
خلال العقود الماضية، استندت استراتيجية إيران الأمنية الإقليمية إلى ما يُمكن تسميته بنموذج “الدفاع المتقدم” من خلال أذرعها الممتدة في أكثر من بلد عربي، حيث كان الهدف من الاستراتيجية هذه خلق بنية شبكية معقدة، تجمع بين الفاعلين السياسيين والعسكريين يهدف إلى تعقيد خطط أعدائها وتأخير المواجهة المباشرة وإبقائها بعيدة عن حدودها من خلال تأسيس ودعم حلفاء مسلحين وشركاء سياسيين ومسارح نفوذ متداخلة، وتحديداً في العراق وسوريا ولبنان، حيث ذراعها “حزب الله”، الذي شكل ذراع إيران الأقوى في المنطقة سواء في سوريا أو العراق، إضافة لدوره المركزي في لبنان.
غير أن التحولات المتسارعة في المنطقة، التي تلقت إيران عبرها الضربة القاصمة لسياستها هذه، خاصة خلال عامي 2024 و2025، بعد الضربة الموجعة لـ”حزب الله”، التي انتهت بمقتل زعيمه، الشخص المشارك في رسم سياسة إيران في المنطقة، حسن نصر الله وكبار قادة الحزب، التي تبعها مباشرة عملية الخلاص من نظام الأسد، في 8 كانون الأول 2024، تطرح تساؤلات جدية حول مدى استمرارية هذه الاستراتيجية، وما إذا كانت إيران بصدد الانتقال من مرحلة إدارة الصراع غير المباشر من خلال شبكة ما يعرف بـ”محور المقاومة” إلى مواجهة تحديات تمس تماسكها الداخلي.
اعتمدت إيران في ترسيخ نفوذها الإقليمي على بنية شبكية معقدة، تجمع بين الفاعلين السياسيين والعسكريين، وتستند إلى تداخل الساحات الجيوسياسية، إلا أنّ هذه البنية بدأت تُظهر مؤشرات تآكل ملحوظة، سواء نتيجة للضغوط العسكرية المتزايدة، أو بفعل التغيرات السياسية داخل دول النفوذ نفسها.
فالدولة الإيرانية، بوصفها كياناً متعدّد الإثنيات، تعتمد بدرجة كبيرة على قوة المركز السياسي والعسكري لضمان تماسكها..
إنّ تراجع فاعلية بعض هذه الشبكات لا يعني بالضرورة انهيارها الكامل، لكنه يشير إلى اختلال في توازن العلاقة بين المركز (طهران) والأطراف (الوكلاء)، ومع هذا التراجع، يصبح الحفاظ على مستوى التنسيق والفاعلية السابقة أكثر صعوبة، ما يحدّ من قدرة إيران على الاستمرار في نمط “الردع غير المباشر”.
يُثير تراجع النفوذ الإقليمي تساؤلات حول انعكاساته على الداخل الإيراني، فالدولة الإيرانية، بوصفها كياناً متعدّد الإثنيات، تعتمد بدرجة كبيرة على قوة المركز السياسي والعسكري لضمان تماسكها، وفي هذا السياق، يُنظر إلى أي إضعاف في قدرة النظام/ الدولة على فرض السيطرة أو الحفاظ على صورتها الردعية باعتباره عاملاً قد يُعيد تنشيط توترات كامنة في الأطراف.
تبدو تكاليف التسوية أعلى لأنها ستكشف عن ضعف، وتُقلّل من مصداقية الردع، وتُظهر الهشاشة الداخلية، وبالتالي ستتطلب من النظام الإيراني مزيداً من القمع في مواجهة الشعب إن تمكنت من إعادة ترتيب أولوياتها والتكيف مع التحولات الجديدة من دون أن يؤدي ذلك إلى تفكيكها.
تُظهر قراءة الخطاب السياسي الإيراني أن النخبة الحاكمة تميل إلى تفسير الضغوط الخارجية ضمن إطار تهديدات تتجاوز تغيير السلوك السياسي إلى احتمال إضعاف بنية الدولة نفسها، ويعكس هذا التصور خليطاً من الحسابات الواقعية والهواجس التاريخية المرتبطة بإدارة التنوع الإثني والجغرافي.
غير أن أهمية هذا التصور لا تكمن في مدى دقته الموضوعية فحسب، بل في تأثيره المباشر على عملية صنع القرار، فحين يُنظر إلى الصراع بوصفه تهديداً وجودياً، وأن كل خسارة عسكرية من طرف إيران قد توصل إلى الانهيار، تميل السياسات إلى التشدد، وتُصبح خيارات التسوية أكثر تعقيدًا، حتى لو كانت كلفتها أقل على المدى القصير.
ومع المبادرات التي تقدمها سواء الولايات المتحدة أم بعض الأطراف الدولية لوقف الحرب، تنظر إيران إلى وقف الحرب على أنه قد يكشف خسائر إيران الحقيقية وبالتالي يكشف الاستنزاف الهائل بالقدرات العسكرية وتدهور هياكل القيادة كما تدهور حالة الحلفاء-الوكلاء، فبدلاً من أن يشكل حالة من الراحة واستعادة القوة يصبح انكشاف أمام شعوبها وحلفائها والعالم، وهذا لا يعني أن إيران تسعى للحرب الدائمة، ولكن لأنّ وقف إطلاق النار غير المدروس جيداً قد يبدو خطيراً في نظرها، لأنه قد يُجمّد خسائرها من دون أن يُعيد إليها قوتها الرادعة بشكل واضح، وهذا يعني فيما يعنيه بالنسبة للنظام الإيراني الذي يبني قوته على قوة المركز، سيشكل هذا الانكشاف خطراً في الخارج وفي الداخل.
وبين هذين الحدّين، تتحدد ملامح المرحلة القادمة: إما إعادة تكيف تدريجية تحافظ على تماسك الدولة ودورها الإقليمي، أو تصاعد الضغوط بما يفرض تحولات أعمق في بنية النظام واستراتيجيته..
ومع أن الشبكات التي أسستها إيران في الخارج، لم تنته بالكامل، لكن من الواضح أن استراتيجيتها في “الدفاع المتقدم” القائمة على استيعاب التهديدات من خلال الوكلاء قبل أن تصل إلى أراضيها لم تحقق غاياتها، لأن تماسك الشبكة وتنسيقها وعمقها الاستراتيجي تدهور بوتيرة أسرع من قدرة طهران على التكيف وإعادة ترتيبها، وغدت سياسة الردع هي البديلة، فقد تغيّر التوازن بين النفوذ غير المباشر والردع المباشر، لأن ضعف المركز، قد يجعل من الصعب الحفاظ على تماسك الأطراف ضمن إطار استراتيجية إيران، إضافة إلى أن بقاء الدولة برمتها مرتبط بقوة المركز، كما يصور الخطاب الإيراني الذي يربط بقاء النظام بالدفاع عن سيادة الأمة وسلامتها الإقليمية وتماسكها الداخلي، وأن وقف لإطلاق النار يصبح خطيراً، و التسوية تُخاطر على أنها الخطوة الأولى في عملية أطول لتقويض الدولة نفسها.
تشير التطورات الراهنة إلى أن إيران تمر بمرحلة اختبار استراتيجي تتجاوز مجرد تراجع في النفوذ الإقليمي، من دون أن تصل بالضرورة إلى مستوى التهديد الوجودي للدولة، وبين هذين الحدّين، تتحدد ملامح المرحلة القادمة: إما إعادة تكيف تدريجية تحافظ على تماسك الدولة ودورها الإقليمي، أو تصاعد الضغوط بما يفرض تحولات أعمق في بنية النظام واستراتيجيته.
وعليه، فإنّ فهم الحالة الإيرانية يتطلب مقاربة تحليلية تتجنب الحتميات، وتُراعي تعقيد العلاقة بين الداخل والخارج، وبين التصورات الأمنية والوقائع الميدانية.
لم تعد إيران اليوم تواجه مجرد تراجع في نفوذها الإقليمي، بل تقف عند مفترق استراتيجي حاد: إما إعادة تعريف دورها في المنطقة، أو الانزلاق نحو معادلة أكثر خطورة تمس تماسكها الداخلي، فالمعادلة التي حكمت سلوكها لعقود -نقل الصراع إلى الخارج عبر شبكة من الحلفاء والوكلاء- تبدو اليوم أقل قدرة على توفير الحماية التي وعدت بها.
والسؤال اليوم لم يعد، ما هو مدى خشارة إيران، بل كيف سترتب أمور بقاءها، والإجابة على هذا السؤال هي التي ستحدد ما إذا كانت إيران بصدد إعادة تموضع محسوبة، أم أنها تدخل تدريجياً في مرحلة أكثر اضطراباً، حيث لا يكون التحدي في النفوذ، بل في البقاء.
المصدر: تلفزيون سوريا






