قبل ضياع القضية اليمنية في متاهة قضايا فرعية

مجيب الحميدي

على مدى عقدٍ، تعرّض الشعب اليمني لانتهاكاتٍ جسيمةٍ ترقى إلى مستوى الحرمان الجماعي المنهجي من الحقوق. سقط مئات آلاف بين قتيل وجريح، وتشرّد ملايين من ديارهم، وانقطعت رواتب شرائحَ واسعةٍ من موظفي الدولة، فيما دُمّرت البنية الاقتصادية والخدمية بشكل ممنهج. ووجد قرابة ثلاثين مليون إنسان أنفسهم أسرى واقع إنساني كارثي تُنتهك فيه أبسط شروط الحياة، من الغذاء والدواء إلى التعليم والسكن والأمن.
المفارقة المؤلمة أن الأطراف السياسية الفاعلة لم تعد تطرح السؤال: “لماذا وصلنا إلى هنا؟”؛ فالإجابة تتضمّن، بشكل أو بآخر، إحراجاً لأصحاب “القضايا الصغيرة” ومشاريعهم الضيّقة. فقد كان الشعب اليمني نفسه هو القوة الوطنية الجامعة التي فتحت الطريق عبر ثورة 11 فبراير (2011)، لمعالجة جذور المظالم، بما فيها القضية الجنوبية. استجاب الشعب آنذاك لنداءات بعض القوى الانفصالية التي كانت تعد بأنها ستكون أكثر وحدوية لو تجاوب الشعب مع مطالبها بالثورة على منظومة احتكار السلطة في صنعاء، التي تتحمّل مسؤولية التهميش والفساد. كان الأمل إسقاط نموذج حكم فاسد وبناء دولة جديدة تقوم على العدالة والمواطنة المتساوية والديمقراطية وحقوق الإنسان والحكم الرشيد، غير أن الثمن الذي دفعه الشعب كان باهظاً جداً.
تحالفت القوى الانفصالية مع بعض أركان النظام القديم للتنكيل بالشعب والوطن، واستثمرت لحظة الضعف البنيوي والمأساة الإنسانية لخدمة مشاريعها الضيقة
فبدلاً من أن تكافئه القوى الانفصالية على تضحيته، تحالفت مع بعض أركان النظام القديم للتنكيل بالشعب والوطن، واستثمرت لحظة الضعف البنيوي والمأساة الإنسانية لخدمة مشاريعها الضيقة. وبنتْ مليشيات لا تهدّد الأمن الوطني اليمني فحسب، بل تهدد الأمن القومي العربي والأمن العالمي، من خلال تقديم نفسها مشروعاً وظيفياً لخدمة أجندة المشروع الصهيوني.
وفي هذا الإطار، أسهم تدخّل إقليمي داعم للمشروع الانفصالي في إلحاق أضرارٍ جسيمةٍ حوّلت هذا المشروع إلى آلة قمع فاشي. تجلّى ذلك في خلايا الاغتيالات العابرة للقارّات التي طاولت معارضين، وحملات الاعتقال والتعذيب، وإحراق مقارّ الأحزاب، والسطو على مؤسّسات وطنية، بما في ذلك مقرّ نقابة الصحافيين اليمنيين، والهجوم المتكرّر على وحدات الجيش الوطني المنخرط أصلاً في مواجهة المشروع الحوثي، ما وضع الجيش الوطني في تعز ومأرب بين كمّاشتين: “وسوى الروم خلف ظهرك رومٌ/ فعلى أي جانبيك تميل”. كما شملت الانتهاكات احتكار مؤسّسات الدولة في العاصمة المؤقتة وتحويلها إلى خدمة الأجندة الانفصالية، والانتهاكات وحملات الكراهية التي شملت البسطاء من أبناء المناطق الشمالية، عبر تقييد حركة أسفارهم واستهداف مشاريعهم التجارية، بما في ذلك بعض الباعة المتجوّلين وأصحاب البسطات والمحالّ الصغيرة. فضلاً عن استهداف الهُويّة الوطنية ورموزها، والتفريط بالسيادة الوطنية عبر التخلّي عن جزر يمنية لقواعد عسكرية مشبوهة، ومحاولة شقّ الصفّ الوطني بإثارة الأحزاب السياسية بعضها ضدّ بعض. وقد أسهمت هذه الانتهاكات كلّها بشكل مباشر في إطالة أمد الحرب وتعميق الانقسام المجتمعي.
قوبل الجميل التاريخي الذي قدّمه الشعب اليمني للقضية الجنوبية وقضية صعدة (عبر ثورته على احتكار السلطة وفتح المجال السياسي) بالنكران والإضرار المُتعمَّد. وتحوّلت هذه القضايا من مطالب قابلةٍ للحوار إلى أدوات صراع وتشطير وتدمير، وارتهنت لمشاريع خارجية؛ فأصبحت صعدة جزءاً من مشروع تقوده إيران، والجنوب أداةً في مشروع تقوده الإمارات، وتحوّل اليمن إلى ساحة حربٍ بالوكالة تُدار فوق جثث أبنائه.
وعلى مستوى الممارسة اليومية، تبلور واقع تمييزي صارخ ينتهك مبدأ تكافؤ الفرص؛ إذ حُرم أصحاب الكفاءات من حقوقهم، بينما مُنحت المناصب العليا على أساس الولاء. ويعاني عشرات آلاف من النازحين من مناطق الحوثيين إلى مناطق الحكومة الشرعية من تعسّف وزارة الخدمة المدنية، التي يسيطر عليها المجلس الانتقالي الجنوبي، بحرمانهم من مرتّباتهم رغم انخراطهم في مؤسّسات حكومية بديلة للعمل في وظائف مماثلة لوظائفهم السابقة. واستُثني النازحون الجنوبيون من سياسة الإقصاء والتجريف الاقتصادي والإهانة، في مخالفةٍ صريحةٍ لأبسط معايير العدالة.
وفي خضم المتغيّرات الجديدة في ظل هذه المأساة الشاملة، يُعاد اليوم طرح قضايا جزئية بوصفها مدخلاً للحل، وفي مقدّمتها الدعوات إلى عقد مؤتمر حول القضية الجنوبية. ورغم أنها تبدو للوهلة الأولى استجابةً لمظالم حقيقية، تثير هذه الدعوات أسئلةً جوهريةً عن جدوى المعالجات الجزئية في غياب المقاربة الوطنية الجامعة. لا يكمن الإشكال في الاعتراف بالمظالم، بل في الطريقة التي يُعاد بها طرح القضية خارج سياقها الوطني والإنساني الأشمل، وبمنطق قد يفضي (كما في تجربة المجلس الانتقالي الجنوبي) إلى صناعة مآسي جديدة، بدلاً من معالجة المأساة القائمة. لقد أظهرت تلك التجربة كيف تتحوّل قضيةٌ عادلة في أصلها إلى أداة إقصاء وتمزيق، حين تُدار بمنطق الغلبة لا بمنطق الحقوق والعدالة.
من الواضح أن غالبية الأطراف المنخرطة في الملف اليمني تتعامل مع البلاد بعدّها مجموعةَ ملفات متنازعة، لا وطناً لشعب واحد. وفي هذا المنظور المختزل، جرى إحياء قضايا فرعية فقدت مضمونها الإنساني، ودفعها إلى واجهة المشهد السياسي على حساب الحقوق الأساسية للملايين، وخدمةً لمشاريعَ ضيقة.
وتبرز قضية حضرموت المشتعلة حالياً بوصفها اختباراً حاسماً لجدية أي حديث عن معالجة عادلة. فلا ينبغي أن تتحوّل حضرموت إلى ملف استقطاب جديد أو ساحة لتجريب وصفات أمنية فاشلة، بل يجب أن تكون بوصلةً لتصحيح المنهج برمته. فاستنساخ نموذج المليشيات أو تكرار سيناريو عدن لن يؤدّي إلا إلى إعادة إنتاج المأساة ذاتها. العدالة الحقيقية لا تتحقّق بتكريس وقائع مسلحة جديدة، بل بإدماج المطالب المشروعة في إطار وطني جامع قائم على سيادة القانون والمواطنة المتساوية.
يعاني جيل كامل من الإحباط والفقر، ما يدفع كثيرين نحو جماعات العنف، ويهدّد بتفكيك الهُويّة الوطنية
ولا يمكن إغفال الأثر المدمّر للحرب على الشباب والهُويّة الوطنية؛ فجيل كامل يعاني الإحباط وفقدان الأفق، ما يدفع كثيرين نحو جماعات العنف تحت وطأة الفقر، في عملية تهدّد بتفكيك الهُويّة الوطنية الجامعة نفسها. استمرار القفز عن القضية الوطنية الجامعة والاحتماء بقضايا فرعية فقدت مشروعيتها الأخلاقية لا يعني سوى إدامة الجحيم بأدوات جديدة. فلا سلام حقيقي ولا شراكة مستدامة يمكن تصورهما ما لم يُعد الاعتبار أولاً لحق اليمنيين جميعاً في دولة واحدة عادلة، قائمة على المساواة والمساءلة، لا على الغلبة والوصاية.
ومع إدراكنا أن الدعوة أخيراً إلى مؤتمر حول القضية الجنوبية هي (في جزء منها) ردّ تكتيكي على إعلانات الانفصال، فإن المطلوب هو تجاوز هذا الطابع التكتيكي إلى الطابع الوطني الجاد. يجب ألا يقتصر الحديث عن الجنوب على حدود النزاع الآني، بل أن يكون مدخلاً حقيقياً لمعالجة القضية الوطنية الشاملة. وهذا يعني إعادة بناء الدولة اليمنية على أساس سيادة القانون والمؤسّسات وإنصاف جميع المظلومين، وترسيخ مبادئ الديمقراطية والمواطنة المتساوية والحكم الرشيد، فتتحوّل المظالم الجزئية إلى وقود لاستراتيجية وطنية شاملة توقف دورة المآسي وتعيد الأمل لجميع اليمنيين في غدٍ أفضل.

المصدر: العربي الجديد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى