هل تؤدّي سياسات ترامب إلى فوضى شاملة؟

عبد اللطيف السعدون

ربما يبدو التحليل أن بروز الرئيس الأميركي دونالد ترامب قائداً أوحد للعالم، كما يعتقد كثيرون، في ضوء انتهاكه قواعد القانون الدولي، وتحدّيه الأمم المتحدة وهيئاتها مجرّد قيادة طارئة على اللعبة أقرب إلى واقع الحال لسبب واحد، عدم وجود قيادات عالمية فاعلة ونشطة على المستوى الدولي، تتيح التنافس والصراع، والمشاركة أيضاً على النحو الذي شهدناه في مراحل سابقة. وفي ظل هذا المتغير اللافت، جاء ترامب ليملأ الفراغ، وليجعل من نفسه “إمبراطور العالم”، أو “مالك العالم” في أصح وصف له، وتغريداته أكثر من مرّة تكرّس هذا الانطباع وتوثقه.
وإذا كانت بدهية “ثوسيديديس” تعلمنا أن القوى الكبرى تفعل ما تريد، والقوى الصغيرة تعاني جرّاء ذلك، فان هذا الحكم ينطبق على سياسات ترامب الماثلة اليوم، التي لم يتورّع ممثل الولايات المتحدة في المنظمة الدولية، مايك والترز، من الإقرار بها، والتبجّح بأن دولته “هي من تصنع القانون، وهي من تقرّر الخطأ والصواب”، وهذا يعني ضمنا أن العالم يعيش مرحلة تاريخية هجينة على وقْع ما يقوله ترامب وما يفعله، ولا نجد في سلوكه هذا من يردعه من مسؤولي دول كبرى أيضاً، لكن ما نراه أو نسمعه مجرّد شعور بالغضب أو ردات فعل خجولة، أو بيانات شاجبة، لكنها لا تؤول إلى نتيجة. وهذا ما تابعناه بعد عملية فنزويلا التي مثلت نمطاً صارخاً من انتهاكات للقانون الدولي لم يشهده العالم من قبل، وهو اختطاف رئيس لا يزال في السلطة من غرفة نومه في بلده الذي يمثل دولة مستقلة وذات سيادة كاملة على أرضها وسمائها وثرواتها.
ومع كل ما فعله ترامب، تراه إثر ذلك يعلن صراحة أنه يريد أن يصل بمسار هذه العملية إلى مدى أبعد، حيث باشر، في سعي ديناميكي محموم ومحسوب، إلى نزع الشرعية عن فنزويلا دولة ذات سيادة، وتحويلها إلى كيان هشّ تابع له، وقد عبّر عن توجهه هذا عمليا بتنصيب نفسه حاكما لها، ووضع وزير خارجيته ماركو روبيو، المعروف أنه أكثر رجاله تحريضاً على خطوة التدخل العسكري، رئيس مجموعة الإشراف على تنفيذ “خطوات الانتقال” كما سمّاها، كما ربط ما يتعلق بصادرات النفط الفنزويلي به شخصيا، فارضاً الشروط التي تضمن له حرّيته في التصرّف بها. ولكن كاراكاس ردّت بسرعة مؤكّدة أنها الجهة الوحيدة المسؤولة عن ثرواتها، وهي التي لها الحقّ الحصري في عقد اتفاقيات مع الدول حولها، وأن “فنزويلا ليست مستعمرة، ولا منطقة اختبار للقوى الأجنبية، الدفاع عن مواردها واستغلالها الاقتصادي أولوية في مواجهة الضغوط الأجنبية”.
إذا لم يتم التصدّي لسياسات ترامب فربما ينجر العالم للدخول في فوضى شاملة تلد حروباً وصراعات لا تبقي ولا تذر
ربما أراد ترامب من هذا كله أن يقدّم للعالم النموذج الذي يراه مناسبا له في العلاقات بين الدول، والهدف نشر صورة واقع مغاير ليس لفنزويلا فحسب، إنما أيضاً للقارّة اللاتينية التي يريد تشكيلها حديقة خلفية لأميركا كما كانت في مرحلة سابقة، وهذا ما جاءت به الاستراتيجية الأمنية الجديدة التي أعلنتها إدارته، والمتوافقة مع طموحاته الشخصية وشعبويته.
وما طرحه هو إحياء لمبدأ مونرو المعلن عام 1823، ولكن بنسخة مقلوبة تمثل حالة عدوانية، واستعماراً جديداً يضمن لأميركا وضع اليد على أميركا اللاتينية، وعلى أية بقعة في العالم، واستغلال مواردها، ووضعها في خدمة الأمن القومي الأميركي.
يستدعي هذا الحال المستجد في النظام الدولي، والذي يحمل هذا القدر من التوحش واللصوصية مراجعة المعنيين له وتشخيصه، بخاصة رجال المنظمات الدولية ذات التاريخ العريق في الدفاع عن حقوق الإنسان وحرّيات الشعوب، والتي يفترض أن لها حضورها الثابت في إرساء معالم علاقات دولية قائمة على الاحترام المتبادل، والتعاون والتنافس المشروع بين الدول، كبيرها وصغيرها، وطرح الحلول الكفيلة بتجاوز اندفاعات شعبوية هجينة كالتي نراها في السياسات “الإمبراطورية” التي يريد فرضها على العالم الرئيس ترامب.
وإذا لم يتم التصدّي لمثل هذه السياسات فربما ينجر العالم للدخول في فوضى شاملة تلد حروباً وصراعات لا تبقي ولا تذر.

المصدر: العربي الجديد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى