
لم تكن الجزيرة السورية، في أيِّ مرحلة من تاريخها الحديث، مساحة صراع طبيعي بين مكوِّناتها الاجتماعية، بقدر ما كانت فضاءً متنوعاً أُجبر على حمل تناقضات لم يصنعها بنفسه، فالتعدّد القومي والديني والعشائري الذي ميَّز هذه المنطقة نشأ نتيجة لتاريخ طويل من التداخل الاجتماعي، والعمل المشترك، وأنماط العيش المتجاورة التي فرضتها الحضارات المتعاقبة وتلاقي الثقافات والجغرافيا والاقتصاد والعلاقات اليومية.
غير أنَّ هذا التنوُّع، بدل أن تتمَّ إدارته بوصفه رافعة اجتماعية وثقافية قادرة على إنتاج مجتمع غني ومتوازن، جرى التعامل معه، من قبل نظام الأسد، كعامل يجب تحييده والسيطرة عليه.
وهكذا، لم يُبنَ الاستقرار على الاندماج والثقة، إنَّما بني على التفريق والضبط وإعادة إنتاج الشكوك، فكان الإرث الأثقل الذي خلَّفه النظام البائد في الجزيرة السورية سياسياً وأمنياً، كما كان قبل ذلك وبعده إرثاً اجتماعياً عميقاً ما تزال انعكاساته حاضرة في الوعي الجمعي وفي طبيعة العلاقات بين الناس.
أولاً- إدارة التنوُّع بوصفه أداة سلطة
تعامل نظام الأسد مع الجزيرة السورية بعقلية السيطرة الوقائية، فغلب هاجس الضبط الأمني والتحكم السياسي على أيِّ توجه حقيقي نحو الشراكة أو الدمج الوطني، ما جعل العلاقة قائمة على الحذر والإقصاء أكثر من كونها علاقة اندماج وتنمية متوازنة، إذ تعامل النظام مع المجتمع على أنَّه مجموعة مكوِّنات ينبغي تفكيكها إلى وحدات وكيانات منفصلة، تدار كل واحدة منها على حدة، وتضبط ضمن توازنات دقيقة.
غابت المواطنة، وحلَّ محلها منطق الولاء المشروط، ولم يعد الفرد يشعر أنَّ حقوقه نابعة من كونه مواطناً، إنَّما من موقعه داخل شبكة علاقات غير متكافئة مع السلطة، ممَّا أفرغ الدولة من معناها الاجتماعي..
بهذه الطريقة، لم يكن الهدف تقليص التناقضات الاجتماعية أو احتواؤها، بل إبقاؤها في حالة كمون دائم، بحيث يمكن استدعاؤها عند الحاجة. كما جرى تسييس الاختلافات من خلال سياسات هادئة غير صدامية، وذلك بواسطة خلق تفاوت في التنمية، وتمييز غير معلن في الإدارة، وغياب العدالة في توزيع الفرص، وترك النزاعات المحلية بلا حلول حقيقية.
ومع مرور الوقت، تحوَّلت هذه السياسات إلى ذاكرة اجتماعية مثقلة بالشك، يصعب معها فصل ما هو حقيقي عمَّا هو مصطنع، وتمَّ ممارسة هذه السياسات بوصفها نهجاً مستمراً تراكم عبر سنوات طويلة، حتى أصبح جزءاً غير مرئي من طريقة إدارة المجتمع والعلاقات داخله.
في هذا السياق، غابت المواطنة، وحلَّ محلها منطق الولاء المشروط، ولم يعد الفرد يشعر أنَّ حقوقه نابعة من كونه مواطناً، إنَّما من موقعه داخل شبكة علاقات غير متكافئة مع السلطة، ممَّا أفرغ الدولة من معناها الاجتماعي، وحوَّلها من إطار جامع إلى جهاز ضبط، في حين أصبحت السلطة هي الضامن الوحيد للاستقرار.
هذا النمط من الحكم عمَّق الخوف بوصفه أداة أساسية، أي الخوف من الآخر، والخوف من فقدان الامتيازات القليلة، والخوف من أيِّ تغيير قد يخلُّ بهذا التوازن الهش، ومع الزمن، لم يعد الخوف حالة عابرة، إذ تحول إلى جزء من البنية النفسية والاجتماعية للحياة اليومية.
ثانياً- نتائج الإرث الاجتماعي في الحاضر
إنَّ الهشاشة التي تظهر اليوم في العلاقات الاجتماعية في الجزيرة السورية، وصعوبة بناء الثقة بين المكونات، وسرعة الانقسام عند كلِّ أزمة أو تحوُّل، لا يمكن قراءتها بوصفها ظواهر طارئة أو ناتجة عن أحداث السنوات الأخيرة فقط. إذ جاءت هذه السلوكيات نتيجة لتراكم طويل لسياسات هدفت، بشكل مباشر أو غير مباشر، إلى منع المجتمع من تطوير آليات ذاتية لإدارة خلافاته وحلِّ توتراته.
فالمجتمع الذي حرم لعقود من إدارة شؤونه بنفسه، تعلَّم الحذر بدل المبادرة، والانكفاء بدل الثقة، وانتظار تدخُّل السلطة بدل بناء التوافقات الداخلية.
ومع الزمن، انعكس ذلك في تفاصيل الحياة اليومية، من طريقة التعامل مع الخلافات المحلية، إلى سرعة الشك، وتضخيم المخاوف، وقراءة كلِّ اختلاف بوصفه تهديداً محتملاً. هذه السمات المكتسبة ليست سمات فطرية في المجتمع، إنِّما سلوكيات تشكَّلت تحت ضغط طويل، وتمَّ إعادة إنتاجها حتى بدت وكأنَّها جزء من الواقع الطبيعي.
ومع ذلك، ورغم ثقل هذا الإرث، لم ينهَر المجتمع في الجزيرة السورية، ولم يتحوَّل إلى كتل متصارعة مغلقة، فما زالت الروابط اليومية قائمة، وما زال التداخل الاجتماعي والاقتصادي حاضراً، وما زالت الحياة، في تفاصيلها الصغيرة، أقوى من مشاريع التفكيك الكبرى.
الاستقرار الحقيقي لا يبنى بتغيير الواجهات أو إعادة إنتاج منطق الضبط القديم بأدوات جديدة، إنَّما يكون بتجاوز إدارة الانقسام والانتقال إلى إدارة التنوُّع بوصفه أساساً للعدالة والشراكة.
هذا التماسك الصامت، الذي لا يظهر في الخطابات ولا في الصراعات العلنية، يكشف أنَّ الانقسام كان بناءً سياسياً واجتماعياً قابلاً للتفكيك متى توفرت الإرادة والوعي، غير أنَّ هذا التفكيك لا يتم تلقائياً بزوال سلطة أو تبدُّل موازين قوى، إذ يحتاج إلى مقاربة طويلة النفس، تعترف بعمق الضرر، وتعمل على إعادة بناء الثقة تدريجياً، وتتعامل مع المجتمع بوصفه شريكاً أساسياً في إنتاج الاستقرار وصياغة المستقبل.
ختاماً، مع الحديث عن مرحلة جديدة في سوريا، تبرز مسؤولية تفكيك الإرث الاجتماعي الثقيل الذي خلَّفه نظام الأسد، ولا سيما في الجزيرة السورية، فالاستقرار الحقيقي لا يبنى بتغيير الواجهات أو إعادة إنتاج منطق الضبط القديم بأدوات جديدة، إنَّما يكون بتجاوز إدارة الانقسام والانتقال إلى إدارة التنوُّع بوصفه أساساً للعدالة والشراكة.
إنَّ طيَّ هذا الإرث يتمُّ من خلال الاعتراف به ومعالجته عبر إعادة الاعتبار للمواطنة، وبناء مؤسسات عادلة، وفتح فضاء عام يستعيد فيه المجتمع ثقته بنفسه وبالآخرين، فتحويل التنوُّع إلى عنصر قوة يتطلَّب دولة لا تنظر إلى مجتمعها كمصدر تهديد، ولا تقوم شرعيتها على الخوف، إذ عليها أن تعتمد إطاراً قانونياً عادلاً لإدارة الاختلاف، ممَّا يفتح مساراً جديداً للجزيرة السورية يقوم على العدالة والمواطنة والعيش المشترك الفعلي.
المصدر: تلفزيون سوريا






