
في كتابه الشهير بعنوان “تسلية أنفسنا حتى الموت” الصادر عام 1985 حول التلفزيون وتأثيره السلبي على مستوى الوعي في المجتمع، يقول الناقد الأمريكي نيل بوستمان: “لم يُصنع التلفزيون من أجل الأغبياء، بل هو الذي يُنتِجهم”. جاء هذا الكلام حول التلفزيون في وقت لم يكن تأثيره بالشمول والعمق على المجتمع كما هو الحال اليوم بالنسبة لوسائل التواصل الاجتماعي التي باتت، شئنا أم أبينا، تشكل جزءاً من حياتنا اليومية، بل وتلعب دوراً متزايداً في تشكيل المناخ السياسي والرأي العام من خلال تأثيرها المباشر على الأفراد والجماعات والقوى، وعلى طبيعة العلاقات فيما بينها.
وإذا كان هذا ينطبق على أي مجتمع، فإن السؤال الذي يشغلنا كسوريين نمر اليوم بتجربة سياسية فريدة هو ما إذا كانت وسائل التواصل الاجتماعي الأداة المناسبة للتواصل السياسي. نعتقد أنه يجب علينا التعامل مع هذه المسألة بأقصى درجات الجدية، لأننا نفترض أن هذه الوسائل لا تستند إلى مرجعية قيمية أو أخلاقية مُعتَرف بها. بصرف النظر عن وجود الكثير من المواقع والحسابات مجهولة الهوية والغاية، لا يمكننا الاعتماد على الأفراد لنشر أفكار لها تأثير معين على المجتمع في المجالات السياسية والاجتماعية والثقافية، لأن هذه الأفكار تظل في النهاية ذاتية ولا تنبع من مرجعية مؤسسية أو معيارية ثابتة.
وما يدفعنا لإثارة هذا الموضوع هو الشعور بتنامي التأثير السلبي لوسائل التواصل الاجتماعي على الوعي الفردي والجمعي للسوريين وإسهامها – بقصد أو من دون قصد – بتفكيك ما تبقى من التماسك الاجتماعي. في الواقع، تكشف المناقشات والتفاعلات على وسائل التواصل الاجتماعي سطحية واضحة في الوعي الجماعي وميلاً إلى التهور والتهاون واللاعقلانية في التعامل مع قضايا سياسية جوهرية تمس المجتمع والتعايش بين أفراده. ولذلك، من الضروري للغاية لفت الانتباه إلى هذه الظاهرة التي تعمق وتوسع الفراغ الثقافي والسطحية في النقاش السياسي، وتتيح للأصوات الأعلى، وليس الأكثر عقلانية، فرصة التعبير عن نفسها والسيطرة على المشهد، مما يعني للأسف المزيد من الانتهازية على المستوى الشخصي والفاشية على مستوى المجموعات، مما يؤدي في المجمل إلى تدهور المناخ السياسي العام.
لا نقصد، ولا نريد، إسكات الأصوات المتعطشة منذ سنوات لمعايشة هذه الأجواء من حرية الرأي والتعبير، فهذا استحقاق ثوري ينبغي علينا جميعاً الحفاظ عليه.
من أداة ثورية بنّاءة لأداة تحريضية هدّامة
كان لوسائل التواصل الاجتماعي دوراً مميزاً في سنوات الثورة، لاسيما في ظل غياب مؤسسة إعلامية ثورية. لا يمكن إنكار ذلك. لكن اليوم، بعد الإطاحة بنظام الأسد الاستبدادي، وفي وقت ينصب فيه التركيز على بناء دولة جديدة وإعادة بناء النسيج الاجتماعي، نعتقد أن الاستغراق في المساجلات العبثية العقيمة في فضاء “السوشيال ميديا” غير الواقعي لن تخدم أهداف المجتمع الطامح لبناء ثقافة سياسية حقيقية مغايرة.
ليس من المبالغة القول إن وسائل التواصل الاجتماعي بشكل عام، وفي ظل الظروف السورية بشكل خاص، تبدو أداة غير عقلانية وغير منتجة. يمكننا الإشارة لطيف واسع من المؤثرات تبدأ من الدعاية السياسية الداعمة للسلطة السياسية بشكل مطلق، وتنتهي بالدعاية السياسية المتطرفة في معارضتها للسلطة ولكل ما تم ويتم تحقيقه على أرض الواقع. وبين هذا وذاك، يتلاشى ما تبقى من الوعي السياسي والقدرة على التفكير المنطقي والعقلاني والواقعي.
لا يمكن تجاهل تأثير هذه الوسائل على المجتمع، لأنها متاحة للجميع للحصول على المعلومات بسرعة. ولكن في الوقت نفسه، سيكون من الخطأ تجاهل عمق التناقضات التي تزرعها في المجتمع من خلال نشر معلومات خاطئة بهدف التضليل أو التلاعب بمحتوى المعلومات والأخبار. وتتجلى خطورة الأمر في أننا نلاحظ اعتماداً متزايداً ومتنامياً على الحصول على المعلومات من خلال ما يسمى اليوم بـ “المؤثرين” و”صُنَّاع المحتوى”، وهذا ينطبق حتى على أولئك الذين يصفون أنفسهم على أنهم “صُنَّاع محتوى هادف”، وهذا كله في خضم تنافس محموم للانتهازيين والوصوليين للظهور وإثبات الوجود الاستعراضي.
لا نقصد، ولا نريد، إسكات الأصوات المتعطشة منذ سنوات لمعايشة هذه الأجواء من حرية الرأي والتعبير، فهذا استحقاق ثوري ينبغي علينا جميعاً الحفاظ عليه. لكن هذه الحرية تخضع في الممارسة العملية لمبادئ أخلاقية وحدود وقواعد. فالتجييش الدعائي (البروباغاندا الرخيصة) والتحريض الطائفي، والشعبوية ليست حرية تعبير ولا يمكن أن تكون كذلك، بل هي وسائل يمكن اللجوء إليها بسهولة لتحقيق أهداف لا تخدم إنجازات الثورة السورية وعملية إعادة بناء السياسة السورية.
صناعة فن الانتهازية السياسية
قد يكون لدينا جميعاً دافع لا شعوري وربما فطري يدفعنا إلى اللجوء إلى ما هو سهل ولا يسبب لنا أي مشقة. لكن الاعتماد على هذه الوسائل، التي لا يمكن اعتبارها موثوقة أو ذات مصداقية بأي شكل من الأشكال، كمصادر في تحليل القضايا السياسية والاجتماعية، هو مؤشر خطير على تدهور العقلية الجمعية والثقافة السياسية للمجتمع.
ما تنتجه وسائل التواصل الاجتماعي في الوضع الحالي في سوريا هو فن الانتهازية السياسية والتلاعب الاستخفافي بالمستوى الفكري والنقدي للإنسان السوري الذي يسهم بدوره بهدم وعيه وبترسيخ سلطة أفكار الآخر على منظومة أفكاره عندما يتقبل هذه الأفكار كما هي من دون وجود الحافز الفكري أو الفضول المعرفي للتحقق من صحتها. كما أنه غالباً لا يفكر في الغرض أو الغاية من نقل هذه المعلومات أو عن إمكانية وجود تصورات أخرى مختلفة.
تكمن الخطورة إذاً في أن وسائل التواصل الاجتماعي تحول الأفراد لمجرد آلات أو أدوات قابلة للاستهلاك، لكن غير قادرة على الإنتاج، تتلقى المدخلات (المعلومات) من دون القدرة على معالجتها ونقدها، وهذا
يؤدي إلى السيطرة عليهم وتقييدهم ضمن واقع يتميز بنظام قيم معين يُفرض عليهم، وقد يكون بعيداً كل البعد عن الواقع الفعلي وعن أنظمة القيم والأخلاق الخاصة بهم.
قد تبدو أفكارنا تعميمية ولا تأخذ وجود استثناءات بعين الاعتبار، لكن لا يتسع المقام في هذا المقال إلا لمعالجة سريعة وغير متمايزة، لأن ما شهدناه ونشهده من تفاعل في وسائل التواصل الاجتماعي ومن أداء “المؤثرين” و”صُنَّاع المحتوى” منحنا صورة واضحة عن التشويه العميق الذي أصاب الثقافة السياسية السورية.
في الحاجة للتفكير النقدي ونقد الذات
ما نجحت وسائل التواصل الاجتماعي في تحقيقه منذ سقوط نظام الأسد هو تجريد القضايا والمسائل السياسية من مضمونها وعمقها، مما أدى إلى إضعاف وتبسيط النقاش التفاعلي حول هذه القضايا. وبالتالي، أصبح من السهل تبرير الاتجاهات الأيديولوجية والتحريضية التي لا تزيد سوى من انقسام المجتمع، وهكذا يتحول حق التعبير عن الرأي إلى حق مُشَوه يُستغل في التحريض والدعاية والشعبوية. ولهذا السبب، لا نعتقد أنه من الصواب أن تملأ وسائل التواصل الاجتماعي الفجوة الحالية التي تسهم هي نفسها بإنتاجها من خلال تفكيك الخطاب السياسي التواصلي.
لا يمكن تحقيق أي بناء سياسي فعلي، أي التغيير بالمعنى الثوري الحقيقي، إلا من خلال أفراد واعين قادرين على التفكير النقدي والموضوعي. وهذا ليس ما تنتجه وسائل التواصل الاجتماعي. على العكس من ذلك، فهذه تحاول القضاء على قدرات الناس وتحويلهم إلى مجرد أفراد تحركهم هي بدلاً من قدراتهم العقلية الذاتية. نحتاج لتوجهات مؤسساتية ومدروسة لدعم الفكر الذاتي والتفكير النقدي والموضوعي، نحتاج لاستثمار مباشر وأكبر في القدرات العقلية والفكرية للإنسان السوري، وهذه وظيفة الدولة والمؤسسات والنخبة والأسرة، ومهمة الفرد نفسه أيضاً.
قد تبدو أفكارنا تعميمية ولا تأخذ وجود استثناءات بعين الاعتبار، لكن لا يتسع المقام في هذا المقال إلا لمعالجة سريعة وغير متمايزة، لأن ما شهدناه ونشهده من تفاعل في وسائل التواصل الاجتماعي ومن أداء “المؤثرين” و”صُنَّاع المحتوى” منحنا صورة واضحة عن التشويه العميق الذي أصاب الثقافة السياسية السورية وما زال يصيبها، والتي ينبغي أن نسعى جميعاً لترميمها وإعادة انتاجها على أساس منظومة معيارية وأخلاقية ذات مناعة أمام صناعة فن الاستهتار بالقيم والعقل والأخلاق.
المصدر: تلفزيون سوريا






