في نهاية دور “قسد” الوظيفي

بشار نرش

ينطلق التحليل السياسي الرصين من مقاربة موضوعية للأحداث والظواهر، تقوم على تفكيكها في سياقاتها الزمنية والبنيوية، بعيداً عن التحيّزات الأيديولوجية والمصالح الذاتية والقراءات الانفعالية. وضمن هذا الإطار المنهجي، يبرُز المشهد السوري بعد إسقاط نظام الأسد في ديسمبر/ كانون الأول 2024 بوصفه حالة نموذجية لتحوّلات عميقة لم تقتصر على بنية السلطة في دمشق، بل امتدّت إلى إعادة توزيع مراكز النفوذ والقوة في مختلف الجغرافيا السورية، سيما في مناطق شمال شرقي سورية التي شكّلت طوال سنوات الثورة السورية ساحة نفوذ رئيسة لقوات سوريا الديمقراطية (قسد).
وعلى الرغم من أنّ هذه التحولات تأتي اليوم في سياق مشهد سوري بالغ التعقيد، يختزن في داخله تداخلات السياسة والجغرافيا والتاريخ، وتشابكات الهويات والأيديولوجيات، فضلاً عن تقاطع المصالح الإقليمية والدولية، إلا أنّ هذا التعقيد لا يلغي حقيقة أنّ قواعد اللعبة السياسية في سورية آخذة في التغيّر جذرياً، فالمعادلة التي حكمت شمال شرقي سورية في سنوات الثورة السورية، والتي كانت قائمة على دور أمني – عسكري وظيفي لـ”قسد” ضمن ترتيبات دولية مرتبطة بمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، لم تعد تجد البيئة الاستراتيجية نفسها التي سمحت باستمرارها قرابة عشر سنوات، فتراجع أولوية مكافحة الإرهاب في سورية، والتي شكّلت العنوان الرئيس الناظم لانخراط التحالف الدولي في سورية، بالتوازي مع صعود مسار إعادة بناء الدولة السورية ومؤسّساتها يدفع باتجاه إعادة تعريف أدوار الفاعلين المحليين في سورية ضمن إطار سيادي مركزي، لا يحتمل ازدواجيات السلطة ولا صيغ الحكم الرمادي.
ومن هذا المنظور تحديداً، لا يمكن مقاربة التحولات الجارية في سورية اليوم بمنطق التمنّي أو الاصطفاف، بل بوصفها مساراً سياسياً جديداً يُعيد تشكيل خرائط النفوذ والسلطة ومعادلات القوة على امتداد الجغرافيا السورية، ويُظهر، في الوقت نفسه، أن “قسد” لم تعد تواجه أزمة تكتيكية عابرة أو تعثراً تفاوضياً مؤقتاً، بل تقف أمام نهاية دور وظيفي تشكّل أساساً في سياق الحرب على “داعش”، وبذلك انتهت صلاحياتها مع تغيّر أولويات الفاعلين المحليين والإقليميين والدوليين وصعود الدولة السورية الجديدة بوصفها المرجعية الوحيدة للسيادة. وهذا ما تؤشّر إليه التطورات أخيراً، سيّما الاتفاقيات الموقعة في مارس/ آذار 2025 ويناير/ كانون الثاني 2026 ما بين الإدارة السورية الجديدة و”قسد”، والتي تدلل إلى أنّ المسار السوري الجديد يقوم على مبدأ واضح، وهو لا مكان لأي قوة مسلحة أو كيان سياسي انفصالي خارج الدولة السورية ومرجعيتها السيادية.
تبدو التحولات الجارية أقرب إلى إعادة فرز نهائي للأدوار داخل المشهد السوري، وفق منطق الدولة لا منطق الوظائف المؤقتة
لم تكن هذه الإشكالية الأساسية التي تواجهها “قسد” اليوم نتيجة الضغوط الخارجية فقط، بل ترجع، في جزء أساسي منها، إلى عجز “قسد” عن قراءة واقعية للمتغيرات الداخلية والإقليمية. وكما يُقال “الجهل بالسياسة يُترجم بقرارات خاطئة”، فقد تجاهلت “قسد” مؤشّرات عديدة على تراجع الغطاء الدولي، وامتنعت عن تنفيذ التزاماتها الواردة في الاتفاقيات الموقعة، وواصلت خطاباً تصعيدياً ودعوات إلى النفير العام في لحظةٍ كانت فيها موازين القوى تميل بوضوح إلى مصلحة الدولة السورية. فسلوكها هذا أدّى إلى تعميق عزلتها وإضعاف موقعها التفاوضي، وتسريع انتقال أوراق القوة إلى الدولة السورية، وفتح المجال أمام قوى كردية سورية معتدلة، تمتلك قابلية الاندماج المؤسّسي والاشتغال السياسي ضمن الأطر الوطنية بعيداً عن السلاح والارتهان الخارجي، وهو ما يضع “قسد” اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما، فإمّا الاندماج الكامل ضمن مؤسّسات الدولة السورية الجديدة، أو الخروج التدريجي من المشهد.
مع التأكيد هنا أنّ نهاية الدور الوظيفي لـ”قسد” وخروجها من المشهد السوري لا يعني نهاية الحضور الكردي في سورية، بل على العكس، قد يُشكّل هذا الخروج فرصة لإعادة صياغة الحضور الكردي على أسس وطنية أكثر صلابة، خصوصاً أنّ الدولة السورية الجديدة تسعى إلى ترميم شرعيتها الداخلية والخارجية، وباتت مضطرّة إلى معالجة ملف الحقوق السياسية والثقافية للكرد ضمن أطر المواطنة المتساوية، وهو ما لم يكن ممكناً في ظل هيمنة نظام الأسد البائد أو منطق الميلشيات المسلحة.
نهاية الدور الوظيفي لـ”قسد” وخروجها من المشهد السوري لا يعني نهاية الحضور الكردي في سورية
خلاصة القول، لا يمكن في أي حال اقتطاع مشهد واحد من الصورة السورية الكلية لبناء رأي منطقي يفضي إلى خلاصات نهائية. ومع ذلك، يبرز تساؤل يتجاوز اللحظة السياسية الراهنة إلى عمق التجربة التاريخية للكرد في سورية، وهو ألم يحن الوقت بعد ليتعلّم الكرد من تجارب الماضي، ويظهروا أنّهم استفادوا من أخطاء العقود الماضية؟ أم أنّ الأيادي المرتعشة لا يمكنها أن تصنع التاريخ؟
وعليه، ما تواجهه “قسد” اليوم، في جوهره، نتيجة تراكم أخطاء في التقدير السياسي، وسوء قراءة للتحولات الإقليمية والدولية، وإصرار على ممارسة سياسة الصم السياسي أكثر مما هو مؤامرة أو انقلاب مفاجئ في المواقف. ومن هذه الزاوية، تبدو التحولات الجارية أقرب إلى إعادة فرز نهائي للأدوار داخل المشهد السوري، وفق منطق الدولة لا منطق الوظائف المؤقتة.

المصدر: العربي الجديد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى