نوري المالكي القوي

أرنست خوري

قلّما عرف موضوعٌ اجتهادات وتفسيرات وتحليلات في فترة قصيرة مثل تنازل رئيس الحكومة العراقية، الفائز الأول في انتخابات نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، محمد شيّاع السوداني (47 مقعداً)، للفائز الثاني زعيم “ائتلاف دولة القانون” نوري المالكي (30 مقعداً) عن مهمة تأليف حكومة. صحيحٌ أن الانقلاب على نتائج الانتخابات تقليدٌ في العراق بنسخته الإيرانية أرساه المالكي بإطاحته إياد علاوي الفائز الأول في انتخابات 2010 (91 مقعداً آنذاك)، إلا أنّ الزمن الإيراني آخذ في الأفول، وواشنطن ترفض أي حكومةٍ عراقيةٍ فيها نفوذ لطهران، فكيف الحال برئيس حكومة “إيراني” سياسياً بوزن المالكي. والسوداني ليس ناشطاً ضد مليشيات الجمهورية الإسلامية العابرة للحدود، فهو كان حتى الأمس القريب قيادياً في حزب المالكي، الدعوة الإسلامية، الحزب العراقي الأكثر عراقةً في ارتباطه بولاية الفقيه وبالحكم الخميني، قبل أن ينشقّ عنه ويشكل “تيار الفراتين” وقد وصل على جناحه إلى رئاسة الوزراء بنائبين اثنين فقط في انتخابات 2021. لكن السوداني تمكن من حصر الضرر خلال ولايته الحكومية عبر الحفاظ على توازن مستحيل أن يدوم بين النفوذين، الأميركي والإيراني، في أصعب ظرف ينهار فيه حلفاء إيران ويتآكل نظامها في عقر داره.
ومحمد شيّاع السوداني غير زاهد بالسلطة على حدّ علمنا، ولم تُسمع منه كلمة توحي بتعبه من السياسة وبنيته اعتزالها بعد ولاية حكومية واحدة، مع أنّ خياراً كهذا قد يكون عين العقل في عراقٍ يعيش زمن تداعيات انهيار الإمبراطورية على حدوده الشرقية وصعود أميركا وإسرائيل ناظمتين وحيدتين لكل شأنٍ في المشرق العربي. والسوداني ابن البلد، يعرف أنّ نوري المالكي مصيبة متنقلة. مصيبة فساد، ومصيبة تواطؤ في خراب الموصل وتمدد “داعش” ومتّهم بالتسبب في مجزرة سبايكر، ورمز تحويل البلد إلى ساحة إيرانية لاستعراض النفوذ. يعرف السوداني على الأرجح أنّ في طرح اسم المالكي ليعود مرة ثالثة إلى رئاسة الحكومة تهديداً باندلاع حرب أهلية شيعية سبق أن عرفها العراق عام 2008 بين القوات الحكومية و”جيش المهدي” لصاحبه المعتزل والمعتكف مقتدى الصدر الذي لا يعلم إلا الله ماذا يريد فعلاً. هل تنازُل السوداني للمالكي إذاً حركة حكيمة من الأول لحرق الثاني سياسياً، فتعود الكرة بتأييدٍ جارفٍ إلى رئيس الحكومة المنتهية ولايته؟ ربما. أم نصدق النائب السابق عن ائتلاف “دولة القانون” جاسم محمد جعفر الذي عزا قرار السوداني إلى رغبته في تولي وزارة الخارجية، في مرحلة ستكون هذه الحقيبة أهم مما عداها من مناصب؟ أيضاً ربما. لكن الأكيد أن لا مكان للمزاح في تبرير فراس المسلماوي، المتحدث باسم ائتلاف “الإعمار والتنمية” الذي يتزّعمه السوداني، التنازل للمالكي بأن معسكره قرّر “دعم شخصية قوية”.
إنها القوة إذاً، الصفة المفضّلة عند دونالد ترامب الذي يقيس فيها “حبّه” للمسؤولين أو احتقاره لهم. يقول إنه “يحب” أحمد الشرع لأنه قوي، كذلك رجب طيب أردوغان، وفلاديمير بوتين وشي جين بينغ وخافيير ميلي. بينما يكره رؤساء أوروبا الغربية لأنهم ضعفاء، أي ليبراليون وديمقراطيون. ومن ناحية القوة العارية، مثل ما يحبها ترامب، فإنّ نوري المالكي قوي فعلاً، هو الذي حكمت لجان تحقيق عراقية ومحاكم وبرلمان بمسؤوليته عن مقتل آلاف. والمالكي، للتذكير، تمكن خلال ولايتين حكوميتين (2006-2014) من ابتداع موهبة أن يكون “إيرانياً” بقدر ما يكون “أميركياً”، أو أن يجيد الإنكليزية بقدر ما يتقن الفارسية في السياسة طبعاً. موهبة استعرضها خصوصاً في حرب “صولة الفرسان” (2008) ضد مليشيا مقتدى الصدر بدعم عسكري أميركي جوي وبري بقيادة ديفيد بيترايوس، على هدى نظرية المالكي في حينها وحرفيتها أن “جيش المهدي أسوأ من تنظيم القاعدة”. يومها كانت الأمور أسهل، لم يكن هناك حشد شعبي ولا من يحزنون. أما غداً، فربما أيضاً لن يكون هناك حشد شعبي إن كان هذا ما تنازل السوداني للمالكي من أجل إنجازه.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى