ماذا لو سقط النظام الإيراني؟

سمير الزبن

تأتي الاحتجاجات الإيرانية الواسعة في ظروف سياسية داخلية وخارجية في ظروف مختلفة عن الاحتجاجات التي شهدتها إيران سابقاً، فحرب الاثني عشر يوماً كانت تعبيراً عن مأزق النظام الإيراني في مواجهة الأخطار التي حدّدها لنفسه، وتبين أنه غير قادر على الإيفاء بوعوده، ولا على الدفاع عن قادته الذين اصطادتهم إسرائيل في بيوتهم، ولا الدفاع عن البلد الذي استباحته الطائرات الإسرائيلية. وما لم تفعله إسرائيل، تدخّلت الولايات المتحدة لإكماله بتدمير المواقع النووية الأكثر تحصيناً، وقد جاء ذلك كله في ظل مستوى هائل من الاختراق الأمني الإسرائيلي في كل المؤسسات العسكرية والمدنية الإيرانية.
هذه الهجمات العسكرية القاسية التي تلقتها إيران، ودمّرت مشروعها النووي كما قال الأميركيون، وكل دفاعاتها الجوية كما قال الإسرائيليون، جعلت الاحتجاجات الإيرانية تأخذ أبعاداً أخرى، بعد أدلة الضعف الشامل الذي عبر عن نفسه بالفشل في التصدي للهجمات. صحيحٌ أن البداية كانت بإضراب تجار البازار إثر انخفاض العملة الإيرانية، فكان الشرارة التي أشعلت الاحتجاجات على الأوضاع الاقتصادية المتردّية. ومن الواضح أن وضعاً ثورياً قائماً في إيران اليوم، فلم يعد الإيرانيون قادرين على العيش في الشروط المتردّية، في وقتٍ تستخدم السلطات الإيرانية مواردها المتراجعة في تمويل أدواتها في المنطقة على حساب الشعب الإيراني. وهذه الأموال التي دفعت سنوات لم يكن لها فعالية في حماية إيران في مواجهة الهجمات التي تعرّضت لها إيران من كل من إسرائيل والولايات المتحدة. والدرس الذي فهمه المتظاهرون من الفشل الإيراني في الرد على هذه الهجمات هو ضعف النظام الإيراني وتحطم صورته التي كانت قبل الهجمات الأميركيةـ الإسرائيلية.
واضحٌ أن النظام الإيراني يفقد شرعيته أمام مزيد من مواطنيه، وهذا ما نجده في المظاهرات الجديدة التي سرعان ما انتقلت من احتجاجات مطلبية إلى رفع شعار “إسقاط المرشد”، مع امتداد التظاهرات إلى أماكن لم تصل إليها من قبل. وقد راكم المحتجون في إيران خبراتٍ في الصراع السلمي مع السلطة، منذ الثورة الخضراء في عام 2009 احتجاجاً على ما وصف بأنه تزوير الانتخابات الرئاسية، وصولاً إلى الاحتجاجات الواسعة على مقتل الفتاة الكردية مهسا أميني، والتي كانت في جانب منها مسّاً بقيم يدّعيها نظام الملالي، المشغول بشكليات الدين، مثل الحجاب، فقد قتلت الشابة الكردية لأنها لا ترتدي الحجاب بالشكل الصحيح، واستطاعت هذه الحادثة تفجير الغضب الشعبي على نطاق واسع في وجه السلطة.
سقوط النظام الايراني يعني تغيراً هائلاً في المنطقة معاكساً للحظة تأسيس الجمهورية الإسلامية
السلطة في إيران اليوم أضعف من أي وقت، والمتظاهرون أقوى من أي وقتٍ سابق. وما لا نعرفه عن النظام الإيراني المغلق مستوى الضعف الداخلي، والذي يشير إلى مستوى التفكّك الداخلي والقابلية للانهيار السريع. علّمتنا التجارب السابقة أن هذا النوع من الأنظمة هو أقرب إلى نمر الورق، وأن انهياره قد يحدُث بطريقة غير متوقعة، ومواقع ضعفه التي تسبّب انهياره هي التي تعتبر مواقع قوته. وتمكن قراءة مؤشرات الضعف من خلال، استخدم النظام الإيراني للمظاهرات المضادة. ومن الحديث عن مؤامرة خارجية وراء الاحتجاجات بعد الاعتراف الأولي بشرعية مطالب المتظاهرين. المسألة الجديدة التي تشير إلى ضعف السلطة في إيران محاولة فتح قناة تفاوضية مع الولايات المتحدة لتخفيف الضغوط الأميركية، وتجنب ضربة عسكرية أميركية يهدّد بها الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، تشعر السلطة في إيران بأنها قد تسبّب سقوطه.
صحيحٌ أن المؤسّسة العسكرية الإيرانية تبدو متماسكة ولم تتفكك بعد، خصوصاً أن البنية العسكرية فيها مختلفة عن الدول الأخرى. تتشكل القوة العسكرية الايرانية، من الجيش الضعيف، في مقابل الحرس الثوري القوي وأداة القمع الأيديولوجية الرئيسية بيد النظام.
قد يأخذ تغيير النظام في إيران أحد شكلين: الأول، أن يحتلّ المتظاهرون المؤسّسات العامة، ويمتنع الجيش والحرس الثوري بكتلته الرئيسية عن قمع المتظاهرين، ما يؤدّي إلى سقوط النظام. الثاني، أن تجد المؤسسة العسكرية أن النخبة السياسية غير قادرة على إدارة البلد، فتقوم بانقلاب عسكري، تغير واجهة النظام، وتعمل على مصالحة مع العالم لرفع العقوبات عن إيران.
السلطة في إيران اليوم أضعف من أي وقت، والمتظاهرون أقوى من أي وقتٍ سابق
سقوط النظام الايراني يعني تغيراً هائلاً في المنطقة معاكساً للحظة تأسيس الجمهورية الإسلامية، فخروج إيران من المظلة الأميركية بعد الثورة الإيرانية 1979 غيّر الخريطة السياسية في الشرق الأوسط ومنطقة الخليج العربي، ما رتّب تموضعاتٍ إقليمية جديدة أدّت إلى حروب طويلة، وإحداث صراعات سياسية من نوع جديد، من خلال عمل السلطة الإيرانية الجديدة على “تصدير الثورة” إلى بلدان المنطقة، وهو الأداة الإيرانية الفعّالة في تكريس دور إقليمي من خلال إيجاد أذرع سياسية داخل الدول العربية، مدعومة مالياً وعسكرياً تعمل للمصلحة الإيرانية، ما جعلها تتحكّم فعلياً بعدة دول عربية في السنوات الأخيرة.
التغير القادم في إيران، بسقوط النظام أو بانقلاب عسكري من داخل النظام ذاته، وهو ما سيدفع انسحاب الدور الإقليمي التقليدي الإيراني، ما يدفع إلى تغيراتٍ سياسيةٍ كبرى في المنطقة، ويُعيد ترتيب التوازنات بين القوى فيها، من خلال الانكفاء الإيراني داخلياً، وإعادة ترتيب الأوضاع الداخلية الإيرانية بانسحابٍ من الدول التي تحظى فيها بأذرع مكلفة للخزينة الإيرانية، ما يدفع أي قادم جديد إلى السلطة إلى أن يعيد توظيف هذه الأموال في الداخل الإيراني.
ليس هناك من يرغب في سقوط النظام الإيراني، حتى الولايات المتحدة التي تهدّد بتوجيه ضربات عسكرية له
سيفرض هذا الواقع الجديد نفسه، بصرف النظر عن النظام الجديد الذي يرث النظام القائم، سواء عن طريق نظام جديد ممسك بالداخل الإيراني، بنجاح الثورة وسقوط النظام، أو بانقلاب عسكري يعيد ترتيب البلد، أو ينتج عن سقوط النظام الإيراني حالة من الفوضى، والتي سيكون لها تعقيدات آثار أمنية على الجوار، وفوضى سلاح، وقد تصل إلى تسرّب اليورانيوم المخصب إلى جهات لا يُحبذ أن يكون بيدها.
ليس هناك من يرغب في سقوط النظام الإيراني، حتى الولايات المتحدة التي تهدّد بتوجيه ضربات عسكرية للنظام الإيراني، لا ترغب في أن ينجم عن سقوط النظام حالة من الفوضى في المنطقة من الصعب السيطرة عليها. لذلك تسعى الإدارة الأميركية إلى تغيير سلوك النظام الإيراني، وليس تغيير النظام نفسه، بحيث لا يمكن التنبؤ بعواقب هذا السقوط، وهو ما تحذّر منه الدول الأوروبية.
لم يعد النظام الإيراني قابلاً للاستمرار بالشكل الحالي، فإن لم يسقط في هذه الجولة من الاحتجاجات، ستكون هذه الجولة “بروفا” السقوط في المرّة المقبلة. وإذا أراد النظام النجاة بمساعدة الولايات المتحدة، فعليه تغيير جلده، وهو غير قادر على فعل ذلك، إلا بإطاحة رموزه الرئيسية على الأقل.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى