شهادات من بدايات الثورة السورية في ذكراها الـ15.. حين كسر السوريون الخوف

بيسان خلف

في كل عام، ومع حلول ذكرى انطلاق الثورة السورية، تعود إلى الواجهة حكايات الناشطين الذين شكلوا نواة الحراك السلمي في بداياته. تلك الشهادات كانت وثائق حيّة عن لحظة تاريخية كسر فيها السوريون حاجز الخوف، وخرجوا إلى الشارع للمرة الأولى بعد عقود من الصمت.

البدايات لم تكن منظمة أو واضحة المعالم،  إنما اتسمت بالعفوية والتردد والخشية من بطش قضية أمنية كانت حاضرة في كل زاوية.

إلا أن تلك اللحظات الأولى سرعان ما تحولت إلى تجربة جمعية عميقة، أعادت تشكيل وعي جيل كامل، وفتحت الباب أمام مسار طويل من التحولات السياسية والاجتماعية.

مظاهرات خاطفة وتضامن لا يُنسى

تستعيد نور سلام، إحدى ناشطات الحراك السلمي في دمشق، تجربتها الأولى في المظاهرات التي خرجت في أحياء الميدان وبرزة أواخر عام 2011، عندما كانت في الحادية والعشرين من عمرها.

تقول نور في حديثها لموقع تلفزيون سوريا إنها نشأت في عائلة معارضة، عانت من التضييق الأمني منذ عهد حافظ الأسد، ما جعل الخوف حاضرًا بقوة مع بداية الثورة.
“كان أهلي يحاولون منعي من الخروج، خوفًا من البطش المتوقع”، تضيف، مشيرة إلى أنها كانت تضطر للخروج سرًا للمشاركة في المظاهرات.

تروي تفاصيل إحدى تلك المرات: “تنكرت بارتداء جاكيت زوج أختي مع طاقية، وادعيت أنني ذاهبة للقاء أصدقائي. كانت المظاهرات في دمشق لا تستمر أكثر من دقائق بسبب القبضة الأمنية”.

بقي عالقاً في ذاكرة نور عن ذكريات الحراك الأول هو مشهد التضامن: “كان الشباب يجمعون السيدات في المنتصف لحمايتهن، ويؤمنون طرق الهروب بين الحارات. الجميع كان مستعدًا لحماية الجميع”.

تضيف نور أن سرعة توثيق المظاهرات ونشرها شكّلت عاملًا حاسمًا في نقل صوت الشارع: “قبل أن أصل إلى المنزل، كان فيديو المظاهرة قد عُرض على القنوات، وعرف أهلي بمشاركتي”.

اليوم، ترى نور أن أكثر ما تغيّر هو غياب ذلك الشعور العميق بالتكافل: “في ذلك الوقت، كنت أشعر أن أي باب سيُفتح لي إن احتجت للاختباء. هذا الشعور لم يعد موجودًا كما كان”.

 الثورة كمعنى للكرامة

أما أحمد صالح، فينظر إلى مشاركته الأولى في المظاهرات من زاوية فكرية وإنسانية أعمق، مرتبطة بمفهوم الكرامة والحرية.

يقول لموقع تلفزيون سوريا: “خرجت لأن وقت التغيير قد حان، ولأن الاستبداد لا يمكن أن يستمر. الحرية مرتبطة مباشرة بكرامة الإنسان، ومن دونها يفقد الإنسان قيمته”.

بالنسبة له، لم تكن المظاهرة مجرد حدث عابر، كانت “إثباتًا أن القيم الفطرية ما زالت حية”، ومحاولة لكسر “هالة التقديس” التي أحاط بها النظام المخلوع نفسه.

ويضيف أن الثورة حملت على مدى سنواتها الطويلة عددًا لا يُحصى من الذكريات، لكن تجربة الاعتقال تبقى الأشد حضورًا: “وجوه بعض السجانين لا تفارقني حتى اليوم، وتعيش معي بشكل يومي” يضيف.

تعكس شهادة أحمد البعد النفسي العميق لتجربة الثورة، التي امتدت لتعيد تعريف مفاهيم الحياة والكرامة لدى جيل كامل.

 من الهتاف إلى الإسعاف… ثم الإصابة 

ماهر فتوح، ناشط ومسعف من دمشق، يستعيد بدوره تفاصيل يومه الأول في التظاهر، عندما قرر التوجه إلى داريا للمشاركة في أول مظاهرة.

يقول ماهر في حديثه لموقع تلفزيون سوريا: “في الليلة التي سبقت المظاهرة لم أنم. كنت أعيش بين الرغبة في المشاركة والخوف من الاعتقال”.

لكن تلك الحيرة انتهت لحظة الهتاف: “بدأت أصرخ، (حرية للأبد غصب عنك يا أسد) كان صوتي يرتجف لم يكن مألوفاً أن تذكر اسم الأسد، لكنني شعرت بقوة غير مألوفة”.

لم تدم المظاهرة طويلًا، إذ تدخلت قوات الأمن سريعًا، وبدأ إطلاق النار في الهواء لتفريق المحتجين.

ويتابع “ركضت مع الآخرين، كنت أتعثر من الخوف، لكنني كنت أضحك في داخلي، شعرت أنني كسرت هالة القوة التي كان نظام الأسد نفسه بها”.

مع تحول الثورة إلى العمل المسلح، اختار ماهر طريقًا مختلفًا، فانتقل إلى العمل الإنساني، وتلقى تدريبات في التمريض والإسعاف، ليبدأ بنقل الجرحى ومعالجتهم في داريا.

إحدى اللحظات المفصلية في حياته كانت عندما شاهد عائلة قُتلت داخل سيارة على الطريق الواصل بين مدينة داريا وصحنايا.

ويكمل “كانت تلك أول مرة أرى فيها قتلى عن قرب، في تلك اللحظة قررت أن أكون مسعفًا وعملت في نقل الجرحى من الخطوط الساخنة في داريا الى المستشفيات الميدانية بعد تلقي تدريب لمدة شهرين ونصف”.

الطريق الذي اختاره ماهر لم يكن بلا ثمن، ففي أثناء نقله للجرحى من ريف دمشق إلى لبنان، تعرض لإطلاق نار في رأسه، ما أدى إلى فقدانه البصر، في تجربة تختصر حجم التضحيات التي قدمها ناشطو العمل الإنساني خلال سنوات الثورة.

 من الجنازات إلى الشارع

ريم الزعبي، الناشطة الإعلامية، تسلط الضوء على شكل مختلف من بدايات الحراك، حيث بدأت المظاهرات من لحظات الغضب الجماعي، خاصة في الجنازات.

تروي تجربتها لموقع تلفزيون سوريا: “عندما خرجنا في جنازة أحد الشبان، الذين تم قنصهم في درعا البلد بدأ الناس يهتفون بشكل تلقائي، لم يكن هناك قائد، لكن الجميع كان يعرف ماذا يقول”.

ذاكرة مستمرة

تعكس الشهادات السوريين خلال بدايات الثورة جوانب متعددة من التجربة الأولى للحراك السلمي في سوريا، بين الخوف والأمل، والحلم والكلفة الباهظة.

ورغم مرور السنوات وسقوط نظام الأسد، لا تزال تلك اللحظات الأولى حاضرة بقوة في ذاكرة المشاركين، بوصفها بداية حدث سياسي، ولحظة إنسانية فارقة أعادت تعريف العلاقة بين الفرد والسلطة، وبين الخوف والحرية.

وبينما تغيرت ملامح المشهد السوري بشكل جذري، تبقى تلك البدايات مرآة لزمن مختلف، حين خرج السوريون إلى الشارع حاملين أصواتهم فقط، في مواجهة نظام لم يكن بتوقع أن يكسر السوريون حاجز الخوف.

المصدر: تلفزيون سوريا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى