حرب متوقّعة ومرتّبة… ولكن

سامح راشد

كما كان متوقّعاً، بدأت الولايات المتحدة وإسرائيل توجيه ضربات عسكرية مباشرة إلى إيران، منذ فجر السبت الماضي. شمل الهجوم ضربات جوّية بالطائرات، وقصفاً صاروخياً، إضافة إلى استهداف قيادات عسكرية ومسؤولين سياسيين رفيعي المستوى.
لم تفتقد العملية العسكرية عنصر المفاجأة من ناحية المبدأ فقط، وإنما أيضاً على مستوى التوقيت والأهداف المرجوّة. فقد سبق في هذه الزاوية توقّع حتمية تلك الضربة ضدّ إيران، وأن المسار التفاوضي هو “تفاوض لإبراء الذمة”، وليس هدفه تجنّب العمل العسكري، وإنما فقط تمرير الوقت، وتسكين الموقف، لحين تحديد الموعد المناسب أميركياً وإسرائيلياً. أمّا بدء الضربات صباح السبت؛ فيهدف إلى تجنّب صدمة الأسواق المالية، واضطراب البورصات العالمية لأسواق النفط والذهب خصوصاً.
ولما كانت هذه التوقّعات ممكنة للمراقب، فبالتأكيد كانت مرئية لأصحاب القرار في إيران. والشاهد على ذلك سرعة الاستجابة الإيرانية للاستهداف الأميركي الإسرائيلي. فبعد مائة دقيقة فقط من استهداف طهران وأصفهان ومدن أخرى؛ اخترقت الصواريخ الإيرانية سماوات خمسٍ من دول الخليج العربية الست، واستهدفت قواعد وأماكن تمركز القوات الأميركية في الأردن والعراق، فضلاً عن قصف مدن إسرائيلية أبرزها تل أبيب وحيفا.
لكن ذلك كلّه لا يعني أن تطوّر تلك المواجهة العسكرية محدّدٌ مسبقاً. فالمؤكّد فقط أنها كانت متوقّعةً بشدّة، أمّا كيف ستسير وإلى أين تتجه فليس معروفاً بالمرّة. ولنتائج مواجهة يونيو/ حزيران الماضي دور مهم في إحداث ذلك الغموض، إذ خرجت إسرائيل والولايات المتحدة مزهوَّتَين بتدمير منشآت نووية مهمّة، واغتيال مسؤولين عسكريين وعلماءَ نوويين، ما أثبت أن إيران مخترقةٌ أمنياً على مستويات عدة. وفي المقابل، لم يصدر من طهران ردّة فعل قوية تحول دون تكرار سيناريو الاثني عشر يوماً، أو على الأقلّ يرفع كلفته. وأجرت إيران خلال تلك الأشهر مراجعة جذرية لقدراتها وتقديراتها، والأهم للثغرات الخطيرة التي تكشّفت من 13 إلى 24 يونيو/ حزيران 2025. كما أن الإيرانيين من الذكاء والفطنة ما يجعل خداعهم مرّةً ثانيةً في أقلّ من عام أمراً غير معقول. أي إن المسار التفاوضي الذي استُؤنف بين واشنطن وطهران خلال الأسابيع الماضية، كانت طهران تدرك أنه لم يكن جدّياً، ولعلّ ذلك كان السبب في المرونة المفاجئة التي أبداها الإيرانيون في اليومين الأخيرَين قبل ضربة السبت.
وإذ لم تقتصر العمليات العسكرية الإسرائيلية الأميركية على ضرب منشآت نووية، أو تحييد القدرات العسكرية الإيرانية عموماً، بل امتدّت إلى اغتيالات المسؤولين الإيرانيين على مستوى القيادات العليا، ومن بينهم المرشد علي خامنئي الذي سقط في الضربات الأولى صباح السبت، فإن اغتيال خامنئي ربّما يكشف بعض الأهداف الحقيقية لتلك الحرب؛ ما يعزّز الدلائل القوية على أن تلك الحرب مختلفة تماماً عن السابقة، وإذ سيكون لاغتيال رمز الدولة الإيرانية أثر عميق في داخل إيران وخارجها، بل وفي المنطقة ككل، فإن دلالات الاغتيال وتداعياته جديرة بتحليل متأنٍ.
في حرب متعمّدة ومخطّط لها من طرف، ومتوقّعة من الطرف المقابل؛ تنطبق قاعدة أن الطرف الذي يبدأ الحرب قد لا يعرف كيف أو متى تنتهي. فمقابل التشابهات بين هذه المواجهة وتلك السابقة في يونيو الماضي، ثمّة اختلافات مهمّة أبرزها دروس المرّة الأولى، ما يجعل سيناريوهات الحرب الحالية مفتوحةً على الاحتمالات كلّها. وهي مفارقة جديرة بالتأمّل: أن يكون مسار الحرب المتوقّعة غامضاً ومداها الزمني غير محدّد، مقارنةً بتلك التي بدأت بشكل غير متوقّع، ثم انتهت فجأة بعد 12 يوماً.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى