مسلسل ترامب الإيراني الطويل

بسام مقداد

تتوالى حلقات مسلسل ترامب الإيراني منذ أواخر الشهر المنصرم، وينتهي الشهر الجاري ولا تزال تتوالى الحلقات. ويزداد التشويق مع كل حلقة جديدة، بانتظار الحلقة الأخيرة. الحلقات الأولى من مسلسل “تلفزين الواقع” هذا، تولى دور القاتل فيها ملالي إيران، وكانت مشاهدها دموية للغاية. حتى أن مجلة تايم الأميركية وضعت في صدر عددها الصادر في 25 الجاري، واستناداً إلى مصادر طبية من داخل إيران، أن عدد ضحايا قمع الملالي الوحشي للمحتجين الإيرانيين قد يتخطى 30 ألف قتيل. والملفت أن وحشية الملالي “استثارت” مشاعر ترامب، ووجد الفرصة سانحة للانخراط بالمسلسل ولعب دور الشرطي الذي يلاحق القاتل. والحق، أن الرجل كان يتحين هذه الفرصة منذ حزيران/يونيو المنصرم، حيث كان دوره قصيراً للغاية، لكنه يصفه بنفسه بأنه كان شديد الفعالية في وقعه على المشاهدين.
ليس من مشاهدين للمسلسل في الشرق الأوسط. فأبناء المنطقة يقومون بدور الكومبارس في المسلسل الذي يصنف بأنه من نوع سينما “الواقعية القاتلة”. فأحداثه وتطوراته تشكل تفاصيل يومياتهم، ويحبسون أنفاسهم لمعرفة ما ستؤول إليه حياتهم في نهايته، حين سينجلي مصير نظام الملالي.

في حلقات حزيران/يونيو الماضي، انتزع ترامب دور البطولة من نتنياهو في الحلقة الأخيرة، ولم يسمح له بالمسلسل الحالي سوى بدور ثانوي. حتى أوروبا التي حاولت بالأمس أن تلعب دوراً بارزاً في المسلسل بواسطة تثبيت صفة الإرهابي على الحرس الثوري، أقرت بنفسها بأن خطوتها قليلة الفعالية في الواقع. فقد رأت وكالة الأنباء الألمانية dpa أن الخطوة محدودة الأهمية العملية، إذ أن الحرس الثوري يخضع للعقوبات الاوروبية منذ أكثر من 10 سنوات، حسب موقع detaly الإسرائيلي الناطق بالروسية في 29 الجاري.
يجدر الاعتراف بمهنية ترامب في تنفيذ دوره في المسلسل، وهو البارع في مشاهد العلاقات العامة. فقد جعل من كل كلمة يقولها وكل خطوة يقوم بها حلقة قائمة بذاتها. وتتشكل الحلقة التالية بمجرد أن يبدل أي حرف أو يضيف أي تفصيل. ويتولى الإعلام بثها على الفور، بحيث أن الحلقات تتواصل على مدار الساعة، ولا تنتظر وقتاً محدداً لبثها. وهو لا يسمح للملالي -شركائه في المسلسل- أن يتقدموا عليه، بل يجعلهم صدى يرتفع مع ارتفاع لهجة تصريحاته، وينخفض مع انخفاضها.

منذ متى والعالم يسمع بأن البنتاغون والبيت الأبيض قد أعدوا لترامب خططاً لتنفيذ السيناريو الذي يختاره: من الحرب الشاملة لإسقاط نظام الملالي، إلى الضربات المنفردة على مسؤوليه وقيادات الحرس الثوري، إلى السيناريوهات المؤدية لمفاوضات توقيع الملالي على استسلامهم. وفي كل مرة كان يترافق الإعلان عن ذلك بتصريح لترمب يختلف عن سابقه بارتفاع اللهجة أو لانخفاضها، ويليه بالضرورة رد فعل الملالي ومسؤوليهم. ولتعدد السيناريوهات والأهداف، وكثرة المرات التي أعلن عنها لدى تبدل تفصيل ما، لا يتمكن المحللون من وضع توقع واحد بشأن ما سيحدث بالضبط ومتى. ومعظم المحللين والكتاب السياسيين، ولعجزهم عن توقع سيناريو واحد لتحقيق هدف وقع اختيار ترامب عليه، يضع بعضهم سيناريوهات متعددة لتحقيق أهداف معينة. ويستغرق البعض في تفاصيل مخاطر كل سيناريو ومدى واقعيته، وآثاره على أمن المنطقة وتطورها اللاحق.
آخر إعلان عن قائمة السيناريوهات المقدمة لترامب لتحقيق ما يقع عليه اختياره من هدف أو أهداف، كان أمس الجمعة. وجديد الصيغة المعلنة، أن قائمة السيناريوهات تضمنت اشتراك العسكريين الأميركيين في عمليات على الأراضي الإيرانية، حسب وكالة الأنباء الإسرائيلية الناطقة بالروسية  cursor في 30 الجاري.

نقلت الوكالة عن صحيفة نيويورك تايمز قولها إن واشنطن تدرس عدة سيناريوهات تتعلق بالخطوات العسكرية المحتملة في إيران، وقد يكون أحدها غير متوقع. ووفقاً لمصادر أميركية، فإن هذه السيناريوهات من شأنها أن تتسبب في مزيد من الضرر للبنية التحتية النووية والصاروخية لإيران، فضلاً عن زيادة الضغط على المرشد علي خامنئي. ومن بين الخيارات المطروحة للنقاش عملياتٌ تشمل قواتٍ أميركيةً على الأراضي الإيرانية. ومع ذلك، لم يُتخذ قرارٌ نهائيٌّ بشأن استخدام القوة بعد، إذ يواصل البيت الأبيض تقييم المخاطر والتبعات.
تشير مصادر الصحيفة الأميركية إلى أن استراتيجية ترامب الحالية تعتمد إلى حد كبير النمط الذي سبق استخدامه ضد فنزويلا. إذ تعمل واشنطن على تعزيز وجودها العسكري في المنطقة وتصعيد خطابها ضد القيادة الإيرانية، ما يضعها فعلياً أمام خيارين: إما الامتثال للمطالب الأميركية أو تصعيد الصراع.

مواقع الإعلام الروسية التي تدور جميعها تقريباً في محيط الكرملين، تتعاطف بالطبع مع إيران، وتأخذ على محمل الجد التهديدات الإيرانية، وتعتبرها عقبات فعلية وجدية بوجه السيناريوهات العسكرية الأميركية.  فقد نشر في 28 الجاري موقع vfokuse الروسي الإقليمي نصاً نقل فيه عن مستشرق روسي تساؤله عما يعني تذكير ترامب للإيرانين بحاملة الطائرات والأسطول المرافق لها.
نقل المستشرق فاسيلي .. عن نيويورك تايمز قولها إن ترامب وصف الواقع حول إيران بأنه “في وضع معلق”. وفي إطار حديثه عن الرد الإيراني وتحديه للتصعيد الأميركي، أشار إلى ملصق احتجاجي ظهر يوم الأحد في ساحة “إنقلاب” بطهران، واعتبر بأنه كان رمزاً بصرياً للتصعيد. يصور الملصق حاملة طائرات محترقة، مصممة على شكل العلم الأميركي، مع تحذير باللغتين الفارسية والإنجليزية: “من يزرع الريح يحصد العاصفة”.
نقل المستشرق عن الخبير بالشؤون الإيرانية داني سيترينوفيتش قوله لصحيفة جيوزاليم بوست إن واشنطن، وبدلاً من اللجوء إلى “هجوم عسكري مباشر”، ستختار على الأرجح فرض حصار بحري شامل على إيران. ويتيح هذا السيناريو ممارسة أقصى قدر من الضغط على طهران مع تجنب خطر تصعيد فوري وغير متوقع للصراع. وقد جاء تصريح الخبير بعد حديث ترامب عن الأسطول الأميركي المحتشد بالقرب من إيران.

موقع الخدمة الروسية في BBC نشر في 29 الجاري نصاً تحدث فيه عن 7 سيناريوهات محتملة لما ستقوم به الولايات المتحدة، وما سيسفر عنه تنفيذ كل منها بالنسبة للنظام وتطور إيران اللاحق.
السيناريو الأول: توجيه ضربات دقيقة لأهداف محددة، خسائر مدنية ضئيلة، انتقال إلى الديمقراطية. يصف الموقع هذا السيناريو بأنه متفائل للغاية، إذ لم يُفضِ التدخل العسكري الغربي في العراق وليبيا إلى انتقال سلس نحو الديمقراطية.
السيناريو الثاني: يبقى النظام، لكنه ينتهج سياسة أكثر اعتدالاً. ويمكن وصفه بـ”السيناريو الفنزولي”. لكن الإبقاء على الجمهورية الإسلامية لن يرضي شريحة كبيرة من المجتمع الإيراني. وهو بين السيناريوهات الأقل احتمالاً.
السيناريو الثالث: يسقط النظام وتنتقل السلطة إلى العسكريين. ويعتبره كثيرون السيناريو الأكثر احتمالاً بين تلك المتوقعة. إذ على الرغم من أن النظام غير شعبي بشكل واضح لدى شريحة كبيرة من السكان، وأن كل موجة جديدة من الاحتجاجات على مر السنين قد أضعفته أكثر، إلا أن البلاد لا تزال تمتلك “دولة عميقة” أمنية واسعة النطاق ومتغلغلة ولها مصلحة مباشرة في الحفاظ على الوضع الراهن.
السيناريو الرابع: ترد إيران بمهاجمة القوات الأميركية والدول المجاورة. إيران تتعهد بالرد على أي هجوم أميركي، وتقول بأن “الإصبع على الزناد بالفعل”.
السيناريو الخامس: إيران تلغم الخليج. هذا التهديد للملاحة العالمية قائم منذ الحرب الإيرانية العراقية.
السيناريو السادس: إيران ترد بإغراق سفينة حربية أميركية. ومن شأن هذا السيناريو أن يشكل إهانة هائلة للولايات المتحدة.
السيناريو السابع: سقوط النظام وانتشار الفوضى التي تعقبه.

المصدر: المدن

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى