إيران وأزمة إدارة ملفاتها الإقليمية الجانب التركي قد يكون في وارد استدراج إيران واستعجال المواجهة معها

حسن فحص

لعلّها من الحالات النادرة، وتكاد تكون الأولى من نوعها، أن يصدر بيان عن ما أطلقت عليه إيران “المركز الاستشاري العسكري” في سوريا، أي مركز إدارة الوجود العسكري للقوات الإيرانية والمتحالفة معها في سوريا، يحمل تحذيراً واضحاً للقيادة التركية السياسية والعسكرية من مغبة الاستمرار في استهداف القواعد والمراكز العائدة لقواتها وقوات حلفائها في محافظتي حلب وإدلب. وهو البيان الذي صدر بعد استهداف الجيش التركي هذه المواقع بقصف مدفعي مركّز نتج منه سقوط نحو 10 عناصر من حزب الله اللبناني، إضافةً إلى عدد من الفصائل الأفغانية والباكستانية التابعة لقوات “فيلق القدس”، وذلك بعد تعرض قافلة تركية لغارة جوية أدت إلى سقوط أكثر من 35 قتيلاً في صفوف عناصرها.

البيان، في الشكل، يُعتبر تحولاً نوعياً في التعامل الإيراني مع الساحة السورية، وحمل اعترافاً مباشراً بدخول الوجود العسكري الإيراني مرحلة إعطائه الطابع الرسمي، الذي يمكن اعتباره نقلة نوعية أُجبرت على اتخاذها القيادة الإيرانية وحلفائها في سوريا بعد النكسة التي تعرّضت لها عقب اغتيال المسؤول الأول عن الملف الجنرال قاسم سليماني.

هذا التحول، يكشف بشكل غير مباشر، عن الجهود التي تبذلها القيادة الإيرانية في إدارة الملفات الإقليمية، ويوحي بحجم الإرباك الذي تعانيه لسد الفراغ الذي نتج من تغييب سليماني عن هذه الساحة، خصوصاً في آلية إدارة العلاقة بين اللاعبين الإقليميين والدوليين الفاعلين على الساحة السورية بخاصة والإقليمية عموماً، والتي بدأت بالظهور من خلال ما تواجهه القيادة الإيرانية في الحد من التداعيات السلبية الناتجة من التطورات التي تشهدها الساحتين السورية والعراقية، وغياب سليماني الذي شكّل ضابط الإيقاع في إدارة هذين الملفين، إن كان بين الفصائل العراقية والقوى المعارضة للوجود والنفوذ الإيرانيَّيْن في العراق، وإن كان في إبقاء الصراعات على النفوذ بين اللاعبين الإقليميين والدوليين على الساحة السورية بعيداً من المواجهة المباشرة بينهم، خصوصاً بعد غياب عرّاب الدخول الروسي إلى الميدان السوري وضابط الارتباط في رسم الحدود أمام الطموحات التركية.

التطورات الأخيرة والاستهداف التركي للوجود الإيراني وحلفائه في مناطق العمليات العسكرية في ريف حلب الغربي والشمالي، قابله تمسك إيران بالدعوة إلى ضبط النفس تركية على غرار الإيرانية، في ظل اعتقاد إيراني بأن التوتر العسكري بين تركيا من جهة وسوريا وحليفتها روسيا من جهة أخرى لن تنتقل إلى مستوى أكثر حدّة، على الرغم مما تحمله التطورات الأخيرة بخروج هذه الأطراف من مرحلة المراعاة والاحتياط وسعي كل منها لحسم المعركة لصالحه.

من هنا، يمكن أن الضربة التركية، وإن كانت انتقامية، إلاّ أنّها جاءت ضد طرف غير معني بالمعركة الميدانية التي تجري في محافظة إدلب، ولم يكن شريكاً عملياً في التفاهمات التي عقدها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مع نظيره الروسي فلاديمير بوتن حول إدلب في سوتشي، فطهران وحلفاؤها في سوريا لم يكونوا في وارد المشاركة في أي معركة ميدانية في إدلب، انطلاقاً من أن الأزمة في هذه المنطقة تدخل في إطار الحلول السياسية التي تم التوافق عليها بين الجانبين التركي والروسي. من هنا، يمكن التقدير بأن عودة اللاعب الإيراني وحلفائه إلى إشعال الجبهة في ما تبقّى من ريف حلب الشمالي والغربي يدخل في إطار الرؤية الإيرانية التي برزت بعد اغتيال سليماني، والتي عبّر عنها الأمين العام لـحزب الله اللبناني بالذهاب إلى حسم الملفات، تمهيداً للتفرغ للمواجهة المرتقبة بين محوره مع الوجود العسكري الأميركي في منطقة غرب آسيا، وإنّ حسم ما تبقّى من جيوب لفصائل المعارضة السورية خارج حلب، يدخل في إطار التحضيرات الميدانية لما يعتبره المحور الإيراني محاصرة الوجود الأميركي على الأراضي السورية، من منطلق أنّ إنهاء هذا الوجود يضعف الحجج الأميركية في استمرار الانتشار في العراق لانتفاء الحاجة إليه كمركز دعم للقواعد السورية، بخاصة أن استعادة السيطرة على كامل الأراضي السورية يُسقط الذرائع الأميركية لمواجهة بقايا خلايا “داعش” والإرهاب.

القيادة الإيرانية لا تسقط من حساباتها في التعامل والتعاطي مع التطور العسكري بين محورها والجانب التركي إمكانية وجود نوايا لتوريطها في معركة إدلب التي لا ترغب في الانغماس فيها، إن كان لجهة الطرف الروسي غير القادر على حسم المعركة هناك من دون قوات ميدانية تستطيع توظيف الغطاء الناري الذي توفره القوة الجوية الروسية لتحقيق تقدم ميداني، وإن الجهة القادرة على ذلك يمكن لطهران وحلفائها أن توفرها بعدما كشف الجيش السوري مراراً عن فشله في إنجاز هذه المهمة، خصوصاً على جبهة إدلب.

أما الجانب التركي، فإنه قد يكون في وارد استدراج إيران واستعجال المواجهة معها، وقطع الطريق على تثبيت مواقعها في الساحة السورية كشريك فاعل في رسم مستقبل هذا البلد على حسابه، ما يعني أنه وصل إلى مرحلة متقدمة من عدم الثقة بينه وبين طرفي التفاهمات على الساحة السورية – روسيا وإيران- لجهة أن المسار الثلاثي في أستانا والثنائي في سوتشي لا يثمران سوى فرض المزيد من التنازلات التركية على الساحة السورية من دون الحصول على المردود العادل لهذه التنازلات، خصوصاً في ما يعني النفوذ التركي على الساحة الليبية التي تشكّل حاجة استراتيجية لأنقرة لجهة معركة وجودها في الخريطة الدولية لحروب الطاقة.

التروّي الإيراني والدعوة إلى ضبط النفس تركية، قد يكون من منطلق حرص طهران على عدم إشعال المزيد من الحرائق حولها وفي مناطق نفوذها قد تعقّد المشهد عليها. بالتالي، فإن الدعوة التي أطلقها الرئيس الإيراني حسن روحاني لاستضافة بلاده قمة ثلاثية بينه والرئيسين التركي والروسي تدخل في إطار الجهود التي تبذلها طهران لتأجيل المواجهة المقبلة بينها وبين تركيا على مناطق النفوذ المشتركة في منطقة غرب آسيا والتي قد لا تقتصر على الساحتين السورية والعراقية، بل من المحتمل أن تمتد إلى مناطق آسيا الوسطى والقوقاز، مروراً بأفغانستان وباكستان.

المصدر: اندبندنت عربية

اترك تعليقاً
0

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى