
حملت نتائج الدورة التاسعة من استطلاع “المؤشر العربي”، الذي أنجزه المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، مؤشرات ودلالات هامة تستدعي التوقف عندها، والتفكير فيها؛ كونها تقف على اتجاهات الرأي العام العربي حيال جملة من القضايا والمواضيع السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
بدايةً، يكتسي الاستطلاع أهمية من حجم العينة الكبيرة نسبياً، واستجابة أكثر من أربعين ألفاً من المستطلعين في 15 بلداً عربياً، وتناوله قضايا سياسية واجتماعية تهم أوضاع المواطنين العرب. ويأتي في سياق استمرارية التقليد الهام الذي دأب عليه المركز العربي منذ تأسيسه، بُغية الوصول إلى أكبر قدر من المشاركة المجتمعية في بلداننا العربية، وتأكيده أهمية استطلاع الرأي العام، بوصفه ابتكاراً اجتماعياً، ووسيلة لسبر مواقف (وميول) الناس في المجتمعات العربية، وتوفير إمكانية التعبير عن آرائهم بحرية في القضايا والمسائل السياسية والاجتماعية التي يعيشونها في بلادهم، وتمسّ قضايا معيشتهم وحياتهم.
من غير الممكن، في هذه السطور، النظر في جميع الأرقام والمؤشّرات التي وردت في الاستطلاع، لكن المهم التوقف عند بعض المؤشّرات الهامة، والمعبّرة، التي تعكس فهم الشارع العربي لما يجري، إذ بيّنت النتائج أن القضايا المعيشية والاقتصادية تحتل المرتبة الأولى في أولويات المواطنين العرب (60%)، وأرجع المستجيبون أسباب تردّي أوضاعهم المعيشية إلى ارتفاع نسب البطالة وارتفاع الأسعار والفقر، واعتبروها تحدّيات أساسية تواجه بلدانهم.
أول ما يلف الانتباه رفض أغلبية المستجيبين النظام السلطوي، ونظام العسكر، وحكم الأحزاب الإسلامية فقط، والنظام القائم على الشريعة من دون انتخابات وأحزاب، وكذلك النظام المقتصر على الأحزاب العلمانية، ومهم أيضاً أن يؤيد 68% من المواطنين العرب النظام الديمقراطي التعدّدي، مقابل 20% يعارضونه، والأهم اعتبار 67% منهم النظام الديمقراطي الأكثر ملاءمة لبلدانهم. وهو ليس مستغرباً، بالنظر إلى أن العرب مثل باقي الشعوب توّاقون للمشاركة في صنع حاضرهم ومستقبلهم، ويمتلكون وعياً سياسيّاً متقدّماً، إذ عرّف 34% من المستجيبين الديمقراطية أنها ضمان الحريات السياسية والمدنية، واعتبر 20% بأنها تضمن المساواة والعدل بين المواطنين، في حين ركّز 14% على الجوانب المؤسّسية للنظام الديمقراطي. ويدعم هذه الآراء أن 83% منهم قادرون على تقديم تعريفٍ ذي محتوى يركز على ضمان الحرّيات السياسية، والمدنية، وتداول السلطة، والفصل بين السلطات، وضمان العدل والمساواة. إضافة إلى قبول 50% من المستجيبين وصول حزب سياسي لا يتفقون معه إلى السلطة عبر صناديق الاقتراع، مقابل 41% أفادوا بأنهم لا يقبلون ذلك.
نتائج المؤشر ستكون برسم صنّاع القرار والسياسات في البلدان العربية، بُغية النظر فيها ملياً من أجل معالجة أسباب ضعف الثقة
يلاحظ وجود تطابق حيال تحديد الدول التي تهدّد أمن المنطقة العربية واستقرارها، إذ احتلت إسرائيل المرتبة الأولى، بوصفها أكثر تهديداً للمنطقة العربية، تليها الولايات المتحدة بنسبة 10%، ثم إيران بنسبة 8%. وعليه؛ رفض 87% من المستجيبين أن تعترف دولهم بإسرائيل، مقابل 6% أفادوا بأنهم يقبلون اعتراف بلدانهم بإسرائيل. وبلغت أعلى نسبة رفض للاعتراف بإسرائيل في ليبيا والأردن بنسبة 96%، و95% على التوالي، تليهما الكويت 94%، ثم فلسطين 91%، ولبنان 89%، والمغرب وقطر 89% لكل منهما. واشترط نصف الذين يقبلون بالاعتراف أن يجري إنشاء دولة فلسطينية مستقلة.
المثير للاهتمام إظهار النتائج تفاؤلَ الرأي العام حيال تقييم الاتجاه الذي تسير فيه البلدان، إذ اعتبر 57% من المستجيبين أنها تسير في الاتجاه الصحيح، مقابل 37% منهم رأوا أنّ الأمور في بلدانهم تسير في اتجاه خاطئ، كما اعتبر 55% من المستجيبين أنّ الأوضاع السياسية في بلدانهم جيّدة وجيّدة جداً عموماً، فيما اعتبر 38% منهم أنها سيئة وسيئة جداً، وبلغت النسبة في بلدان المشرق 37%، وذلك بعكس المستجيبين من بلدان الخليج العربي، إذ اعتبرت غالبية كبيرة منهم (86%) الأوضاع السياسية جيدة. وكذلك الأمر بالنسبة للأوضاع الاقتصادية، فقد أفاد غالبية المستجيبين بأنها سيئة، لأن دخول أسر 41% لا تغطي نفقات احتياجاتهم الضرورية والأساسية، ولا يستطيعون أن يدّخروا شيئاً منها، فيما أفاد 28% من المستجيبين أنّ أسرهم تعيش في حالة حاجة وعوز.
وعكس المؤشّر تباين اتجاهات الرأي العام في أقاليم المنطقة العربية، خصوصاً عندما يتعلق السؤال بالأوضاع المعيشية والاقتصادية والسياسية، إذ الاختلاف واضح بين تقييم أوضاع الناس في دول الخليج ودول المشرق العربي ومغربه، كما أظهرت النتائج اختلافاً في تقييم المواطنين العرب للأوضاع السياسية والأمنية في بلدانهم، خصوصاً في ما يتعلق بالوضع الأمني، إذ أفاد 63% من المستجيبين بأنّ مستوى الأمان في بلدانهم جيّد أو جيد جداً، مقابل 34% رأوه سيّئاً أو سيّئاً جدّاً. وكان مفهوماً أن غالبية المستجيبين في السودان وسورية وفلسطين قيّموا سلباً مستوى الأمان في بلدانهم.
مقلق أن 84% من المستجيبين يدركون جيّداً مدى انتشار الفسادَين المالي والإداري، وإنْ بدرجات متفاوتة في بلدانهم
كما أظهر “المؤشّر” تبايناً في مستوى الثقة بالمؤسّسات الرسمية، إذ سجلت مؤسسات الجيش والأمن العام والقضاء أعلى مستويات الثقة، في مقابل ضعف الثقة بالسلطتَين التنفيذية والتشريعية، مع تسجيل أدنى مستويات الثقة بالمجالس النيابية. أما على مستوى الأداء الحكومي، فقد انقسم الرأي العام حول السياسات الخارجية والسياسات الاقتصادية، بينما كان التقييم سلبياً بوضوح، عند تقييم السياسات العامة والخدمات الأساسية المقدمة للمواطنين.
المقلق أن 84% من المستجيبين يدركون جيداً مدى انتشار الفسادَين المالي والإداري، وإنْ بدرجات متفاوتة في بلدانهم، مقابل 11% اعتبروه غير منتشر على الإطلاق. وفي السياق نفسه، رأى 40% من المستجيبين أن القانون يطبق بالتساوي بين المواطنين، لكن المثير للقلق أن 37% منهم اعتبروا أنه يطبق مع محاباة بعض الفئات، واعتبر 18% أنه لا يطبق بالتساوي مطلقاً.
يبقى أن نتائج المؤشر ستكون برسم صنّاع القرار والسياسات في البلدان العربية، بُغية النظر فيها ملياً من أجل معالجة أسباب ضعف الثقة، وتلافي النواقص، وتصحيح الأخطاء. ولعلّ الأهم هو اتخاذ ما يلزم حيال هموم عموم المواطنين ومشاغلهم، ومعرفة أسباب عدم اهتمام قسم كبير منهم بسياسات أنظمة دولهم، وعدم مشاركتهم في الأحزاب والفعاليات السياسية فيها.
المصدر: العربي الجديد



