حلم العودة.. اختبارٌ قاسٍ للكرامة الإنسانية

محمد برو

لم يكن مشهد عبور ما يزيد على مليون إنسان سوري خلال عام واحد حدثاً هامشياً يمكن التغاضي عنه، أو اعتباره مجرد واقعة عابرة في تاريخ النزوح المعاصر؛ بل هو عودة مليون “ناجٍ” من بين ملايين المهجّرين قسرياً عن وطنهم وفي داخله، بعد عقد ونصف تقريباً من التيه في متاهات اللجوء، والضياع بين مدنٍ مضيفة وأخرى رافضة لوجودهم، وتحت سياط قوانين كانت تنهمر كزخّات “المطر الأسود”، لتُحاصر وجودهم وتؤطّر شتاتهم في زوايا الضيق أينما ارتحلوا.
لقد كان عقداً من الانتظار في بيوت مؤقتة، وعناوين متبدّلة باستمرار، وخيام موحلة في الشتاء، وحدود مغلقة، ورعاية صحية غائبة، وموارد عيش قلقة ومحدودة. لذا، كانت العودة المتلازمة مع لحظة سقوط الاستبداد ونظام القتل لحظةً احتفالية تتجاوز حدود المعقول؛ فرحاً غامراً غطى سوريا من أقصى خاصرتها اليسرى إلى أقصى خاصرتها الأخرى، ولم يكن أحدٌ ممن عادوا ليكترث – ولو للحظة – لسؤال: “ماذا بعد ليالي الفرح المضيئة تلك؟”.
لقد انتهى العرس الوطني الذي تجاوز أحلامنا بآماد، وحضرت لحظة الحقيقة المعيشية بكل بساطتها وقسوتها، وصرنا كسوريين أمام امتحان كبير يمسّ الكرامة الإنسانية في أبسط احتياجاتها.
سرعان ما كشفت الأسابيع التي تلت ذلك السقوط المدوي، وعودة سوريا لأبنائها، واتساع قوس الممكنات والاحتمالات الجميلة، عن عقبات حياتية يومية تطال أبسط الاحتياجات الإنسانية؛ تلك التي لا تُؤخذ بالحسبان غالباً لأن توفر حدها الأدنى يُعد أمراً بدهياً. لكن في سوريا المحطّمة والممزّقة، بات الحصول على رغيف الخبز وسقفٍ يؤوي الإنسان من غوائل الحرّ والقرّ أمراً بعيد المنال لدى قطاعات واسعة، سواء ممن عادوا أو من صمدوا بالداخل. فمئات آلاف البيوت المهدّمة، ومدن وقرى سُوّيت بالأرض، وأرضٌ كانت تنبت الحبوب والغذاء تم تسميمها وتدميرها فلم تعد قادرة على العطاء. إن سنوات الحصار والعقوبات الدولية، وغياب الخدمات بشتى أنواعها – بدءاً من جمع النفايات وإخراجها من المدن وصولاً إلى حبّة الدواء المفقودة – جعلت البلاد في أدنى مراتب الصلاحية للعيش البشري.
مع نهاية عام 2025، كان عدد العائدين من تركيا ولبنان والأردن قد تجاوز المليون عائد. صحيح أن هذه العودة أكملت عرس الفرح الشعبي والسياسي، إلا أنها شكّلت في الوقت ذاته تحدياً حقيقياً للمجتمع السوري وللإدارة الجديدة التي لا تمتلك الحد الأدنى من المقدّرات اللازمة لإسكان هؤلاء العائدين أو توفير فرص عمل لهم. ومع تردّي الأوضاع لحظة السقوط، وانفلات آلاف “شذّاذ الآفاق” الذين تخرّجوا في عصابات النظام البائد وهم يجيدون خلق الفوضى واستثمارها بأقذر الوجوه، صار الوضع المعيشي في المدن السورية أكثر سوءاً، علاوة على ضعف جهاز الأمن الداخلي الذي ما يزال يتشكّل اليوم في ظروف شديدة الصعوبة.
لقد انتهى العرس الوطني الذي تجاوز أحلامنا بآماد، وحضرت لحظة الحقيقة المعيشية بكل بساطتها وقسوتها، وصرنا كسوريين أمام امتحان كبير يمسّ الكرامة الإنسانية في أبسط احتياجاتها. كثيرون ممن عادوا بشوق وفرح يتلمّسون اليوم أي “ثقب أمل” يعيدهم إلى مدن اللجوء التي غادروها؛ فالتقارير الأممية تشير إلى أن نحو 65% من المساكن والمنشآت في مدن العودة الكثيفة مدمّرة بشكل تام أو غير صالحة للاستخدام البشري.
في مدن كبرى مثل حلب الشرقية وريف دمشق ومساحات واسعة من حماة وحمص، ما يزال مشهد الأبنية المهدّمة هو المشهد الغالب، وما يزال الآلاف يعيشون في ذات الخيام التي تتحول إلى مستنقعات للطين والبرد مع دخول أولى ليالي الشتاء المؤلمة. سيكتشف الكثيرون ممن حملوا معهم مفاتيح بيوتهم وآمالاً عريضة أن تلك المفاتيح التي صانوها طيلة أربعة عشر عاماً لم تعد تصلح إلا لفتح “ثقوب سوداء” في الذاكرة المرهقة؛ لقد عادوا إلى وطن بلا بيوت. وهنا يطلق السؤال المؤلم صرخته: هل العودة إلى الركام والحطام هي عودة مشتهاة؟ وما معنى الوطن إن لم يوفر سقفاً يؤوينا؟ لقد انتقل الكثيرون، ويا للمفارقة، من خيام على حدود الوطن إلى خيام فوق حطام منازلهم المهدّمة.
يمكن لسوريا اليوم أن تجترح فعلاً موازياً، شريطة الاعتماد على المساعدات الدولية والقروض الميسّرة، وهذا ليس بالأمر المحال إذا ما توفرت الإرادة السياسية والنزاهة الإدارية.
بالعودة إلى التاريخ القريب، بعيد انتهاء الحرب العالمية الثانية، كان ملايين الأوروبيين يعانون من آثار الدمار الكارثي الذي تركهم وعائلاتهم في الأزقة والشوارع في مواجهة قاهرة مع الشتاء والثلج. لكن سرعان ما بادرت المدن المدمّرة إلى بناء مجمّعات سكنية بأبسط المواصفات لإخراج الناس من الشوارع إلى حجرات صغيرة وأسقف تحميهم من قسوة الطبيعة.
في منتصف عام 1945، توقفت الحرب وكان عدد الوحدات السكنية المدمّرة في الاتحاد السوفيتي يتجاوز ستة ملايين مبنى، وعدد المشردين داخلياً نحو 25 مليون إنسان. وخلال فترة تتراوح بين 6 إلى 12 شهراً، اعتمدت الحكومة سياسة “الإيواء السريع” عبر ثكنات خشبية ومساكن مسبقة الصنع ومساكن جماعية، كما استُغلت المدارس والمصانع والأبنية الإدارية. ومع نهاية عام 1946، تم توفير المأوى والتدفئة البدائية ومياه الشرب لملايين العائلات المشردة، لتبدأ بعد ذلك مرحلة الإعمار الحقيقية التي وفرت مساكن صحية بشروط إنسانية أرقى. صحيح أن الاتحاد السوفيتي كان آنذاك بلداً كبيراً يمتلك مقدّرات اقتصادية تنافس أقوى الاقتصادات، إلا أن المبادرة السريعة لانتشال الناس من الشوارع كانت العامل الحاسم في نجاح تلك التجربة. ويمكن لسوريا اليوم أن تجترح فعلاً موازياً، شريطة الاعتماد على المساعدات الدولية والقروض الميسّرة، وهذا ليس بالأمر المحال إذا ما توفرت الإرادة السياسية والنزاهة الإدارية.

المصدر: تلفزيون سوريا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى