
تحاول بعض الدول التمسك بخيار «الحياد» كاستراتيجية لتجنب الانزلاق إلى صراعات مفتوحة في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، لكن في حالة سوريا، يبدو هذا الخيار أقرب إلى طموح نظري منه إلى واقع سياسي عملي. فالجغرافيا، والتشابكات العسكرية، والتحالفات المتداخلة تجعل من الحياد السوري مسألة شبه مستحيلة، خاصة في ظل التصعيد الحاصل بين إيران وإسرائيل، وتهديد أمن الطاقة، وارتفاع الأسعار والتضخم، التي تلقي بظلالها على سوريا في ظل غياب خطة اقتصادية واضحة، إضافة إلى التوترات الإقليمية التي تعيد تشكيل موازين القوى في الشرق الأوسط.
تقع سوريا في قلب خطوط التماس الإقليمية، لا على هامشها؛ فهي ليست مجرد دولة مراقِبة للأحداث، بل ساحة تلتقي فيها مصالح القوى الكبرى والإقليمية من الشمال إلى الجنوب، ومن الشرق إلى الغرب. كما تنتشر فيها قوى مختلفة: الوجود الروسي، ومنطقة عمليات إسرائيلية جوية واستهداف وتوغل بري دوري، وقواعد أميركية في الشرق باتجاه العراق. هذا التشابك لا يترك مجالًا واسعًا لسياسة خارجية مستقلة بالكامل، بل يفرض على دمشق التعامل مع معادلة معقدة تتجاوز حدود القرار السيادي التقليدي.
إن مفهوم «الحياد» في الشرق الأوسط عمومًا يواجه تحديات بنيوية. المنطقة لا تعمل وفق قواعد الاستقرار التقليدية، بل وفق ديناميكيات الصراع المفتوح وإدارة الأزمات.
إضافة إلى ذلك، هناك دعم أميركي لسوريا بعد سقوط الأسد وبداية المرحلة الانتقالية، واليوم تسعى واشنطن إلى اصطفاف دول المنطقة والعالم معها. في هذا السياق، يصبح «الحياد» مفهومًا إشكاليًا: هل يمكن لدولة جديدة تعاني ضعفًا وهشاشة، وتعتمد على تحالفات أمنية حيوية، أن تتخذ موقفًا محايدًا؟ وهل يمكن لساحة مفتوحة لضربات خارجية أن تنأى بنفسها عن الصراع؟ الواقع يشير إلى أن سوريا لا تختار دائمًا موقعها في المعادلة، بل تُدفَع إليه بفعل توازنات القوى الإقليمية والدولية.
إلى جانب العامل العسكري، هناك البعد السياسي الذي يزيد من تعقيد المشهد؛ فدمشق تحاول من جهة إعادة تموضعها عربيًا والانفتاح على الدول التي بدأت بإعادة العلاقات معها، ومن جهة أخرى، تحافظ على توازن استراتيجي بين أمريكا وروسيا. هذا التوازن الدقيق يشبه السير على حبل مشدود؛ أي انحراف قد يؤدي إلى خسارة أحد الطرفين أو إلى تصعيد ميداني غير محسوب.
كما أن الداخل السوري نفسه لا يزال هشًا، ولم تكتمل السيطرة الحقيقية على كامل الجغرافيا السورية، مع تحديات اقتصادية ومعيشية عميقة وبنية تحتية متضررة. في مثل هذا الظرف، يصبح الانخراط في صراع إقليمي واسع مخاطرة كبيرة، لكن في الوقت ذاته، فإن تجنب هذا الانخراط ليس قرارًا بيد دمشق وحدها.
الولايات المتحدة، رغم تقليص حضورها المباشر في بعض مناطق الشرق الأوسط، لا تزال لاعبًا مؤثرًا في الملف السوري، مما يضيف طبقة أخرى من التعقيد، حيث تتقاطع مصالحها مع قوى محلية، وتتنافس مع النفوذ الإيراني والروسي وحتى الصيني. هذا التداخل يجعل من سوريا نقطة التقاء—وأحيانًا تصادم—لمشاريع متعددة، يصعب معها رسم خط فاصل واضح بين الحياد والانحياز.
من زاوية أخرى، فإن مفهوم «الحياد» في الشرق الأوسط عمومًا يواجه تحديات بنيوية. المنطقة لا تعمل وفق قواعد الاستقرار التقليدية، بل وفق ديناميكيات الصراع المفتوح وإدارة الأزمات. في مثل هذا السياق، الدول التي تقع في قلب الجغرافيا السياسية الساخنة—كما هو حال سوريا—تكون أقل قدرة على تبني سياسات حيادية، وأكثر عرضة للانخراط، طوعًا أو كرهًا، في محاور متنافسة.
السؤال الأهم هنا ليس ما إذا كانت سوريا تريد الحياد، بل ما إذا كان هذا الخيار متاحًا أصلًا. المؤشرات الحالية توحي بأن الحياد، في الحالة السورية، ليس خيارًا استراتيجيًا قابلًا للتطبيق، بل حالة مؤقتة أو خطاب سياسي يُستخدم لتخفيف الضغوط، من دون أن يعكس بالضرورة الواقع الميداني.
الداخل القوي المتماسك برضا وقناعة المواطنين يساعد بشكل كبير في الحد من تأثير الخارج، وكذلك في مواجهة اضطرابات وتوترات المنطقة؛ فالدول الضعيفة والهشة داخليًا هي أكثر عرضة للتأثر بالمخاطر المحيطة، لا سيما دولة مثل سوريا، حيث الحياد فيها مستحيل أو شبه مستحيل.
في المحصلة، تبدو سوريا اليوم في موقع لا يسمح لها بالوقوف على مسافة واحدة من جميع الأطراف. فهي جزء من معادلة إقليمية أكبر منها، تتحدد فيها الأدوار وفق توازنات القوة، لا وفق الرغبات السياسية. ومع استمرار التصعيد في المنطقة، قد تجد دمشق نفسها أمام خيارات أكثر صعوبة، حيث يصبح الانخراط—بشكل أو بآخر—أمرًا لا مفر منه، لاسيما إذا طال النزاع المشتعل حاليًا.
الحياد، في النهاية، ليس مجرد إعلان سياسي، بل قدرة فعلية على تجنب التورط في الصراعات. وفي الشرق الأوسط، حيث تتداخل الجغرافيا مع الاستراتيجية، وتتقاطع المصالح مع الصراعات، قد يكون الحياد رفاهية لا تملكها الدول الواقعة في قلب العاصفة، وسوريا بكل تعقيداتها تبدو اليوم في صميم هذه العاصفة، لا على هامشها.
وإن كان من نصيحة ممكن تقديمها للسلطة الحالية، فهي حلحلة مشكلات الداخل والتركيز عليها، وأخذ الدولة إجراءات تقنين لصالح الفقراء والمخيمات، وردم الهوة بين الشعب والسلطة، ووضع خطط اقتصادية واضحة بيد خبراء، وتعزيز الشفافية بمشاركة سياسية حقيقية مع الجميع من أجل الجميع. فالداخل القوي المتماسك برضا وقناعة المواطنين يساعد بشكل كبير في الحد من تأثير الخارج، وكذلك في مواجهة اضطرابات وتوترات المنطقة؛ فالدول الضعيفة والهشة داخليًا هي أكثر عرضة للتأثر بالمخاطر المحيطة، لا سيما دولة مثل سوريا، حيث الحياد فيها مستحيل أو شبه مستحيل.
المصدر: تلفزيون وسريا





