
لم يكن مفاجئاً تحوّل معظم المدن الإيرانية إلى كرة لهب سريعة الانتشار، بعدما كبرت المشكلات التي ضاق بها صبر المواطن العادي، واستعصت الحلول، وبدا أهل الحل والعقد غير عابئين بما يجري من حولهم، وظنّوا أنفسهم في مأمن بفعل ما اختزنت عقولهم من أوهام، حتى فاجأتهم موجةُ احتجاجات جديدة لم تكن تشبه هذه المرّة ما حدث في سبتمبر/ أيلول 2022 على خلفية مقتل الشابة المغدورة مهسا أميني، بل تختلف عنها بفعل عاملَين اثنين: الأول أن تجّار “البازار”، رئة طهران الاقتصادية التي تعكس مشاعر المواطنين العاديين ومتطلّبات حياتهم المعيشية، لم يبقوا بعيداً عنها، بل دخلوها عنصراً فاعلاً، وربما مخططاً، فيما كانوا في موجة أميني متحفّظين في مساندتها؛ إذ وضعوا أنفسهم على مسافة منها لسبب أو لآخر. ومعروف أن تجّار “البازار” يمثّلون إحدى ثلاث قوى تتبادل التأثير في رسم السياسات العامة منذ قيام “الجمهورية الإسلامية”، على وفق متطلّبات الحال وتغيير قواعد اللعبة، والقوتان الأخريان هما المؤسّسة الدينية والحرس الثوري.
ما لم يحصل انكفاءٌ حقيقيٌّ من سدنة النظام الإيراني إلى الداخل، فإن الأوضاع قد تسير نحو الأسوأ
والعامل الثاني أن ما يُستشفّ من هذه الموجة أنها تُخفي وراءها ثورة بطون جائعة لم تجد في “الغذاء الروحي” الذي دأبت على تسويقه المؤسّسة الدينية ما يسدّ جوعها، وقد طال انتظارها للمهدي أكثر من ثلاثة عقود نشأ فيها جيل جديد لم يرَ في هذه الأسطورة سوى وسيلة لبيع الوهم وخداع العقول القاصرة.
وهكذا تفجّرت مشكلات الداخل على خلفية الانكسارات التي أصابت “محور الممانعة”، التي كان من المفترض أن تدفع “أهل الحل والعقد” أنفسهم إلى مراجعة سياساتهم الخاطئة، وإيلاء تلك المشكلات اهتماماً أكبر، حتى تفاقم الخطب ولم تعد العقدة، كما شخصها الناشط السياسي السجين مصطفى تاج زادة في رسالته التي وجّهها لمناصريه، في هذه المشكلة الاقتصادية أو تلك، أو في هذه الحكومة أو هذا البرلمان؛ بل هي في البنية الانسدادية لولاية الفقيه المطلقة، وكذلك في السياسات المدمّرة لإيران التي ينتهجها خامنئي. وطالب تاج زادة بتشكيل مجلس تأسيسي لإقرار دستور جديد يبعد المؤسّسة الدينية عن شؤون الدولة، ويضمن الحريات الأساسية، وإجراء انتخابات برلمانية نزيهة.
وفي ضوء هذين العاملَين، وعوامل متداخلة أخرى، تدخل الموجة الماثلة أسبوعها الثاني رغم محاولات النظام لاحتوائها، وهي تطرح خطر اتساعها واكتسابها زخماً ثورياً متصاعداً، خصوصاً أنها شملت معظم المحافظات الإيرانية. كذلك ظهرت بوادر دخول شباب الجامعات والمؤسّسات التعليمية طرفاً نشيطاً فيها، وحصلت على مواقف متعاطفة معها من حلقات مهمة في النظام، وشخصيات معتبرة من التيار الإصلاحي، لدرجة أن رئيس الحكومة مسعود بزشكيان، اعترف صراحةً بأن سبب حركة الاحتجاجات “ليس أميركا”، بل هي “سياساتنا الاقتصادية الخاطئة”، وأن واجب الحكومة الأول تأمين “معيشة المواطنين”.
ومع زيادة زخم الاحتجاجات، أخذت الشعارات المُعلَنة منحىً متطرّفاً حتى تجاوزت الخطوط الحمر، بعدما تركّزت في البداية في المطالبة بتوفير الخدمات وحاجات المعيشة الأساسية؛ إذ انتقلت إلى مطالب أكثر جذريةً وسخونةً، مثل الدعوة إلى إسقاط النظام وإعادة الحكم الشاهنشاهي. وفي خضمّ ذلك، تعرّضت حوزات ومراكز دينية ومؤسّسات رسمية للحرق والتدمير، وأدّى استخدام رجال الأمن للقوة المُفرِطة إلى سقوط قتلى وجرحى بين المحتجّين ورجال الأمن.
لم تعد العقدة في هذه المشكلة الاقتصادية أو تلك، بل هي في البنية الانسدادية لولاية الفقيه المطلقة
ويكتمل رسم هذه المشاهد الداكنة مع ما أبداه بعض أركان النظام من مكابرة وتجاهل لمعنى هذه الموجة من الاحتجاجات ونتائجها؛ إذ قال علي أكبر ولايتي، مستشار مرشد الجمهورية، إن أميركا تقف وراء هذه الاحتجاجات، و”إن الإيرانيين مستعدّون لأكل العشب مقابل مواصلة تمويل المقاومة في لبنان والعراق واليمن”، وزاد على ذلك بإدراج “المقاومة في أيّ مكان آخر يقاتل فيه الناس ضد الغطرسة (الأميركية) وحلفائها”.
هذه المشاهد كلّها تضع “الجمهورية الإسلامية” راهناً أمام محنة جديدة تلحّ على ضرورة مراجعة منظومة الحكم خطوةً أولى ينبغي القيام بها لخلق حالة طمأنينة لدى الشعب، ومن ثم ضمان إيجاد الحلول الناجعة للمشكلات القائمة. وهذا وحده ما ينزع الفتيل عن نار الاحتجاجات، ويهدّئ من مشاعر الغضب التي تسود الشارع الإيراني. وما لم يحصل انكفاءٌ حقيقيٌّ من سدنة النظام إلى الداخل، فإن الأوضاع قد تسير نحو الأسوأ.
المصدر: العربي الجديد






