لماذا تعثر اتفاق 10 ٱذار 2025، وهل مازال قائمًا بعد أحداث حلب؟؟

محمد علي صايغ

الكثير من الأصدقاء يتساءلون ضمنياً أو بشكل صريح: لماذا تعثر تطبيق اتفاق 10 آذار 2025 وما أسباب تعثره ؟؟ وهل كان من الممكن تطبيقه ؟؟
سؤال مهم للخروج برؤية مشتركة ، قد نختلف فيها ولكننا من المفيد أن نحصل على تقاطعات تفيد وتحدد طبيعة المرحلة ومنعكساتها ، فما جرى بالتأكيد له تحضيراته وارتدادته على الواقع السوري ، وأيضا على مستقبل سورية في ظل أوضاع شبيهة ليس في حلب فقط وإنما في شمال شرق سوريا وفي السويداء وفي الساحل …
ممكن التطرف إلى تعثر تطبيق اتفاق 10 ٱذار بالأسباب التالية :
١- وجود الشحن الطائفي والاثني على مستوى الشارع السوري ، حركته واشتغلت عليه الوكالات الإعلامية بكثافة في هذا الاتجاه ، بحيث أصبحت الأقلية والاكثرية بمستوى واحد ، الجميع أخذ يعزف على الوتر الأقلوي ويضخم المظلوميات بين مختلف الأطياف الوطنية بحيث أن الأكثرية ذاتها تم تحويلها إلى طائفة في مواجهة بقية الطوائف والإقواميات ، مما صعد من وتيرة الصراع ، وصعد من منع التفاهم أو الانخراط في عملية سياسية وفق اتفاق ٱذار
٢- الطرفين سواء مسد أو السلطة تحكمت فيها وإن بشكل نسبي أكثر أو أقل بقليل منطق : إما كل شروطي أو لا شيء .. هذه الذهنية تمنع الدخول في أي حوار أو حل سياسي ، خاصة أن اتفاق ٱذار جاء عاماً ولم يدخل في التفاصيل التي يدخل فيها الشيطان عادةً .
٣- سيطرة العقل العسكري أو الحسم العسكري بين الطرفين ، ويبدو أن عملية إجراء المباحثات بين الطرفين كانت من أجل تقطيع الوقت وليس للوصول إلى نتائج فعلية على الأرض بعيداً عن الحل العسكري .. ويبدو تقطيع الوقت من أجل تجهيز المسرح الملائم لانطلاق العملية العسكرية .
٤- قوات سورية الديمقراطية ( قسد ) أخطأت في تقدير الموقف ، متكئة في استمرار اسستنادها إلى الدعم الخارجي ، أو كانت تتمنى الحصول على انتهاكات كبيرة لاستثمارها في استثارة الرأي العام الدولي والدول الغربية وغير الغربية ( أن يتم ما حصل في السويداء ) من أجل تعديل موازين القوى بعد أن شعرت قسد بالتأييد الدولي للحكومة السورية الجديدة .
٥- لم تمانع الإدارة السياسية الحالية بتنفيذ الفقرة الرابعة من الاتفاق التي تنص على دمج المؤسسات المدنية والعسكرية  ضمن إدارة الدولة ومشت خطوات بالتفاوض على طريق الدمج العسكري  ، لكنها كما يبدو لم تكن تريد تطبيق البند الأول من ذات الاتفاق الذي ينص على ضمان جميع حقوق السوريين في التمثيل والمشاركة في العملية السياسية وكافة مؤسسات الدولة .. لما قد يؤدي ذلك إلى تغيير في بنية النظام السياسي الذي قد تريده وتتحرك من أجل توطيده .
ماجرى والانتصار الذي تحقق كان له تحضير مسبق ، سواء على مستوى العمليات اللوجستية أو على المستوى الخارجي الدبلوماسي إذ جاءت العملية العسكرية بعد يوم واحد من تفاهمات باريس .. ومما يؤكد عملية التنسيق الدولي وعدم أعتراض الدول على العملية أن وزارة الخارجية السورية شكرت أمريكا ومصر ودول الخليج والعراق وحتى البرزاني .. مما يشير إلى توافق في إنجاز العملية العسكرية بأقل الخسائر ، وأن خروج قوات قسد كان أيضا بتنسيق خارجي ، وهذا لا يعني إهمال دور الأمن والقوات الأمنية في التنظيم الدقيق للعملية سواء بطريقة الهجوم أو استيعاب المدنيين الخارجين من تلك المناطق أو إعطاء المهل بوقف إطلاق النار المؤقت والتعامل نسبياً بعقلية الدولة للحفاظ على مواطنيها .. كما أن الموقف الأمريكي في معارك حلب  كان لا يرى في تحرير الشيخ مقصود والأشرفية يمكن أن تشكل عبء أو عرقلة لنفوذها ، هي في استراتيجيتها قد رسمت خطوط نفوذها في شرق الفرات أما غرب الفرات فهي لا تدخل ضمن إطار استراتيجيتها ..
إن ما تحقق في حلب بالرغم من الارتياح الشعبي لهذه الخطوة ، فإنها بالمقابل قد زادت في عملية الاحتقان الطائفي والإقوامي ، في مواجهة الأطياف السورية ، ووسعت الهوة بين الأطراف المختلفة .. وهذا باعتقادي يجب على الإدارة السياسية القيام بجهد كبير جداً لرتق مانكسر والتركيز على الهوية الوطنية ودولة المواطنة ، والسعي لحل كافة الملفات سياسياً ، فالحل العسكري غالباً ما يعمق الفجوات داخل مختلف فئات المجتمع ، في حين أن الحل السياسي والانتقال السياسي الهادئ والمرن ،وعبر التركيز على أولوية المواطنة وتكريسها شعاراً وعملا هو المدخل الفعلي للوصول إلى الوحدة الوطنية ووحدة سورية .  ولو أن الحكومة والإدارة السياسية قد فتحت باب الحوار مع كافة الأطراف الكردية ( والأطراف الكردية ليست على نمط عقلية قسد )، وأعطت الاطمئنان اللازم لهم في دولة تحمي جميع السوريين ، وأقرت بضرورة تعديل الإعلان الدستوري وإشراك فعلي وحقيقي لكل أطياف الشعب السوري دون الاعتماد على اللون الواحد ، لكانت نزعت فتيل الحرب وكل مبررات التشنج لدى قسد أو ما يماثلها ، وسحبت البساط من تحتهم ، وكان من الممكن تطبيق اتفاق ٱذار بشكل سلس ..
نحن نطلب ونطالب بتغيير عقلية ونمطية التفكير لدى الأقليات ، لكن بالمقابل على الإدارة السياسية أيضاً تغيير نمط الذهنية الأحادية لديها للوصول إلى السلم الأهلي والوحدة الوطنية
إن النظام السابق قام بعملية شيطنة الجزء للكل ،والكل للجزء ، وكنظام قمعي لا يقبل التماهي والانسجام بين ألأطياف المجتمعية ، ويعمل لتفتيت المجتمع ذهنياً ونفسياً ، وجعل الجميع في حالة صدام وتصادم مع بعض لاستمرار حكمه وقبضته على المجتمع ككل .
ومن هنا اليوم يجب التركيز على نقاط الالتقاء التي تجمع كل السوريين ونبذ كل نقاط الاختلاف  التي تفتت هويتنا الوطنية وبالتالي العمل أيضا  على مكافحة خطاب الكراهية والتجييش الطائفي والعنصري مع إصدار قانون المحاسبة وتطبيقه على مرتكبي هذه الجرائم من أي جهة كانت .
بالتأكيد ” قسد ” لا تمثل جميع إخوتنا الكرد ، وهناك أحزاب وقوى كردية وشخصيات مجتمعية ذاقت الأمرين من حكم وتحكم قسد ومسد وأشباهها ، لكن الحل ليس باتجاه حل القضايا الوطنية بالعنف وبقوة السلاح وإنما بإطلاق حوار وطني جامع عبر مؤتمر وطني عام يؤسس لمشروع وطني ، ويعتبر في مضمونه عقداً اجتماعياً يصنعه ويصيغه السوريون بمعزل عن كل التجاذبات الإقليمية والدولية ، يصنع وحدة المجتمع السوري ولحمته المتنوع بطبيعته ، والتنوع عامل غنى وإثراء .
 الخارج لم يكن يوماً حامياً لظهر أي نظام أو سلطة ، وقوة السلطة بقوة تماسك مجتمعها . لذلك فإن الشرعية التي لا تنبثق عن الإجماع الوطني لا يمكن وصفها بالشرعية ، والإجماع الوطني يفترض تمثيل جميع القوى المجتمعية من الأكاديميين والقوى المحلية المدنية والنخب السياسية  الأحزاب السياسية .. تتحرك وتعمل وفق دستور يضمن حقوق المواطنة المتساوية ، وقانون انتخابات عصري ، وانتخابات حرة ونزيهة وذات مصداقية ينبثق عنها مؤسسات وطنية ( تشريعية وتنفيذية وقضائية ) تدار من أهل الخبرة والمعرفة والعلم وعلى أساس الكفاءة ، وتخضع للمراقبة والمحاسبة عن أي انحراف أو تجاوز للقانون.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى