نتنياهو قصد ترامب لإقناعه فعاد “مقتنعاً”

بسام مقداد

أرفق نتنياهو زيارته السابعة لواشنطن في أقل من سنة من رئاسة ترامب الثانية، بالكثير من الضجيج حول مخاطر المفاوضات التي تخوضها الإدارة الأميركية مع نظام الملالي. واقتصار المفاوضات على البرنامج النووي الإيراني، كما يؤكد الإيرانيون، زاد من توجس نتنياهو من هذه المفاوضات. فهو لا يخفي أن البرنامج النووي لم يعد يثير قلقه بقدر الصواريخ البالستية الإيرانية وتسارع وتيرة إنتاجها. فقد كانت هذه الصواريخ السلاح الإيراني شيه الوحيد الذي ألحق أضراراً ملموسة فعلية بإسرائيل في حرب الإثني عشر يوماً.

التفاصيل التي أحاطت بزيارة نتنياهو للبيت الأبيض: من الدخول من الباب الخلفي، إلى عقد اللقاء في مكتب ترامب وليس في المكتب البيضاوي، إلى عدم عقد مؤتمر صحافي مشترك في نهاية اللقاء، تشير إلى أن ترامب تعمد إهماد اندفاعة نتنياهو لإقناعه بالمسارعة إلى توجيه الضربة لإيران، وليس التفاوض معها. ونتنياهو يدرك أن ترامب يجري المفاوضات مع إيران في ظل أحد أكبر الحشود البرية والجوية الأميركية حولها. ولذا، من الواضح أن نتائج المفاوضات مقررة سلفاً: توقيع إيران على الشروط الأميركية سلماً أو حرباً. كما يدرك أيضاً أن ترامب بحاجة لهذه المفاوضات ليستنفد الخيار الدبلوماسي، ويقول للأميركيين قبل انتخابات الكونغرس النصفية إن الإيرانيين لم يتركوا له خياراً آخر غير الحرب عليهم. وكان واضحاً في ما كتبه على منصته الخاصة TruthSocialفي أنه يأمل أن يكون الإيرانيون هذه المرة أكثر تعقلاً ومسؤولية من المرة السابقة، وإلا فستكون النتيجة أشد قسوة.

من شبه المؤكد أن ترامب وفريقه قد استشعروا في إصرار نتنياهو على “إقناع” ترامب بمخاطر المفاوضات مع الإيرانيين، والصفقة النووية الجديدة التي قد تسفر عنها، وعمدوا إلى جعل الزيارة تختلف عن سابقاتها استقبالاً ونتائج معلنة. كما لا يستبعد ترامب وفريقه أن يوظف نتنياهو اندفاعته “لإقناع” ترامب لصالحه في انتخابات الكنيست المقبلة. ورفضوا أن تبدو اميركا وكأنها تعمل بإمرة إسرائيل، حسب إيتامار إيشنر في موقع يديعوت أحرونوت الناطق بالروسية في 12 الجاري.
من السذاجة الافتراض أن ما أحاط بزيارة نتنياهو لواشنطن يعني التباعد بين البلدين، الأوثق تحالفاً منذ أن ضعف تحالف إسرائيل بعد نشوئها  مع فرنسا وبريطانيا، اللتين ضمر نفوذهما في المنطقة والعالم بعد الحرب العالمية الثانية. فمن المستحيل ان يتخيل عاقل أن نتنياهو، أو كائناً من كان في موقع القيادة في إسرائيل، أن تتبادر إلى ذهنه فكرة التباعد عن الولايات المتحدة من أجل تفاصيل “تافهة” كهذه، أو حتى أن يتعنت ضد الموقف الأميركي. وقد حرص كل من ترامب ونتنياهو في تصريحهما عقب اللقاء أن يؤكدا على عمق العلاقة بين البلدين، وإن كان الإثنان قد حرصا على الإشارة إلى أنهما لم يتوصلا إلى الاتفاق بشأن ضرورة المفاوضات مع إيران. ويعتقد البعض أن إعلان ترامب بعد اللقاء عن تحديد مدة شهر لإيران كي تحسم موقفها النهائي من الشروط الأميركية الثلاثة، كان تبنياً لاقتراح نتنياهو تحديد مدة زمنية لكي لا تعود إيران لمماحكاتها المعهودة في المفاوضات.

لا يساور الشك أحداً أن المفاوضات الأميركية الإيرانية المتجددة، لا تقف حائلاً دون شن الهجوم على إيران، خصوصاً من قبل إسرائيل، على غرار ما فعلت في حزيران/ يوتيو المنصرم. ورأت مجلة Foreign policy الأميركية في 11 الجاري أن الولايات المتحدة تناقش سيناريو توجيه ضربة لإيران تركز ليس على احتلالها، بل على تصفية قيادتها. وتعتزم بعد ذلك اتباع نهج مماثل للنهج الذي اعتمدته بعد اغتيال الجنرال قاسم سليماني. وهو ما يسمى باستراتيجية “السيطرة على التصعيد” التي تقتضي بأن يقوم طرف النزاع الذي يمتلك القدرة على الرد على تصرفات العدو في كل مستوى جديد من التوتر بقوة كافية، لجعل أي تصعيد إضافي غير مجدٍ للطرف المقابل، حسب ما نقل في 12 الجاري عن المجلة الأميركية موقع المجموعة الإعلامية الروسية الكبرى RBC.

وكالة الأنباء الروسية regnum اعتبرت في 12 الجاري أن ما أحاط بلقاء ترامب مع نتنياهو هو تحول في موقف ترامب لم يستوعبه الإسرائيليون. وزعمت أن ترامب رفض أن يتحدث إلى نتنياهو على انفراد.
قالت الوكالة إن نتيناهو حمل معه إلى واشنطن “حزمة” من الشكاوى، يتعلق معظمها بالخطوات المقبلة حيال إيران. ووفقاً للتسريبات من الميدان، فقد غيرت الولايات المتحدة ملامح عمليتها المفترضة ضد إيران عدة مرات، فاعتمدت أحياناً على القدرات الإسرائيلية، وأحياناً أخرى كانت تنوي الهجوم بشكل منفرد، وأحياناً سمحت لحليفها بشن ضربات استباقية، وأحياناً أخرى، وبشكل غير متوقع، حظرت أي نشاط في الاتجاه الإيراني.

ورأت الوكالة أن الإسرائيليين لم يستطيعوا فهم سبب تحول ترامب المفاجئ من خطاب عدائي إلى خطاب سلمي، وبدأ يظهر مرونة غير مسبوقة في المفاوضات مع طهران. فقد تقبل بهدوء طلب الإيرانيين بنقل مكان المفاوضات من تركيا إلى عُمان، وهو ما كان غير مقبول سابقاً من قبل المفاوضين الأميركيين. ولم يقتصر الأمر على إيران فقط. فقد جرى الكشف عشية زيارة نتنياهو عن أن الولايات المتحدة سمحت لحركة حماس بالاحتفاظ بالسلاح الفردي مقابل الإلتزام بمندرجات الخطة الأميركية. وهذا يتناقض مع موقف إسرائيل التي كانت تطالب الفلسطينيين بالخضوع الكامل والتخلي عن كل السلاح.
ويضاف إلى هذا كله تفاقم الاستياء القائم منذ فترة طويلة بشأن خطط ترامب ضم تركيا وقطر إلى الهيئة الدولية لمراقبة قطاع غزة. ونظراً للعلاقات الوثيقة بين أنقرة والدوحة وقادة حماس، اعتبرت إسرائيل ذلك خيانة، وتوقعت من واشنطن أن تعوض بطريقة ما عن الإنزعاج الدبلوماسي. لكن بدلاً من ذلك، قررت الولايات المتحدة زيادة تعقيد الموقف بتخفيف مطالبها من الحركة الفلسطينية. وحرصاً منه على عدم إثارة غضب ترامب من الاعتراضات الإسرائيلية، قرر نتنياهو التوقيع على اتفاقية الانضمام إلى عضوية “مجلس السلام”.
الطبعة الإسرائيلية من الصحيفة الروسية Newsru أجرت في 11 الجاري مقابلة مع الخبير العسكري الإسرائيلي ديفيد غندلمان حول زيارة نتنياهو إلى الولايات المتحدة.

قال غولدمان، إنه فيما يتعلق بالقضية الإيرانية، علينا أن نفصل بين ما هو ظاهر للعيان وما يجري خلف الكواليس. فنحن الآن نشهد حشداً مستمراً للقوات الأميركية، واستعدادات لعملية عسكرية. أما فيما يتعلق بالجزء من العملية الذي يجري في الكواليس، يمكننا أن نتذكر شهر حزيران/يونيو 2025، حين كثر الحديث عن الخلافات بين الولايات المتحدة وإسرائيل، ومعارضة الأميركيين للضربة الإسرائيلية، وعقد جولة أخرى من المحادثات الأميركية الإيرانية يوم الأحد، وحفل زفاف أفنير نتنياهو في اليوم نفسه. وفي الوقت عينه قامت إسرائيل بشن الهجوم على إيران يوم الجمعة.
وفي إطار ما نتكهن به بشأن الزيارة، فإن الصيغة الأبسط، هي أن نتنياهو يحاول استمالة الرئيس الأميركي إلى جانبه، إذ ثمة خطر بأن يوافق ترامب خلال المفاوضات مع إيران على أمرٍ لا توافق عليه إسرائيل. لكن المفاوضات الإسرائيلية الأميركية قد تتركز أيضًا على العملية العسكرية نفسها بمشاركة الطرفين. وليس من المؤكد أن الموضوع الرئيسي المطروح للنقاش هو نفسه الموضوع المعلن، إيران. لكننا لا نعلم ما إذا كان نتنياهو سيحاول إقناع ترامب بعدم الموافقة على شروط إيران، أو ما إذا كان يقوم بتنسق معمق حول العملية العسكرية المحتملة.

المصدر: المدن

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى