كذبتان أميركية وإسرائيلية

غازي العريضي

أطلق الرئيس الأميركي دونالد ترامب “مجلس السلام” في كرنفال مشهود، بكثير من العِبر في قيادة العالم وقراءة مستقبله. عملياً، وُضعت اليد على غزّة، وأُعلنت استعدادات لإطلاق مشروع إعادة الإعمار وفق الخطّة التي أعدّها جوزيف بيلزمان وتحدّثنا عنها قبل أسابيع. لا دور للفلسطينيين في أرضهم، لا حقّ لهم في تقرير مصيرهم، مصيرهم التهجير، ومن يبقى منهم سيُعاد تأهيله لاستئصال “الإرهاب” من عقل الطفل الفلسطيني والعقل العربي. المقصود استئصال فكرة فلسطين، وأهل فلسطين من الذاكرة، وبناء “عقل” جديد، واستثمار الأرض في أكبر مشروع استعماري في العصر الجديد. أمّا إسرائيل، فكرّس المجلس استمرارها واستقرارها، والعنوان المزعوم هو “السلام”. لا مشكلة، فالرئيس ترامب ومعاونوه يتحدّثون دائماً عن “السلام بالقوة”، ولا أحد يتحدّث عن قوة السلام وديمومته سلاماً حقيقياً عادلاً. ثمّة عملية استئصال للشعب الفلسطيني من أرضه، وهذا جوهر “سلامهم”.
لا قيمة للإدانة العربية، والإسلامية، وأصحابها الذين يتعرّضون يومياً للإهانة بالممارسة والمواقف الإسرائيلية
المسؤولون الإسرائيليون السياسيون والأمنيون أطلقوا تصريحات يؤكّدون فيها أنّه لا انسحاب من غزّة، ولا دخول للمساعدات قبل نزع السلاح وتفكيك “حماس”. ركّبوا مليشيات تعمّم الفوضى والقتل. يستعدّون لإقرار قانون في الكنيست يكرّس إعدام الأسرى، بعد احتفالية مصوّرة نظمها إيتمار بن غفير في أثناء زيارته أحد السجون، والتفرّج على إخراج السجناء من زنزاناتهم ورميهم إلى الأرض كأكياس، وتعذيبهم والاعتداء عليهم، وهو يضحك ويبارك المعتدين ويكافئهم. وفي الوقت ذاته، يقتحم المسجد الأقصى مع مستوطنين يرقصون، يستبيحون كلَّ شيء، ويهدّدون بتدميره ويصادرون أراضي.
الرواية الأميركية الكاذبة قالت، عند الإعلان عن فكرة مجلس “السلام”، إنّ الخطّة معدّة لغزّة، أمّا الضفة فباقية. “بلع” الإسرائيلي الإعلان، لكنّه استمرّ في التوسّع والاستيطان ومصادرة الأراضي، ويعمل لفرض ذلك بالأمر الواقع و”القانون”، وتحت عنوان “تسوية الأراضي”، أي وضع اليد عليها لإقامة مستوطنات جديدة. وهذا يعني دفن “أوسلو” (1993) وفكرة الدولة الفلسطينية، والسيطرة على كامل فلسطين، وملاقاة جوهر فكرة مجلس السلام في القضاء على حقّ الشعب الفلسطيني وذاكرته ووجوده ومستقبله.
دانت دول عربية وإسلامية القرار. لم تكترث إسرائيل. لا قيمة للإدانة وأصحابها الذين يتعرّضون يومياً للإهانة بالممارسة والمواقف الإسرائيلية. نتنياهو غير مقتنع أساساً بمشروع غزّة. الأميركي يعتبر أن الأرض إسرائيلية، وأن الحقّ في تملّكها وإدارتها وتحديد مستقبلها يعود لإسرائيل. لم يتمكّن من ضبط جموح (وطموح) ترامب للحصول على جائزة نوبل للسلام والسيطرة على عقله الاستثماري الاقتصادي المالي. استوعب العملية مرحلياً، لكنّه تصرّف، في المقابل، على أساس أن الضفة الغربية هي “يهودا والسامرة”، هي أرض إسرائيل، ولا بدّ من الإسراع في تكريس هذا الواقع نهائياً، وليس ثمّة فرصة أفضل من الفرصة المتاحة الآن. ولذلك، أطلق المجلس الوزاري فكرةَ “تسوية الأراضي”، وترك المستوطنين يمارسون اعتداءاتهم ويقيمون مشاريعهم على أرض الفلسطينيين الذين سيدفعون إلى الهجرة القسرية، كما يقول المعتدون المحتلّون تنفيذاً لكلام نتنياهو: “إسرائيل ستسيطر أمنياً على كامل المنطقة من نهر الأردن إلى البحر المتوسّط، بما يشمل قطاع غزّة. تركّز الآن في تحرير غزّة من السلاح والأنفاق، ولن تسمح بإعادة الإعمار قبل نزع السلاح، ولن تقبل جنوداً قطريين وأتراكاً”.
قال وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر: “الحقيقة بسيطة، وهي أننا السكّان الأصليون لأرض إسرائيل. الوجود اليهودي في أرضنا التاريخية لا ينتهك القانون الدولي”. في هذا التوقيت، حلّ الصحافي الأميركي تاكر كارلسون في إسرائيل. احتجزوا جواز سفره ومارسوا مضايقات ضدّه، ثم سمحوا له بالدخول لإجراء مقابلة مع السفير الأميركي، مايك هاكابي، الذي أحرجه كارلسون في أكثر من موضع في المقابلة، وأطلق مواقف خطيرة وهو يعبّر، افتراضاً أو نظرياً أو دبلوماسياً، عن مواقف بلاده، فقال: “من حقّ إسرائيل دينياً امتلاك سورية ولبنان والأردن وجزء من السعودية والعراق ومصر”. ردّ كارلسون: “عائلة نتنياهو من أوروبا الشرقية، وهو لا يمارس اليهودية، ولا يوجد دليل على أن أسلافه عاشوا هنا أبداً (فلسطين) ولم يتحدّثوا اللغة. فعلى أيّ أساس يحقّ لهم الوجود هنا؟”. أجاب هاكابي: “أنا عاجز عن استيعاب ما تقوله”.
هل ستقف هذه العملية عند حدود غزّة ومشروع “مجلس السلام”؟ وأي سلام هو هذا الذي يستهدف الدول المذكورة ويؤكّد أنّهم يريدون حرباً دينية في المنطقة؟ هذه ليست المرّة الأولى التي تُطلق فيها مثل هذه التصريحات، لكنّ خطورتها أنّها جاءت على لسان سفير أميركا بالتزامن مع إعلان “مجلس السلام” وهدفه المزعوم “تكريس الاستقرار والتنمية والأمن في المنطقة”.
صدى مقابلة تاكر كارلسون، ثم كلام النائبة غرين، أقوى بكثير من الاستنكار العربي
صدرت مواقف عربية مستنكرة، لكن لم يصدر أيُّ تعليق من الإدارة الأميركية حتى كتابة هذه السطور. لا قيمة لاستنكار العرب، والدور بالتسلسل سيصل إليهم. لا وزن ولا احترام لهم في الحساب الأميركي. أميركا تتعامل بـ”المفرَّق”، على القطعة، تأخذ ما تريد ولا تسمع ما يريدون.
وعلى سيرة السلام، وحماية الأقليات، و”نصرة المسيحيين”، وقد ذهب ترامب إلى نيجيريا قاصفاً ضارباً متوعّداً باستهداف الإرهابيين الذين يهدّدون المسيحيين هناك، وزارت النائبة الأميركية السابقة مارغوري تايلور غرين بيت لحم، والتقت ماهر قنواتي رئيس بلديتها، وأعلنت بعد اللقاء: “أخبَرني عن اضطهاد يتعرّض له المسيحيون في بيت لحم وكذلك في غزّة والضفة الغربية. فقد قُتل مسيحيون في القصف على غزّة، وتعرّضت كنائس لهجمات. يوجد حالياً 139 حاجزاً للجيش الإسرائيلي في بيت لحم، مسقط رأس السيد المسيح. كثر من المسيحيين الأميركيين لا يدركون حجم الاضطهاد الذي يتعرّض له المسيحيون هنا. ينبغي أن يعرفوا ذلك وأن يرفعوا أصواتهم”. قالت كلمتها ومشت، ولم يعلّق ترامب أو غيره، كأنّ المستهدَفين ليسوا مسيحيين. السبب أن المستهدِفين إسرائيليون، وإسرائيل فوق القانون الدولي والأخلاق والقيم وحقّ الشعوب بالأمن والاستقرار. دولة فالتة ترعاها أميركا وتدعمها بممارسة إرهابها تحت راية “الحقّ الأصلي”، و”الوعد الربّاني”، و”الاختيار الإلهي” لشعب استثنائي لمنحه أرض السيد المسيح، أرض الفلسطينيين ومقدّساتهم الإسلامية والمسيحية.
صدى مقابلة تاكر كارلسون، ثم كلام غرين، أقوى بكثير من الاستنكار العربي. ما يجري اليوم يؤكّد اندفاعة المشروع الإسرائيلي للهيمنة الكاملة على المنطقة، ويبرز كذبتَين تاريخيَّتَين في الخطابَين الأميركي والإسرائيلي: حماية الأقليات، والسلام.
شكراً لـ”الزميل” كارلسون.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى