تصعيد في دير حافر بريف حلب وسباق بين المواجهة والحوار

أعلن الجيش السوري فتح ممر إنساني من ريف حلب الشرقي باتجاه مدينة حلب، في ظل تصعيد عسكري متسارع تشهده منطقة دير حافر ومحيط مسكنة، بعد إعلانها منطقة عسكرية مغلقة ودفع تعزيزات جديدة إليها.
وقال بيان لهيئة العمليات في الجيش السوري إن الممر الإنساني يمر عبر قرية حميمه على طريق “أم 15” الواصل بين دير حافر ومدينة حلب، ودعا المدنيين إلى الابتعاد عن مواقع قوات سوريا الديمقراطية وحزب العمال الكردستاني المحظور في تركيا، محذرًا من إجراءات عسكرية ضد أي تهديد يمس أمن المنطقة.
دير حافر بعد الشيخ مقصود والأشرفية
شهد ريف حلب الشرقي تحشيدًا عسكريًا متبادلًا بين الجيش السوري وقوات سوريا الديمقراطية، تزامن مع اتهامات متبادلة باستخدام المدفعية والطائرات المسيّرة.
وأعلن الجيش إحباط محاولة لقوات سوريا الديمقراطية تلغيم وتفجير الجسر الواصل بين قريتي رسم الإمام ورسم الكرو، في وقت تحدثت مصادر ميدانية عن وصول تعزيزات للجيش من الساحل ومن محور البادية، في خطوة تهدف إلى تطويق المنطقة من أكثر من اتجاه.
جاء التصعيد بعد أيام من إخراج آخر مقاتلي قوات سوريا الديمقراطية من حيي الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب، ما أعاد الأنظار إلى ريف حلب الشرقي باعتباره ساحة التوتر التالية. ويرى محللون أن دير حافر ومسكنة تمثلان عقدة ميدانية حساسة، كونها مناطق ذات غالبية عربية، وتربط بين حلب والرقة، وتُستخدم كورقة ضغط في أي مفاوضات مستقبلية.
وقال الأكاديمي والباحث سمير العبد الله ضمن برنامج “سوريا اليوم” الذي يبثه تلفزيون سوريا، إن الجيش السوري لم يتخذ قرارًا نهائيًا ببدء عملية عسكرية واسعة حتى الآن، موضحًا أن فتح الممر الإنساني يمنح المدنيين مهلة للخروج ويؤشر إلى رغبة بتقليل الخسائر البشرية.
وأضاف في لقاء ضمن برنامج سوريا اليوم الذي يبثه تلفزيون سوريا، أن القوات الحكومية باتت في وضع ميداني متقدم، خاصة من الجبهة الجنوبية عبر البادية، معتبرًا أن المنطقة “ساقطة عسكريًا” في حال اندلاع المواجهة، لكن الحكومة تفضّل الضغط التدريجي لدفع قوات سوريا الديمقراطية إلى الانسحاب.
موقف أميركي يدعو إلى التهدئة
برز الموقف الأميركي كعامل مؤثر في مسار التصعيد، إذ دعت القيادة المركزية الأميركية جميع الأطراف إلى ضبط النفس والعودة إلى طاولة المفاوضات.
ونقلت صحيفة “ذا ناشونال” عن مصادر كردية أن واشنطن أبلغت القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية، مظلوم عبدي بضرورة تسليم الأحياء التي تسيطر عليها قواته في مدينة حلب، ووقف أي مواجهة مع الحكومة السورية، في إطار مساعٍ أوسع للحفاظ على الاستقرار.
كما أشارت الصحيفة إلى أن الإدارة الأميركية قد تعيد النظر في دعمها لقوات سوريا الديمقراطية، في ظل تقاطع مصالح مع سوريا وتركيا، سواء في مكافحة الإرهاب أو في ملفات إقليمية أوسع.
في المقابل، حمّلت مسؤولة العلاقات الخارجية في الإدارة الذاتية إلهام أحمد دمشق مسؤولية عدم تنفيذ اتفاق 10 آذار، مؤكدة أن الإدارة الذاتية ما تزال تؤيد الحوار واستمرار المفاوضات.
وحذّرت من أن التصعيد العسكري يشكل خطرًا على سوريا والمنطقة، وقد يفتح الباب أمام تدخلات خارجية أوسع، مطالبة الولايات المتحدة بتوضيح موقفها من الحكومة السورية.
جدل حول المسار السياسي والخطاب التحريضي
أثار النقاش حول دير حافر جدلًا أوسع بشأن المسار السياسي في سوريا، حيث اعتبر الكاتب والمحلل السياسي شيفان إبراهيم أن التركيز على الحلول العسكرية يعمّق الانقسام، ويفشل في بناء سردية وطنية جامعة.
ودعا إبراهيم إلى وقف الخطاب التحريضي والعودة إلى حوار سياسي شامل، محذرًا من مخاطر الانزلاق نحو صراع داخلي أوسع، في ظل غياب ضمانات دستورية تحمي حقوق جميع المكونات.
وقال إبراهيم إن المطلوب اليوم هو بناء إجراءات ثقة، مثل انسحاب “قسد” من دير حافر، ووقف التحريض الإعلامي، وإعادة الاعتبار لفكرة الحوار الوطني. لكنه أكد أن ذلك لا يمكن أن يتم دون تغيير حقيقي في الخطاب والممارسة من جميع الأطراف، وخصوصًا في ما يتعلق بتقاسم السلطة والثروة وضمان الحريات.
في المقابل، شدد العبد الله على ضرورة الفصل بين قوات سوريا الديمقراطية والمكونات الكردية، معتبرًا أن الصراع الحالي يدور مع “سلطة أمر واقع” وليس مع مكون اجتماعي، داعيًا النخب السياسية إلى الضغط على قوات سوريا الديمقراطية لتقديم تنازلات حقيقية.
تركيا لاعب حاضر في المشهد وسيناريوهات مفتوحة
برز الدور التركي بوضوح في خلفية التصعيد، سواء عبر تحركات ميدانية بطائرات مسيّرة أو عبر قنوات سياسية ودبلوماسية. ويرى مراقبون أن أنقرة تسعى إلى إنهاء وجود قوات سوريا الديمقراطية غرب الفرات، لضمان استقرار حلب وفتح الباب أمام مشاريع اقتصادية، بالتوازي مع ضغوط أميركية لاحتواء التصعيد والعودة إلى مسار التفاوض.
حتى اللحظة، تبقى دير حافر أمام سيناريوهين: انسحاب لقوات سوريا الديمقراطية يفتح الباب أمام التهدئة وتنفيذ اتفاق آذار، أو مواجهة عسكرية قد تفرض واقعًا جديدًا في ريف حلب الشرقي.

وقال العبد الله إن المسيرات التركية نفذت عمليات في محيط دير حافر ومناطق مسكنة خلال الأيام الأخيرة، واستهدفت عناصر من “قسد” أثناء محاولتهم نقل معدات من معمل السكر. وأكد أن أنقرة تسعى إلى إنهاء وجود “قسد” غرب الفرات، لضمان استقرار مدينة حلب، وفتح المجال أمام مشاريع اقتصادية.
وأضاف أن هناك تنسيقًا سياسيًا بين الولايات المتحدة وتركيا في هذا الملف، وأن واشنطن تعمل على إقناع أنقرة بعدم الدفع نحو معركة شاملة مقابل ترتيبات سياسية تشمل شرق الفرات.
في انتظار الساعات الحاسمة
في ختام النقاش، اعتبر الدكتور سمير العبد الله أن الحشود العسكرية باتت جاهزة، وأن المنطقة مهيأة ميدانيًا لانطلاق معركة، إذا لم تنسحب قوات سوريا الديمقراطية. لكنه أشار إلى ضغوط دولية مكثفة تحاول تجنيب المدنيين تداعيات مواجهة مفتوحة.
وأكد أن القوات الحكومية تحاول استخدام الضغط التدريجي، وليس المواجهة المباشرة، لكنها ستضطر للتصعيد إذا لم تتجاوب “قسد” مع المطالب بالانسحاب.
من جهته، رأى إبراهيم أن الحوار لا يزال ممكنًا، لكنه يحتاج إلى إرادة حقيقية من الطرفين، ومقاربة قائمة على الشراكة لا الإقصاء. ودعا إلى الفصل بين الملفات الإنسانية والعسكرية والسياسية، خاصة في ما يتعلق بعودة المهجرين ووقف الانتهاكات.

المصدر: تلفزيون سوريا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى