لم يكن مجرّد معرض للكتاب في دمشق

عمر كوش

اعتدتُ، مثل غيري من السوريين، انتهاز أيّ فرصةٍ تلوح أمامي للذهاب إلى بلدي، سورية، بعد سقوط نظام حكم آل الأسد وخلاص السوريين منه. وكانت الفرصة هذه المرّة زيارة معرض دمشق الدولي للكتاب الذي انطلقت دورتُه الأولى بعد التحرير من مدينة المعارض القريبة من مطار دمشق الدولي.
لم يكن مفاجئاً العدد الكبير من السوريين الذين زاروا المعرض لأسباب مختلفة، وتجاوز عددهم في اليوم الأول، بحسب المنظّمين، أكثر من 250 ألفاً؛ فقد شكّل المعرض فرصةً للتنفّس بالنسبة إليهم، إذ كانوا مخنوقين، ليس سياسياً فقط، بل ثقافياً واجتماعياً وإنسانياً. فالخلاص من نظام الأسد عنى لغالبية السوريين التنفّس بحرية، وما يستتبعه من تجوال حرّ في الشوارع والساحات، وزيارة المعالم والأماكن، ولا يتعلّق الأمر فقط بمعرض الكتاب، بل بالفسحات التي يوفّرها، بوصفها جزءاً من الفضاء العام الذي صادره نظام الأسد سنين طويلة.
كذلك لم يشكّل بُعدُ مكان إقامة المعرض من مركز مدينة دمشق عائقاً أمام الزائرين الذين جاؤوا إليه أفواجاً من الشباب والشابّات، وعائلات بأكملها، واستقلّوا حافلات نقل كبيرة وصغيرة، وسيّارات أجرة وأخرى خاصّة، وكأنّهم جماعات من العطشى توافدوا إلى المعرض كي يشاركوا أقرانهم الاحتفال بهذه المناسبة التي استعادوها، ومثّلت لهم مناسبةً ثقافيةً تحفل بالكتاب وحروفه بوصفها إحدى لبنات بناء الحاضر وتشييد المستقبل.
تعرّض نشطاء عديدون للرمي في السجون والمعتقلات في عهد النظام البائد نتيجة اقتنائهم كتباً اعتبرتها أجهزة النظام ممنوعةً من التداول والقراءة
يستدعي المعرض، بوصفه ظاهرةً ثقافيةً، ما تراكم في ذاكرة السوريين السياسية والثقافية أكثر من 13 عاماً، وترك جروحاً عميقةً فيها، فضلاً عن أكثر من خمسة عقود مع الديكتاتورية المتوحّشة التي مارست أصناف القمع السياسي والاجتماعي والثقافي. وكانت معارض دمشق الدولية للكتاب مناسباتٍ إضافيةً تُرفع فيها صور آل الأسد، بدءاً من الأسد الأب وصولاً إلى الابن والأمّ والأخ والأخت، وتُحوَّل إلى كرنفالات لتلميع صورة الديكتاتور وتعداد إنجازاته الواهية. ولعلّ عودة معرض دمشق الدولي للكتاب من دون رفع أيّ صورة للرئيس، والاكتفاء برفع العلم السوري، أثارت أشجاناً لدى غالبية السوريين، فضلاً عن أنها تشكّل إنعاشاً لروح حياة مدينتهم الثقافية بعد أن عادت دور النشر العربية والأجنبية إليها كي تشارك في هذه الاحتفالية مع غيرها من المؤسّسات الثقافية السورية، فيما حلّت السعودية وقطر ضيفَي شرف على المعرض، وحمل اختيارهما ضيفَين معنىً سياسياً أيضاً أكثر منه ثقافياً.
يتجاوز معنى إقامة هذه الدورة من المعرض (بوصفها الدورة الأولى له بعد سقوط نظام الأسد) ليتكثّف في ما عُبِّر عنه في وجوه الزائرين، وحرص قسم كبير منهم على المشاركة في مختلف فعّالياتها. إضافة إلى أنه كشف مدى التحوّلات التي شهدتها سورية منذ سقوط نظام الأسد البائد الذي كان يحاول تصوير نفسه نظاماً “علمانياً” زيفاً وبهتاناً. ولعلّ تنوّع عناوين (ومضامين) الكتب المعروضة في المعرض يعكس بعضاً من عمق التغيير الذي تشهده سورية بعد سقوط الأسد؛ إذ كانت رقابة هذا النظام تمنع كتباً كثيرة، وخصوصاً التي تخالف توجّهاته وأيديولوجيته القمعية. فيما اتسمت هذه الدورة من المعرض بتنوّع الإصدارات المعروضة، فحظيت الإصدارات الإسلامية، التي كانت محظورةً في الماضي، بفرصة عرضها علناً، ولم يعدم الأمر عرض كتب أخرى لكتّاب يساريين وعلمانيين معارضين لنظام الأسد البائد، وكتب عن الثورة السورية وأحداثها وناسها. وخُصّص للمرّة الأولى في تاريخ المعرض جناح للثقافة واللغة الكردية، التي باتت لغةً وطنيةً بموجب المرسوم رقم 13 الذي أصدره الرئيس السوري أحمد الشرع في 16 الشهر الماضي (يناير/ كانون الثاني). وعُرضت في المعرض كتبٌ كانت مخفيّة في السابق، لأنها كانت في عداد المحظورات والممنوعات، وتجري قراءتها سرّاً، ويتم تداولها خلسةً بين عدة أشخاص، لأنّ أيّ إنسان يُعثر عنده على كتبٍ كهذه سيتعرّض للمساءلة والملاحقة والسجن.
يُحسب لهذه الدورة من المعرض أنه، باستثناء كتاب واحد اعترضت عليه استخبارات إحدى دول الجوار، فإنّ جميع الكتب عُرضت فيه من دون أيّ نوع من الرقابة السياسية، الأمر الذي يُعدُّ مكسباً ثقافياً وسياسياً، بالنظر إلى أن نظام الأسد كان يقمع الكتاب ويحاصر الكتابة، ولم يكن يسمح إلا بطباعة المؤلّفات التي تمجّده وتدعم ما يروّجه. ويعود الفضل في كسر طوق الرقابة الفكرية والثقافية إلى تضحيات السوريين، الذين دفعوا أثماناً باهظة خلال حكم آل الأسد، وعاشوا في ظلام فكري وثقافي فُرض عليهم.
عرضت جميع الكتب في معرض دمشق الدولي للكتاب من دون رقابة، ما يُعدُّ مكسباً ثقافياً وسياسياً
كانت أجهزة أمن النظام البائد تقوم بحملات مداهمة دورية للمكتبات ودور النشر، على الرغم من أنّها لم تكن تجرؤ على نشر أيّ شيء من دون موافقتها، وتعرف جيّداً نوع العقوبة التي ستتعرّض لها إن فعلتْ ذلك من دون إذنها. وقد تعرّض نشطاء عديدون للرمي في السجون والمعتقلات نتيجة اقتنائهم كتباً اعتبرتها أجهزة النظام ممنوعةً من التداول والقراءة.
ليست الصورة ورديةً تماماً في سورية الجديدة، فالغاية من المعرض، على أهميته خطوةً في خطّة ثقافية طويلة الأمد، تتجاوز الجانب الثقافي إلى الدعاية للنظام الجديد، وتضخيم الصورة الحقيقة، مع أن المطلوب كثير من العمل على مختلف المستويات من أجل دعم الثقافة وفقاً لبرنامج عمل مدروس، وإسنادها بعمل سياسي عبر تشريع قانون عصري يتيح تشكيل الأحزاب السياسية، وينظّم عملها وفقاً لأسس التعدّدية والديمقراطية. وكان ملحوظاً توزيع سلفيّين منشوراتهم مجّاناً في قاعات المعرض وخارجها، فضلاً عن عرض كتبهم في أجنحة كثيرة فيها، وذلك في سياق تنافسهم غير المُعلَن مع التيارات الإسلامية الأخرى، وبالأخصّ مع الإسلاميين المقرّبين من السلطة الجديدة.
لافت أن نسبة الإناث بين الزائرين أكبر من نسبة الذكور أو تُعادلها على أقلّ تقدير، لكن هذا لم ينعكس على فعّاليات المعرض المختلفة؛ إذ لم يكن بين المنظّمين امرأة واحدة، ولا كانت في قائمة ضيوف المعرض، سواء العرب أو الأجانب أو السوريون، ولم توقّع سوى امرأة واحدة كتاباً لها في المعرض. كذلك لم تشارك أيّ امرأة في محاضرات المعرض وندواته، الأمر الذي يطرح أسئلة بشأن أسباب هذا الغياب الثقافي للمرأة إلى جانب حضورها الباهت في الفضاء العام، وتطاول الأسئلة العقلية الثقافية التي تسكن رؤوس المنظّمين.

المصدر: العربي الجديد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى