العراق… أخبار مفبركة وصور زائفة

عبد اللطيف السعدون

نحن في عالم مليء بالشائعات والأخبار الكاذبة والصور الزائفة، يكفي أن تلقي نظرة على مواقع “السوشيال ميديا”، حتى يواجهك كمٌّ هائلٌ من أخبار ومعلومات يراودك الشك في صحتها، وربما تحوي في ثناياها معلومة عن واقعة حقيقية، لكنها تكون ملغومة بكثيرٍ من المعلومات الكاذبة أو غير الموثوقة، صحيح أن مثل هذا النمط من المعلومات والأخبار التي تحيط بها الشكوك كان موجوداً منذ فجر الإنسانية، وفي مختلف مراحل التاريخ، لكنها كانت تُطرح محاولاتٍ لفهم الأحداث أو المواقف الغامضة، أو لإيجاد تفسيرات لبعض ظواهر الطبيعة، لكنها تبدو اليوم جزءاً من سياقات عمل منظم، أو خطط مدروسة لا يقوم بها أفرادٌ بقصد البحث عن منفعة مباشرة أو للتسلية فحسب، أو للنكاية بآخرين ربما، إنما تقوم بها أيضاً شركات ومنظمات ومؤسّسات، وحتى حكومات، لترويج قضايا أو مواقف محدّدة، وتعمل في هذه المجالات جيوش إلكترونية لها أنظمتها وقواعدها وسياقات عملها، وتخصّص لها ميزانيات طائلة، وتعمل على زيادة قدراتها باستخدام “الذكاء الاصطناعي” الذي باتت تطبيقاته في متناول اليد.
وهذا كله تتصاعد وتيرته وتزداد في أوقات الأزمات، أو في مراحل عدم اليقين، أو في مواجهة تغييرات اجتماعية أو اقتصادية أو سياسية في هذا البلد أو ذاك، وقد تنتشر تلك الشائعات والأخبار الكاذبة بسرعة، ويتلقفها الناس خصوصاً إذا كانت تلبي حاجات يتمنون حدوثها، ويخلق غياب المعلومات الرسمية أو الموثوقة فراغاً يتيح لها فرصة ملئه إذ تُعطي شعوراً مضلّلاً بالمعرفة والفهم، وهنا تتحوّل الشائعات والأخبار الكاذبة الى ما يشبه الحقائق، والطامة الكبرى أن يعتمدها من ينصبون أنفسهم “محللين” لدعم ما يقولونه عبر الشاشات والصحف.
وثمة حقيقة علمية تخبرنا بأن المشاعر الجياشة وغير المنضبطة وراء تلقف تلك الأخبار المختلقة والصور الزائفة قد تُشوّه إدراكنا الواقع وتجعلنا أكثر عرضة لتصديق ما يطرح أمامنا. لكن ذلك، من ناحية أخرى، يمكن أن يؤدّي وظيفة اجتماعية محددة من دون أن يقصد صانعوها ذلك، مثل التعبير عن السخط على إجراءٍ مجحفٍ بحق شريحةٍ واسعةٍ من السكان، أو مساندة مطلب عادل تريده مجموعة أخرى، أو تعزيز الهوية الجماعية في مواجهة نعرة ضيقة أو تعصب طائفي أو عرقي.
تنتشر الشائعات والأخبار الكاذبة بسرعة، ويتلقفها الناس خصوصاً إذا كانت تلبي حاجات يتمنون حدوثها
لنأخذ الأزمة العراقية الحالية مثالاً، فمذ أطلق الرئيس الأميركي دونالد ترامب تغريدته في رفض تولي نوري المالكي رئاسة الحكومة، حتى انطلقت حملات منظمة لبث ونشر تغريدات، وتصريحات، وصور زائفة منسوبة إلى شخصيات لها علاقة بالأزمة تعبر عن هذا الموقف أو ذاك، والقصد منها إغراق الميدان السياسي بالفوضى، ودفع الحل باتجاه معيّن أو ترويج حالة محدّدة، ومن بين ما ظهر على مواقع التواصل، تغريدة منسوبة لترامب يلغي فيها مهمة مبعوثه إلى بغداد مارك سافايا قبل أن تبدأ، وأخرى بتكليف توم برّاك بالمهمّة بدلاً منه، وثالثة من سافايا ينفي فيها أنه أقصي عن عمله، وأخرى من ترامب يهدّد فيها بـ”استضافة” نوري المالكي في الولايات المتحدة، على النحو الذي حدث في موقعة كاراكاس، وتقرير عن فضيحة مالية تتعلق بسافايا، وآخر عن شخصيات سياسية شملتها عقوبات وزارة الخزانة الأميركية، إلى عشرات التغريدات والصور والشائعات المفبركة التي انكشف زيفها، لكنها ظلت تلعب في عقول من يتمنّاها أن تكون حقيقة، كما ساهمت في “شيطنة” شخصيات سياسية وإعلامية، ودفعتها إلى الإعلان عن مواقف جديدة، أو الانقلاب على مواقف سابقة لها من قضايا معينة.
جعل هذا كله المتلقي رهينة حساباتٍ وتداعياتٍ متناقضة ومضلّلة، لا يمكنه معها الوصول إلى الحقيقة الكاملة، خصوصاً أننا، في الحالة العراقية الراهنة، لم نجد في القنوات الرسمية أو من الجهات الأخرى ذات العلاقة ما يوضح أو يؤكد أو ينفي، ودعك عن تجاهلها مثل تلك الطروحات الزائفة، بل إنها أحيانا تبدو وكأنها تتبناها وتروجها على حساب الحقيقة، وهذا يعيدنا إلى حقيقة أن الإعلام الرسمي في بلد مثل العراق لم يعد فاعلاً إيجابيّاً في المجتمع إلى درجة أن متلقين كثيرين انصرفوا عن متابعة ما يطرح على مواقع التواصل من أخبار كهذه أو صور زائفة تخصّ بلادهم، وباتوا يبحثون عن حقائق الأمور عبر ما تنقله صحف تمتلك قدراً من الموثوقية، أو ما تبثّه محطات عالمية رصينة، أو ما يرصده خبراء معروفون بمنهيّتهم وحياديتهم، وتلك مسألة ينبغي أن تأخذ نصيبها من الاهتمام لدى من بيدهم الأمر والنهي.
المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى