد توريط الدول العربية المجاورة لإيران، منها مَن لبّى ومنها مَن لم يلبِّ، لكنّه عرّضها لاستهدافات لأنّه يريد جرّها إلى حربه. فهو دعا علناً إلى “انضمام دول أخرى في الحرب”. حساباته بعيدة المدى، والمدى مفتوح أمامه. قادر على توريط الجميع، ويريد تحقيق أحلامه، وأميركا، قبل أن تكون شريكة في الحرب المباشرة، وترامب يريد تحقيق “إنجازات تاريخية”، كانت تمدّه بكلّ أشكال الدعم السياسي والعسكري وتمنحه الغطاء الكامل تحت عنوان “حقّ إسرائيل في الدفاع عن نفسها”، فكيف وهي متورّطة الآن وهو صاحب دور كبير فاعل ومؤثّر؟
ترامب، على ما يقول، لا يخشى أزمة طاقة لأنّ بلاده غنيّةً، لديها اكتفاء ذاتي. يهين حلف شمال الأطلسي ودول أوروبا واليابان، ويدعو الجميع إلى تحمّل مسؤولية فتح مضيق هرمز. هو مطمئنٌ، بل واثق، أنّ العرب سيدفعون ثمن الحرب، والأضرار الناجمة عنها، وصفقات الأسلحة الجديدة لضمان مستقبلهم وحماية دولهم ومؤسّساتها وإعادة بناء ما تهدّم. نتنياهو لن يترك ترامب المستفيد الوحيد، يريد أن يكون هو الرابح الأول. فهو المنظّر لفكرة أنّه صاحب المبادرة والمشروع الرامي إلى تخليص الحلفاء والأصدقاء والعالم من “الشرّ الإيراني”، ويخوض بسببه حروباً، وحقّق إنجازات كبيرة، وقدّم نفسه الحامي للعرب ومستقبلهم بعد “دفنه” القضية الفلسطينية، وفي ظلّ الحرب الحالية أقرّ الكنيست قانون إعدام الأسرى، وتوسّعت دائرة الاستيطان، وترامب يهدّد (ونتنياهو يؤيّد) بالويل والثبور وعظائم الأمور إذا لم يُفتح “مضيق هرمز”، والعرب كلّهم والعالم غير قادرين على فتح المعابر أمام الفلسطينيين المحاصرين المظلومين في غزّة، والضفة تُستباح. نتنياهو يريد تحقيق أهداف استراتيجية تكرّس إسرائيل الدولة السيّدة المتفوّقة في المنطقة، وبتدمير إيران وإضعافها تبقى أمامه تركيا “ويعدّ العدّة” لاستهدافها والحدّ من طموحاتها.
ترامب مطمئنٌ أنّ العرب سيدفعون ثمن الحرب، والأضرار الناجمة عنها، وصفقات الأسلحة الجديدة لضمان مستقبلهم وحماية دولهم ومؤسّساتها وإعادة بناء ما تهدّم
فهو، كما قلت أكثر من مرّة، يريد أن يكون بن غوريون الثاني؛ الأوّل هو “المؤسّس”، وهو اليوم “المكرِّس” لدولة إسرائيل الكبرى التي تفرض إرادتها على الجميع. في هذا السياق، ينبغي التوقّف عند ما أعلنه منذ أيام: “هناك أفكار لما بعد الحرب لتحويل خطوط الطاقة والنفط من الخليج إلى موانئ المتوسّط”. هذا هدف استراتيجي كتبت عنه في بداية العام 1995، وعند إطلاق مشاريع “السلام” بعد مؤتمر مدريد، وأشرت إلى “أنّ إسرائيل ستصبح بمرافئها روتردام الشرق الأوسط، مركز نقل النفط إلى أوروبا والعالم بعد أن يُنقل إليها من الدول العربية المنتجة”، في سياق مشاريعها لـ”السلام” المزعوم ومستقبل المنطقة وفق رؤيتها (“لبنان الثمن الكبير للدور الصغير”، ص 144).
في طرح أفكاره اليوم يقول للعرب: “أنتم دول غير آمنة. ضخّ النفط منها غير مضمون. موانئ المتوسّط أضمن، وبالتحديد موانئنا”. الحرب في بداياتها بأشكالها المختلفة. نتائجها حتى الآن كارثية جدّاً لم تظهر بحجمها الحقيقي بعد. يد إسرائيل في كلّ مكان، ومشاريعها جاهزة. لن تترك وسيلةً، ولن تتردّد في القيام بأيّ عمل لتخريب أيّ محاولة للاتفاق، بمعزل عن “عبثية” ترامب و”صدقيته” المعدومة، والدول المحيطة هنا “المأزومة” و”المهزومة”. حسابات نتنياهو تنطلق من أن الجوار غير قادر على فعل شيء، ينتظر فتحاً مبيناً من إسرائيل أو أميركا أو مشتركاً، في وقت يغيب المشترك من القراءة العربية والمبادرة العربية والعقل العربي.
المصدر: العربي الجديد






