الحكومة السّورية بعد الثّورة ضرورة بناء السّرديّة لحماية الشّرعيّة

د. سماح هدايا

حين تتّسع دوائر البؤس ويستعصي الألم على الشّفاء؛ تدرك أن المرض القديم مازال حاضرا يفعلُ فعلَه في النّفس والجسد.  واستئصالُه يحتاج إلى مبضعِ جرّاحٍ ذكيٍّ حكيم.  و تقف الحكومة السّورية المؤقّتة الحاليّة، في وسط هذا الأمراض الثّقيلة، أمام تحدياتٍ  كبيرة متراكمة. ليست بطارئة ولا بسيطة؛ فهي حصيلة ماضٍ ثقيل وحاضرٍ أكثر تعقيدا. إداريّاً وماليّاً، قانونيّاً وسياسيّاً، ثقافيّا وتربويّاً، اجتماعيّاً وإعلاميّاً، في بلدٍ خرج من حربٍ بمخارج كارثيّة، لا تزال شظاياها في البشر والحجر. إرث نظامٍ استبداديٍّ فاسد خلّف جراحاً عميقة في النّفوس، وفي البنى التحتيّة، وترك وراءه مؤسّساتٍ منهارة، وثقةً عامّةً مكسورة.
ومن الإنصاف الإقرار أنّ حجم الضغوط الإقليميّة والدوليّة، وضيق الموارد، وتشابك الملفات السّياسيّة والأمنيّة، يضع هذه الحكومة المؤقّتة الخارجة من قلب الثورة  في مواجهة يوميّة مع صراعاتٍ معقّدة، تحتاج إلى جهدٍ مضاعف، وصبرٍ طويل، وعقلٍ جديد وصدقٍ لا غبار عليه. قد يكون شحّ المال، وتآمر الأعداء، وتداخل الأجندات، من أكبر التحدّيات الظاهرة؛ غير أنّ المشكلة الأعمق المسكوت عنها،  تكمن في غياب سرديّة جامعة تعيد تعريف الشّرعيّة والمرجعيّة، وتمنح الفعل السياسيّ معناه الأخلاقيّ.
إن لم تُبنَ السّلطة القائمة بعد الثّورة على رؤيةٍ أخلاقيّة واضحة، ستظلّ  في حالة ردود الأفعال، وقد تعيد، إنتاج ما ثار الناس عليه. فالسّرديّة ليست ترفاً فكريّا، بل هي الإطار الذي يحدّد منبع الشرعيّة وحدودها، ويرسم العلاقة بين الدّولة والمجتمع، بين الثورة والمؤسّسة، بين الحلم والواقع. وبحسب قول علي عزت بيغوفيتش فإنّ “القوّة لا تُنتج القيم، بل القيم هي التي تُنتج القوّة”. ومن دون هذه السّردية الشّفافة المقنعة ، ستظل مؤسسات السّلطة الجديدة عرضةً لإعادة إنتاج النّظام الاستبدادي الذي ثار الشعب السوري ضده، وضعيفة أمام مايحاك من تآمر وفتن.
ليس سهلاَ في وقت قصير عصيب الانتقال من التّنظير إلى العمل،  ولا  التحوّل من ضيق الفئويّة إلى سعة الأغلبيّة الوطنيّة، ولا مغادرة  خنادق الثورة إلى  تدابير بناء  الدولة الحرّة الكريمة العادلة. فبناء الدولة ليس مجرّد انتقالٍ في المواقع، بل انتقال في الوعي والفعل: من منطق الحرب الثوريّة إلى منطق المؤسّسة،   من نار الانفعالات إلى رزانة القانون. ومن ولاء الجماعة إلى مسؤوليّة الوطن الواحد الكبير المتنوّع، المتصارع  الأطياف.  لذلك اعتماد مرجعيّة أخلاقيّة مستمدّة من قيم الثورة السورية النّبيلة، ضرورةُ تأسيسيّة؛ فالمرجعيّة، في جوهرها،  امتلاكُ معايير أخلاقيّة وسياسية واضحة، تُدار بها الأمور، وتُؤخذ القرارات، وتُضبط السلطة، و يُساءل المسؤول، فالانتقال من زمن الكفاح والصراع إلى زمن الدولة لا يكون بعقليّة الفصيل أو الجماعة المغلقة أو بحسابات النخبة الموالية، أو بخطاب الشّعبوي، بل بعقلية المسؤولية الوطنية الجامعة تحت سقف احترام التّعدد  والنقد والقانون.
وقد واجهت معظم المعارضات السوريّة، الرسميّة وغير الرسميّة، منذ عام 2012، ظرفاً مشابها ورفضا متنوّعا؛ عندما خرجت تمثّل الثورة وتتحدّث باسمها، وعجزت عن صياغة سرديّة وطنيّة أخلاقيّة واضحة تمنحها شرعيّة راسخة. اليوم يتكرّر المشهد نفسه، بشكل مختلف قليلا،  في ظلّ الحكومة المؤقّتة؛ فما تزال السرديّات مرتبكة، ومصداقيّة المتصدّرين للمشهد موضع تساؤل، وكفاءة القيادة في اختبارٍ مفتوح.  فهناك أسئلة مشروعة: من هي الحكومة الجديدة في سياق التمثيل الوطني؟ ما الغاية من عملها؟ ومن هي المعارضة، وما حدود دورها في لحظة يفترض أن تكون لحظة تحرير ودفاع وتأسيس  لا تصفية حساب وخطاب كراهية؟  ومن يملك الشرعيّة الأخلاقيّة والسياسيّة لتمثيل السوريّين؟  الجواب يظهر واقعيّاً  في الأفعال،  في العمل على  إنتاج معنى جامع، في مصداقية الالتزام بقيم الحرّيّة والعدالة والكرامة التي  رفعتها الثورة السّورية وقدّم كثيرون تضحيات عظيمة من أجلها. وهذا يلزمه إطار سرديّ  معنويّ يتمدّد فيه خطاب الدولة وفعلها الموائم له.
السردية والمرجعية… إطار المعنى
إذا كانت الدولة جسدًا، فالسرديّة روحُه التي تمنحه المعنى وسياق الفعل؛ فهي ليست بيانا سياسيًّا عابرا، ولا شعارات إعلاميّة ضخمة؛ إنّها البنية الرمزيّة الحاملة للقيم، والمحرّك العميق للعمل العام. وبعد سنوات طويلة من الثورة والحرب والخسائر الفادحة تصبح الحاجة إلى هذا الإطار أشدّ إلحاحا: إطارٍ يجيب بوضوح عن الأسئلة الأولى التي لا يجوز  تجاهلها: لماذا نحكم؟ ولأجل من؟  وكيف؟ ومن نحن في مرآة ذاكرتنا الجماعيّة؟
السرديّة الوطنيّة لا تُختزل في فئة، ولا تُحتكر باسم من أسقط رأس النظام أو استكمل تحرير الأرض. إنّها أوسع من لحظة الانتصار النهائيّ، وأعمق من إرضاء القوى المتنفّذة والتصالح معها اتّقاءً لخطرها. وحين تغيب السّرديّة، تتسلّل فوضى التمثيل، وتُفتح الأبواب أمام قوى وشخصيّات كانت جزءا من منظومات الفساد، أو ظلّت موالية للنظام سياسيّا أو ثقافيّا أو اجتماعيّا، كي تعيد إنتاج نفوذها داخل مؤسّسات الدولة والمنظّمات، وتؤثّر في تدبير شؤون الحكم والسّياسة والمال والإعلام والثقافة والتّربية…
السّرديّة، بهذا المعنى، متّصلة بالمرجعيّة الوطنيّة اتصال الماء بالحياة. وجوهر هذه المرجعيّة هو المصالحة القائمة على السلم الأهلي، وتحقيق العدالة الانتقاليّة  كشرط أساسي. فالدولة تكون مع العدالة أو لا تكون؛ ولا يمكن أن تعلو فوقها أو تؤجّلها باسم  ضرورات الاستقرار والسّلم الاهلي ولا  أن تعفو عمن ارتكب انتهاكات وجرائم بحق الشعب السّوريّ . نعم، السلم الأهلي هدفٌ نبيل، لكنّه لا يُبنى على إنكار الحقيقة، ولا على مقايضة الكرامة، ولا على إهمال جبر الضرر. قد تكون الثورة انتهت كحدثٍ سياسيٍّ مباشر، لكنّها باقية كهويّةٍ أخلاقيّة: في رفض الذلّ، ومقاومة الاحتكار، والإصرار على كرامة الإنسان وحقوقه.
الشّرعيّة والمصداقيّة…
الشّرعية لا تُستمد من الاعتراف الخارجي وحده، ولا تُمنح باعترافٍ دوليّ مهما علا شأنه؛   تُولد في الداخل، في العلاقة بين السّلطة والناس. فالثقة الشعبيّة هي المعين الأوّل لأيّ حكم يريد البقاء بكرامة. ومن ثمّ، فإنّ حفاظ الحكومة السوريّة المؤقّتة على شرعيّتها مرهونٌ بقدرتها على الالتصاق الحقيقيّ بالناس: تمثيلٌ فعليّ لا رمزيّ، وقرارٌ يُصاغ  بمنطقٍ مفهوم، ومعايير معلنة. قضايا المعيشة والخدمات وملفّات المعتقلين والمفقودين ليست شأنًا جزئيّاً أو مؤجّلا، ولا حقوق النساء المتضرّرات وأمّهات وزوجات الشهداء عبئًا اجتماعيًّا هامشيًّا؛ تلك كلّها هي مادّة الشرعيّة وامتحانها الأخلاقيّ.  عمل الحكومة ومؤسّساتها ومنظّماتها  بشكل  جدي ومعلنٍ في هذه الملفات، يعيد ترميم الثقة التي تصدّعت عبر سنوات الألم والمحن.
المصداقيّة هي قلب المشروعيّة النابض. وأخطر ما يهدّد الحكومات التي تحكم باسم الثورة أن يتّسع الفارق بين الخطاب والممارسة، بين المأمول والمعمول؛ أن تُدار المؤسّسات بعقليّة المحاصصة، وأن تُبنى الشراكات على حساب حقوق الضحايا، لصالح شبكات النفوذ، بدل أن تقوم على الكفاءة والنزاهة والحقّ العادل. عندها لا تتراجع الثقة دفعةً واحدة، بل تتلاشى تدريجيّا، وتكبر الشكوك في صدقيّة الدولة الجديدة. لا معنى للحديث عن مصداقيّة من دون آليّات محاسبة واضحة، ومن دون فتح المجال أمام الكفاءات التي خدمت المجتمع بصدقٍ وأمانة، بعيدًا عن الاصطفافات الضيّقة. فالحكومة  الحكيمة لا تنتظر الانهيار كي تُصلح، بل تعزّز الثقة قبل أن تتآكل؛ لأنّ السقوط يبدأ حين تضعف المصداقيّة في  القرارات الصغيرة والكبيرة . وهنا تتقدّم وزارات  العدل والثقافة والإعلام والتربية والشؤون الاجتماعيّة إلى موقع القلب في حمل معركة الوعي وعبء المهمة. فالسرديّة الوطنيّة  تبدأ من المدرسة، وتتشكّل عبر إعلامٍ مسؤول، وتتعمّق في إنتاجٍ ثقافيّ مبنيّ على قيم المواطنة الفاعلة الجامعة وأسس العدالة والكرامة. إنّ الوعي هو الدفاع  في وجه عودة الاستبداد؛ فإذا صلح الوعي، صلحت الدولة، وإذا تُرك هشًّا، عاد الفساد والاستبداد بصيغٍ جديدة، وعاد بالابتذال والنذالة لتتصدّر المشهد.
التعاطف والعمل الوطني…
للسياسة بعدٌ إنساني لا يمكن تخطيه. فالدولة التي لا تشعر بوجع مواطنيها، ولا تصغي لآلامهم وآمالهم،  لا تستطيع أن تطلب منهم ولاءً صادقاً. التعاطف مع الناجين من العنف والحرب، ومع المعتقلين، والمفقودين، وسكان المخيمات، ليس خطابا عاطفيًا طوبايا، بل التزاماً مهنياَ وأخلاقيّاً،  يبدأ بالاعتراف المعنوي بالمعاناة والتّضحيّات، ثم  يتبعه الدعم المادي العادل  حين تتوفر الإمكانات.   وحتى تتمكّن الحكومة من الصمود وسط هذه التحديات المتراكمة، فإنّ عليها أن تستعيد زخمها الشعبيّ بصدق الخطاب وعدالة الممارسة. فترتيب المعاني يسبق ترتيب المواقع، وتثبيت المرجعيّة القيميّة يسبق توزيع المناصب. ذلك أنّ العمل الوطنيّ الحقيقيّ هو وحده ما يمنح الشرعيّة معناها الحيّ: حين تُكافَح شبكات الفساد بجدّيّة لا انتقائيّة فيها، وتُقدَّم خدمات تمسّ حياة الناس مباشرة، ويُعمَل على توحيد المجتمع بدل إعادة إنتاج انقساماته، وتُجعل الكفاءة والنزاهة معيار التعيين، لا الولاء والقرابة.
من دون سرديّة واضحة ومرجعيّة أخلاقيّة راسخة، تبقى مؤسّسات السلطة مهدَّدة  بإعادة إنتاج ما ثار السوريّون ضدّه. أمّا إذا استعاد الخطاب والعمل  معناه العميق، واستعاد الحكم صلته بالقيم التي انطلقت منها الثورة في مطالب العدالة والكرامة والحقوق؛ فهو أليق بكفاح  بسوريا وتضحيات شعبها الصامد وسط المحن.  وحسن الختام قول المفكر  علي عزت بيغوفتش “الحرية لا تُمنح، بل تُنتزع، لكنها لا تعيش إلا بالأخلاق”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى