
يقول توماس فريدمان في كتابه الشهير: “العالم مسطح”. ولكن ما لا يقوله دائماً هو أن هذا العالم المسطح الأملس للتجارة العالمية غالباً ما يصطدم بجدران من “الانغلاق”. تخيّل الاقتصاد العالمي كقطار فائق السرعة يسير على سكة من الديون والإنتاج المفرط؛ فجأة يجد القطار نفسه أمام نفق مسدود. المستهلكون لا يشترون، الديون تتراكم كالجبال، والشركات الكبرى لم تعد تجد “أرضاً بكراً” لغزوها. هنا، وفي غرف العمليات المظلمة، يبدأ التفكير في “الحرب”، ليس كخيار عسكري، بل كضرورة محاسبية لإعادة ضبط الساعة الصفرية للعالم.
غالباً ما تأتي الحروب كفواعل غير متوقعة لتنشيط الاقتصاد العالمي المهدد بالكساد، وكسر حالة الجمود والانغلاق الناتجة أصلاً عن حروب اقتصادية، إضافة إلى الخلل الحاصل بين سرعة الإنتاج التنافسي وضعف التصريف، أو قدرة السوق على استيعاب هذا السيل الهادر من الإنتاج غير المتناسب مع حجم الاستهلاك أو قدرة المستهلكين. وبالرغم مما تحمله تلك الحروب من ويلات على المستوى الإنساني والمدني، من حيث تدميرها للبنية التحتية التي بُنيت عبر سنوات طويلة من التنمية والتطوير، وبُذلت مليارات الدولارات لإنشائها وإتمامها، فإن الحرب تأتي لتدمرها، ولتعيد التجمّع البشري في إطارها إلى مرحلة ما قبل المدنية الحديثة، ناهيك عن الخسائر البشرية الهائلة التي لا يمكن تعويضها بالآليات نفسها التي تعيد إنشاء البنية التحتية المتهدمة.
إن الانهيارات الاقتصادية التي تتسبب بها الحروب، خاصة الطويلة منها، تترك آثاراً كارثية طويلة الأمد. فهناك الملايين من الفقراء الذين سيزدادون فقراً، وتتسع بهم الرقعة الواسعة أصلاً من السكان الذين يقبعون تحت خط الفقر.
بعد توقف الحرب، يرتفع الطلب على الموارد والتقنيات والخبرات اللازمة لإعادة الإعمار، وغالباً ما يكون مشعلو الحروب هم أنفسهم من يسيطرون على تلك الموارد والأسواق العالمية. ويكون إسناد المشاريع إلى الشركات العابرة للقارات التابعة لهم شرطاً أساسياً من شروط وقف الحرب، أو ضمن الشروط التي يمليها المنتصر على المهزوم. وربما تكون هذه المرحلة قاعدة لتحول اقتصادي نوعي، بدءاً من نمو الطلب على الصناعات العسكرية اللازمة للدفاع عن بلد خرج من الحرب مهزوماً بسبب قلة موارده العسكرية، وصولاً إلى الحاجة الملحة للتكيف مع مخرجات التكنولوجيا الحديثة اللازمة لتسريع عجلة التنمية.
كما تساهم الحروب، بشكل غير مباشر، في تحطيم العقبات التي كانت تحول من دون الانفتاح على الأسواق العالمية، ومن دون تطوير سلاسل الإمداد، وإعادة تكوين البنية التحتية الجديدة. وتسهم كذلك في إعادة توزيع الإنتاج، وتحفيز التنوع في مصادر التمويل، وتنشيط عمل الشركات الاستثمارية، وإعادة رسم الخرائط الاقتصادية والسياسية على نحو يفرضه الأقوى. لكنها، في الوقت نفسه، تخلق تشويشاً وانكسارات في العلاقات الدولية والإقليمية، قد تكون طويلة الأمد، وتفرض حالات معندة من عدم الاستقرار السياسي، المطلوب أصلاً لإعادة الإعمار والشروع في مرحلة التنمية.
على الصعيد الاجتماعي والإنساني، فإن الانهيارات الاقتصادية التي تتسبب بها الحروب، خاصة الطويلة منها، تترك آثاراً كارثية طويلة الأمد. فهناك الملايين من الفقراء الذين سيزدادون فقراً، وتتسع بهم الرقعة الواسعة أصلاً من السكان الذين يقبعون تحت خط الفقر. وتستدعي هذه الانهيارات الاقتصادية نظيراتها على الصعيد الاجتماعي والصحي والنفسي، وتترك الملايين نهباً للجوع والفقر والأمراض المستعصية. ولا يمكن النظر إلى الحرب، بأي حال، كفاعل إيجابي، حتى لو ثبتت فاعليتها في تحريك عجلة الاقتصادات الراكدة وخلق بيئة مختلفة تدور من خلالها عجلات الصناعة. فهذه النتائج التي توهمنا بالإيجابية ليست إلا زيادة في رساميل القوى الاقتصادية التي لا تكترث، بأي حال، إلا بمراكمة الأرصدة وامتلاك زمام القوة والسيطرة عبر المكاسب الهائلة التي تصنعها بيئة الحروب وما يليها.
ومن النتائج التي تفرضها أو تفضحها الحروب، انكشاف متانة أو هشاشة التحالفات التي عاشت دول كبيرة في ظل أوهامها لعقود طويلة. فقد شهدنا انكشاف مدى هشاشة التحالف الأوروبي–الأميركي بسبب المواقف التي تلت حرب روسيا على أوكرانيا، ونشهد اليوم، مع استمرار التوتر الإيراني–الإسرائيلي–الأميركي، مدى هشاشة الحماية المتوهمة التي كانت تمنّ بها الولايات المتحدة الأميركية على حلفائها، سواء في منطقة الخليج العربي أو في دول الاتحاد الأوروبي، الأمر الذي دفع مجموعة من الدول الأوروبية إلى إعادة ضبط بوصلة التحالفات والمصالح وتوجيهها إلى وجهات مختلفة عن السابقة.
تبقى التكاليف المهولة لكل يوم من أيام الحرب، مع تطور التقنيات وارتفاع تكلفة إنتاجها، عاملاً مهماً من عوامل كبح الحروب التي تنشأ في لحظة انغلاق اقتصادي، وتصبح الخيار الأقرب لكسر سطوة الحلقة المعيبة.
سبق للكاتب الهندي باراج خانا أن تنبأ، في كتابه “العالم الثاني” الصادر عام 2008، بتحولات عالمية على مستوى الخريطة الجيوسياسية، وولادة “العالم الثاني”، وهو عالم يبزغ من رحم العالم الثالث الذي تُستباح موارده وتُفرض عليه مساراته من مراكز قوى تُبقيه أسير خياراتها وإملاءاتها. هذا العالم الثاني المتخيل يمكن أن يغير نمط التحالفات وتموضع شبكات الإمداد، بحيث يصبح بمقدور هذه المجموعة من الدول بناء شبكة مصالحها الخاصة وفق منظور جديد، بعيداً عن انفراد الولايات المتحدة الأميركية بقطبية العالم. وقد عزز الدور الصاعد للقوة الاقتصادية الصينية هذا الاتجاه، الذي بدأنا نلحظ آثاره، كما بدأنا نلمس خشية الولايات المتحدة من تشكله وخروجه عن السيطرة.
تبقى التكاليف المهولة لكل يوم من أيام الحرب، مع تطور التقنيات وارتفاع كلفة إنتاجها، عاملاً مهماً من عوامل كبح الحروب التي تنشأ في لحظة انغلاق اقتصادي، وتصبح الخيار الأقرب لكسر سطوة الحلقة المعيبة. لذا يبحث قادة الحروب عن حروب خاطفة لا تدوم طويلاً، لأن الآثار الكارثية المترتبة عليها ستصبح عصية على الاحتمال. لكن، كما علمتنا دروس التاريخ، فإن أية قوة مسيطرة يمكنها أن تبدأ الحرب وفق التقدير والتوقيت اللذين تراهما مناسبين، لكنها بالتأكيد لا تملك القدرة على ضبط مساراتها ونهاياتها؛ فالمعادلات هنا تصبح متعددة المجاهيل. وكما يذكر هنري برغسون في كتابه “منبعا الأخلاق والدين”: “إذا كان المنزع إلى التملك نزوعاً فطرياً لدى الإنسان، فإن الحرب نتيجة حتمية لذلك”.
المصدر: تلفزيون سوريا






