
يبدو أن سياسة الدولة السورية الجديدة في التعامل مع ضباط النظام السابق، أو «الفلول» كما يُطلق عليهم اصطلاحاً، بدأت تتغير. وتتزايد الإشارات التي تدل على أن توجهات الجهات السياسية والأمنية السورية تنحو نحو استيعاب واسترجاع ضباط وعناصر النظام السابق الذين لم يتورطوا في ارتكاب «الجرائم الخطيرة والانتهاكات الجسيمة»، بحسب وصف مرسوم العفو – وهو الأول من نوعه – الذي أصدره الرئيس السوري أحمد الشرع.
ويُعد مرسوم العفو، بغضّ النظر عن الجدل الحقوقي المتعلق بصلاحية الشرع لإصدار عفو عام، خطوة ملموسة تعكس ما تنتهجه الحكومة السورية منذ فترة في تعاملها مع الشخصيات المرتبطة بالنظام السابق. فقد شهدنا أولاً سلسلة تسويات مع قادة في «الدفاع الوطني»، بذريعة مساهمتهم في تأمين مؤسسات الدولة وضمان انتقال سلس للسلطة. ثم تلتها تسويات ومصالحات مع رجال أعمال شكّل بعضهم رأس حربة النظام السابق ورئته الاقتصادية التي مكّنته من الاستمرار في سياساته لسنوات طويلة.
أمام الاعتراضات الشعبية، لا سيما من أوساط الثورة، اضطرت الحكومة إلى تقديم تبريرات وشرح مواقفها.
وأمام الاعتراضات الشعبية، لا سيما من أوساط الثورة، اضطرت الحكومة إلى تقديم تبريرات وشرح مواقفها. وبدا أن هاجس الاستقرار الأهلي وتجنب اندلاع موجات انتقام أو أعمال عنف أهلية كان يؤرق الحكم الجديد، ما دفعه إلى تبني هذه المقاربة انطلاقاً من الخشية من انفلات أمني واسع.
بالطبع، لم يُقنع هذا التبرير أهالي الضحايا والمتضررين من الاستبداد، غير أن الأبعاد المرتبطة بالأمن القومي جعلت المصلحة العامة، في نظر السلطة، تتقدم على الحق الخاص. ومع ذلك، لم تمنع هذه المقاربة استمرار بعض أعمال العنف ذات الطابع الطائفي، ولا سيما تلك التي استهدفت علويين في حمص، ما يتيح الاستنتاج بأن العفو من دون عدالة لا يحقق سلماً أهلياً مستداماً.
إضافة إلى ذلك، وقبل صدور مرسوم العفو، واجه أصحاب الحق من أهالي ضحايا القتل والتعذيب والمخفيين قسراً عوائق قضائية حالت دون تقديم دعاوى الحق الشخصي، بذريعة سقوط التهم بالتقادم. وقد كتب كثيرون يشكون هذا المنطق، متسائلين: كيف كان ممكناً تقديم دعاوى ضد ضباط النظام السابق في زمن الأسد؟ وفي خضم ذلك، جاء مرسوم العفو ليرسخ عملياً ما كان يجري على الأرض، أي إعادة استيعاب ضباط وعناصر ورجال أعمال من النظام السابق ضمن المنظومة الجديدة.
لم يعد النظام الجديد ومسؤولوه يتعاملون مع هذا الملف بجدية من زاوية ضرورة القبض عليهم، بل باتت المقاربة مختلفة: السعي إلى استرجاعهم إلى سوريا والاستفادة من خبراتهم.
لا شك أن المصالحة تمثل خطوة أولى نحو سلم أهلي طويل الأمد، غير أن اقترانها بالعدالة يظل شرطاً أساسياً. فتعزيز الإحساس بالظلم لدى شريحة من السوريين كفيل بإبقاء الاستقرار عرضة للاهتزاز.
وبالعودة إلى ملف «الفلول»، يبدو أن المنطق ذاته ينعكس على طريقة التعامل مع وجودهم في لبنان. فلم يعد النظام الجديد ومسؤولوه يتعاملون مع هذا الملف بجدية من زاوية ضرورة القبض عليهم، بل باتت المقاربة مختلفة: السعي إلى استرجاعهم إلى سوريا والاستفادة من خبراتهم، بدلاً من ملاحقتهم في لبنان.
وأضحى بعض المسؤولين السوريين الذين يزورون بيروت يرددون أن ما ورد في تقرير «الجزيرة» يتضمن مبالغات وأن الواقع جرى تضخيمه. غير أن ذلك لا يعني بالضرورة أن التقرير مبالغ فيه، أو أن خطر هؤلاء «الفلول» على لبنان، قبل سوريا، لم يعد قائماً، بل هو مؤشر إضافي إلى التحول في مقاربة الحكومة السورية لهذا الملف.
المصدر: تلفزيون سوريا






