
جاء بلاغ (بيان) وزارة الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج، يوم 1 مارس/ آذار الجاري، المتعلّق بالحرب على إيران من الولايات المتحدة و”إسرائيل”، خالياً من الإشارة إلى إيران والاعتداء العسكري عليها، ما أدّى إلى غضب جمهور واسع من التونسيين، وشعورهم بالحنق والاشمئزاز والاستغراب والاستهجان، ممن دوّنوا وكتبوا تعليقاتهم وردات أفعالهم أسفل صفحة الوزارة في “فيسبوك”، أو نشروها ببروفايلاتهم وصحائفهم الخاصة، ذلك أن المهجة التونسية العامة تساند إيران ما دامت في صف مقاومة “إسرائيل” ودعم غزّة وفلسطين.
تحدّث “البلاغ” عن انشغال تونس العميق وعن قلقها الشديد تجاه “التصعيد العسكري الخطير الذي تشهده المنطقة وما قد ينجرّ عنه من مخاطر اتّساع رقعة الصراع والانزلاق إلى الفوضى فضلاً عمّا يُشكّله ذلك من تهديد جدّي للأمن والسّلم الإقليمي والدولي”. وعن “رفضها المطلق (تونس) لأيّ استهداف لأراضي دول عربية شقيقة وتضامنها الكامل مع كلّ من المملكة العربية السعودية ودولة الكويت ودولة قطر ومملكة البحرين ودولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة الأردنية الهاشمية ودولة العراق”.
بالغ “البلاغ” في الحذر إلى درجة التجاهل الجلي، والمقصود اغتيال المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية والثورة الإيرانية علي خامنئي وثلّة من القادة السياسيين والعسكريين، حتى أنه لم يتضمن تنديداً باغتيال طاول رأس دولة تجمعها بتونس روابط الإسلام والانتماء المشترك إلى منظمة المؤتمر الإسلامي والموقف المساند للقضية الفلسطينية، وتتبادل معها التمثيل الدبلوماسي والمصالح المشتركة.
يخفي المسكوت عنه في نص البيان خيفة لم يعرف تاريخ الدبلوماسية التونسية مثيلاً لها من الولايات المتحدة وحليفتها الدولة العبرية منفذتي الاعتداء على القيادة الإيرانية والبدء في حرب نيرانها لا تبقي ولا تذر ولا يعرف أحدٌ نهايتها، فمن النادر أن أصدرت وزارة الخارجية التونسية موقفا مماثلا يتسم بالعمومية والهروب من المسؤولية الأخلاقية والدبلوماسية والهشاشة السياسية.
اختارت التيارات السياسية الكبرى رفض الاعتداء الأميركي- الصهيوني على إيران واغتيال مرجعها الأكبر ومرشدها الأعلى والتنديد بذلك الاعتداء
سوّق الموقف الرسمي التونسي نفسه رافضاً استهداف دول عربية شقيقة، وهي دول الخليج العربي بالإضافة إلى الأردن والعراق. والحال أن هذا الرفض والوقوف إلى جانب الأشقاء العرب من بديهيات السياسة الخارجية التونسية المعاصرة. وكان من الأجدر عدم الاكتفاء بالتضامن، وإنما دعم الدول العربية المعنية بعمل دبلوماسي يستغلّ العلاقات الطيبة التونسية الإيرانية للحيلولة دون جرّ الخليج العربي إلى حرب استنزاف مع إيران ستكون نتائجها وآثارها وخيمة، وهي الحقيقة التي انتهى إليها ساسة وخبراء ذوو معرفة وخبرة، خصوصاً أن تلك الحرب هي حرب “إسرائيل”، وليست حرب دول الخليج حسب قول بعضهم، والغرض منها تحقيق حلم أسطوري قديم بإقامة ما تسمّى “إسرائيل الكبرى” على أراضي دول عربية (مصر والسعودية والأردن وسورية والعراق).
لم يكلّف الرئيس التونسي قيّس سعيد نفسه إرسال برقية تعزية إلى الرئيس الإيراني، وإثارة موضوع الحرب على إيران واغتيال مرشدها الأعلى، وتوسع دائرتها لتشمل دولاً عربية شقيقة، يستوجب الأمر الاتصال الهاتفي وغير الهاتفي بقادتها تجسيداً لمبدأ التضامن العربي، ما سيكون له تأثيرات وانعكاسات غير محمودة العواقب على دول عديدة منها تونس، وذلك في أثناء لقائه رئيسة الحكومة ووزير الشؤون الاجتماعية يوم الثاني من شهر مارس/ آذار الجاري، وهو الاجتماع الأول الذي ظهر فيه سعيّد بعد شن الولايات المتحدة وحليفتها “إسرائيل” هجومهما على إيران واندلاع الحرب. وكان سعيّد قد سارع يوم 22 مايو/ أيار 2024 إلى العاصمة الإيرانية لتقديم العزاء في وفاة الرئيس الإيراني السابق إبراهيم رئيسي بعد تحطم مروحية كانت تقلّه، والتقى آنذاك المرشد خامنئي. ولم يتحوّل الرئيس التونسي كذلك إلى مقرّ السفارة الإيرانية بتونس أو إلى إقامة السفير الإيراني لتقديم التعازي وتدوين كلمة بسجل العزاء على غرار تحوله يوم 9 سبتمبر/ أيلول 2022 إلى مقر إقامة سفيرة بريطانيا بتونس على إثر وفاة الملكة إليزابيث، رغم وفاة الملكة بطريقة طبيعية وإرثها الاستعماري وتاريخها الداعم للاحتلال الصهيوني وخذلان فلسطين التي يتغنّى بها سعيّد في أغلب خطاباته ويستثمرها في الحفاظ على شعبيته.
لم يكلّف الرئيس التونسي قيّس سعيد نفسه إرسال برقية تعزية إلى الرئيس الإيراني
وبدلاً من لعب دورٍ ما في حرب وُصفت بأنها غير عادلة، ولا تخدم سوى الطرف الصهيوني وأسطورة “إسرائيل الكبرى” التي يريدون تحويلها إلى واقع معاش، اختارت الجهات الرسمية التونسية النأي بالنفس في هذه المعركة الظالمة وغير المتكافئة، وقد يكون وراء ذلك الموقف الرغبة في عدم إغضاب الولايات المتحدة والتقرّب منها وإشعارها باستمرارية الولاء واحترام التحالف معها من خارج حلف الناتو التزاما بمذكرة التفاهم الموقعة سنة 2015. وهو اختيار يعيد إلى الأذهان موقف “اللاموقف” الذي اتخذته الجهات الرسمية التونسية تجاه الهجوم الأميركي على فنزويلا واختطاف رئيسها نيكولاس مادورو وزوجته واعتقالهما وتحويلهما إلى الولايات المتحدة لمحاكمتها بتهم مزعومة تتعلّق بتهريب المخدّرات وترويجها داخل التراب الأميركي، رغم عراقة العلاقات التونسية الفنزويلية التي ترتقي إلى مستوى التحالف، وهذا السلوك السياسي والدبلوماسي يتكرّر بحذافيره في التعاطي مع الحرب الأميركية – الصهيونية الإيرانية.
كان للمجتمعين السياسي والمدني في تونس رأياً مخالفاً للموقف الرسمي الذي عبرت عنه وزارة الخارجية، فقد اختارت التيارات السياسية الكبرى رفض الاعتداء الأميركي- الصهيوني على إيران واغتيال مرجعها الأكبر ومرشدها الأعلى والتنديد بذلك الاعتداء.
يخفي المسكوت عنه في نص بيان وزارة الخارجية خيفة لم يعرف تاريخ الدبلوماسية التونسية مثيلاً لها من الولايات المتحدة وحليفتها الدولة العبرية
عبّرت الحركة الإسلامية، ممثلة في حركة النهضة، في بيان لها في الثالث من مارس/ آذار الجاري عن “رفضها القاطع للعدوان العسكري الإسرائيلي الأميركي الذي استهدف الأراضي الإيرانية، وتعتبر أن أي هجوم مسلح يُشنّ على دولة ذات سيادة خارج الأطر القانونية الدولية المعترف بها، ودون تفويض من مجلس الأمن، هو انتهاك صريح لميثاق الأمم المتحدة”. وأردف البيان “ترفض حركة النهضة، في المقابل، الضربات الإيرانية التي استهدفت دولاً عربية، وما خلّفته من تهديد مباشر لأمن المدنيين والمنشآت الحيوية”. وساوى الإسلاميون بين اعتداء الولايات المتحدة والدولة العبرية على إيران واعتداء الجمهورية الإسلامية على دول الخليج العربي، معتبرين أن “الموقف من الاعتداء على إيران هو ذاته الموقف من الاعتداء على الدول العربية فرفض العدوان مبدأ لا يتجزأ”. واعتبرت حركة الشعب ممثلة للتيار القومي العربي في تونس في بيان لها أن “هذا العدوان الذي يشكل المحطة الثانية ضمن الحرب الصهيو- أميركية على إيران، التي انطلقت في شهر جوان الماضي دون أن تحقق الهدف المعلن منها، يكشف من جديد أن الهدف الحقيقي ليس وقف البرنامج النووي الايراني، بل إسقاط النظام وإنهاء دوره الذي كان حاسماً في تطوير أداء المقاومة الفلسطينية التي أذلت الكبرياء الصهيوني يوم 7 أكتوبر 2023”. ورأى حزب العمال ممثلاً لليسار التونسي “أنّ الهدف الحقيقي لهذا العدوان الذي يمثل استمراراً للعدوان على غزّة وفلسطين ولبنان وسوريا واليمن وعلى إيران ذاتها، هو مرّة أخرى الاستيلاء على ثروات الشعب الإيراني ومقدّراته وتنصيب نظام ذليل وطيّع مكان النظام القائم”. وجاء موقف الاتحاد العام التونسي للشغل، القوّة الأهم من بين قوى المجتمع المدني في تونس، منسجما ومتماهيا مع التيارات والأحزاب السياسية التونسية الكبرى، معبّراً عن “إدانته الشديدة والمطلقة للعدوان ضد إيران”، باعتباره “تهديداً خطيراً للسلم والأمن الدوليين، وتقويضاً لاستقرار الشعوب، وتعزيزاً لمناخ التوتر والهيمنة في المنطقة” ومحذّراً من “التداعيات الخطيرة للتصعيد العسكري في المنطقة العربية، وما قد ينجر عنه من انعكاسات مباشرة على أمن الشعوب العربية واستقرارها وعلى السلم العالمي”.
ولئن اتسمت مواقف الأطراف السياسية والمدنية بشيء من المبدئية تجاه الحرب الأميركية- الصهيونية الإيرانية لانسجامها التام مع رؤيتها التاريخية للصراع مع الصهيونية والدولة العبرية ومواقفها الداعمة إيران في معركتها مع “إسرائيل” في حرب الـ 12 يوما في يونيو/ حزيران الماضي، فإن الموقف الرسمي الذي عبّرت عنه وزارة الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج آنذاك، والذي جاء فيه أن تونس تدين بأشدّ العبارات العدوان الصهيوني الغادر على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، و”الاعتداء السّافر على سيادتها وأمنها” قد تغيّر بصفة ملحوظة وأخذ أبعاداً براغماتية هذه المرّة وبدأ يشهد تحوّلات عميقة تنحو إلى ما يعتبره بعض الدارسين نضجاً دبلوماسياً، هو أقرب إلى النأي بالنفس والكفّ عن مساندة إيران ودعمها، وهذا الأمر فرضته علاقات دولية قائمة على القوّة الغاشمة والهيمنة، ما استوجب التخلي عن الشعارات الشعبوية، وهي شعارات لا يمتلك رافعها الرئيس قيّس سعيّد القوة السياسية والمادية والمكانة الدولية والنفوذ الاقتصادي والعسكري لتحويلها إلى واقع ملموس وسياسات قابلة للتطبيق.
المصدر: العربي الجديد






