واشنطن بعد “ردع العدوان”.. تموضع جديد أم مشروع مستجد؟

سمير صالحة

قلبت عملية “ردع العدوان” الموازين السورية والإقليمية رأسًا على عقب، لتفتح صفحة جديدة في لعبة النفوذ والتوازنات. يبدو أن اللاعب الأميركي هو من حصد ثمار النتائج أكثر من غيره، حيث استغل الفراغ السياسي والاستراتيجي في سوريا لصالحه بطريقة غير مسبوقة، مع إعادة صياغة قواعد اللعبة على الطاولة السورية بعد سنوات من الغياب شبه الكامل عن المشهد.
من الثوابت المعروفة في السياسة الأميركية أن لا مكان للصدف في حساباتها، وأنها لا تعود إلى أي ساحة من دون هدف محسوب. خلال عام واحد فقط استطاعت واشنطن فرض نفسها كلاعب أساسي. السؤال يبقى: ما الذي تبدل، ومن ساعد أميركا على التقاط الفرصة والعودة بهذا الزخم الذي يفتح لها أبواب صناعة الحل في سوريا؟ وهل ستتمكن من تثبيت هذا التموضع وسط التوازنات الإقليمية والدولية المتشابكة، أم أن المشروع الأميركي لم يكتمل بعد، وهناك تفاصيل وجزئيات تتطلب خلط الأوراق وتوزيع الأدوار وتقاسم النفوذ من جديد؟
ما حدث في الأيام الأولى لعملية “ردع العدوان” كان الزلزال بعينه: تفكك النظام الذي بدت قوته الروسية -الإيرانية شبه مطلقة أمام أعين الجميع خلال ساعات قليلة، وهرب الأسد وأعوانه إلى موسكو، وسقطت التوازنات المحلية والإقليمية التي كان يعتمد عليها، وظهرت مشاهد سوريا الجديدة في الميادين بانتظار أن يظهر الشرع وأعوانه أمام العدسات. واشنطن هي التي التقطت رسالة شركاء الملف السوري حول فشل كل المؤتمرات والقمم والطاولات بعيدًا عنها، حيث أصبحت الخيارات شبه معدومة، وكان مطلوبًا دعم أميركي مباشر، وهو ما تحقق سريعًا.
استفادت أميركا من التحولات التي ظهرت بعد “ردع العدوان”، من خلال طرح رؤية جديدة هدفها تسجيل اختراقات سياسية وأمنية واقتصادية تعيدها إلى قلب المشهد الإقليمي. ما ساعدها على ذلك هو التخبط المزمن في الملف السوري الذي أرهق جميع اللاعبين ودفعهم لقبول تسليم مفتاح اللعبة لأميركا، التي حققت أهدافًا ملموسة خلال أقل من عام بالمقارنة مع شركاء الطاولة السوريين الذين فشلوا رغم أكثر من ثلاثة عشر عامًا من المناورات والتخطيط.
استفادت أميركا من التحولات التي ظهرت بعد “ردع العدوان”، من خلال طرح رؤية جديدة هدفها تسجيل اختراقات سياسية وأمنية واقتصادية تعيدها إلى قلب المشهد الإقليمي
واشنطن اليوم تتكفل بوضع الجميع تحت جناحيها في سوريا: تحاصر النفوذ الإيراني والروسي، وتنسق مباشرة مع السوريين والأتراك والإسرائيليين والعواصم العربية الفاعلة، بينما كان الآخرون يلعبون أوراق التفتيت والإيقاع بين الأطراف للسيطرة على اللعبة. هي من تطرح رسم خرائط إقليمية مستقبلية، وتعقد الصفقات، وتوزع جوائز الترضية، ما يجعلها لاعبًا محوريًا لا يمكن تجاوزه في أي تسوية مستقبلية.
كان إلتحاق واشنطن بالمعادلة السورية الجديدة مدروساً بعناية: مشهد سياسي وامني معقد على الأرض. إنسداد سياسي شبه كامل في الملف بعد أكثر من عقد على إندلاع الثورة. إصطفاف إقليمي مصحوب بالكثير من التوتر والارتباك. إدلب البقعة الجغرافية الوحيدة المتبقية بيد قوى المعارضة بمنفذ تركي يريد النظام الوصول إليه. وتحرك عسكري إسرائيلي على اكثر من جبهة مرتبطة بالمشهد السوري.
استغلت أميركا هذه البيئة بحرفية عالية: روسيا منشغلة بالملف الأوكراني وتوتر علاقاتها مع الغرب. إيران تواجه عزلة وضغوطًا إقليمية وسياسية وأمنية من كل جانب، تركيا تعيد ترتيب أولوياتها داخليًا وخارجيًا وتراقب التكتل الإقليمي الجديد الذي تحاول تل أبيب تشكيله. والعواصم العربية الفاعلة تراهن على واشنطن لبناء معادلات جديدة تعيد الاستقرار إلى المنطقة.
واشنطن اليوم ليست متفرجة، بل فاعل قادر على إعادة رسم خطوط التوازن وفرض “الواقع” الأميركي على الجميع. بين أهدافها السورية: إدارة التوازنات مع تركيا وروسيا والقوى العربية، وضبط الخطوات والمناورات الإسرائيلية، والحؤول دون عودة النفوذ الإيراني إلى سابق عهده، وتوظيف وجودها لصالح أن تكون الضامن الأكبر لأي تفاهمات إقليمية تحمي مصالحها الاستراتيجية.
بقدر ما كانت زيارة الرئيس الشرع إلى واشنطن محطة مفصلية لتحديد أولويات العلاقات بين البلدين، ولإظهار قدرة دمشق الجديدة على التفاعل مع القوى الكبرى بشروطها، دون العودة إلى تبعيات الماضي. ظهرت أيضا حسابات وأهداف اميركا في سوريا الغد والتي تتجاوز مجرد التواجد العسكري، إلى السعي لبناء شبكة علاقات استراتيجية بمسار سياسي واقتصادي مع القيادة السورية الجديدة.
تعلمنا تجربة سوريا الجديدة أن القوة ليست في التحدي العسكري وحده، بل في قراءة تحولات المشهد السياسي والتعامل معها عبر استثمار الفرص، وسط شبكة من التوازنات المحلية والإقليمية. نجحت أميركا في قراءة اللحظة واستثمار التطورات المتلاحقة لذلك تجلس اليوم أمام طاولة المساهمة في بناء سوريا الجديدة والمشاركة الفعلية في رسم خطط التفاهمات والتسويات، وإثبات قدرتها على ضبط الإيقاع السياسي والأمني بتفرعاته الإقليمية.
وتثبت تجربة واشنطن في سوريا الجديدة أن التحرك المبكر والشراكة الاستراتيجية مع القوى الإقليمية، واستثمار الفراغ السياسي والفرص المتاحة، ودعم البيئة الإقليمية والدولية، من الأمم المتحدة وحتى الاتحاد الأوروبي منحتها جميعا فرص ضبط الإيقاع السياسي والأمني في سوريا اليوم.
في الشرق الأوسط، لا تتغير الأمور إلا عندما تتعرض حسابات الكبار ومصالحهم للخطر. وسوريا لم تكن بعيدة عن هذه المعادلة التي سهلت جلوس اللاعب الأميركي على رأس الطاولة الجديدة. من هنا تقدم سوريا الجديدة، مساحة للولايات المتحدة يمكن من خلالها أن تلعب دورًا محوريًا في صياغة المعادلات والتوازنات في إطار الحفاظ  على مصالحها الاستراتيجية ، لكن الأولوية هي المساهمة في عملية إعادة بناء سوريا ودعمها في مسارها الإنتقالي.
نجحت واشنطن في اقتناص اللحظة، لكن المشهد السوري ما زال يحتاج الكثير من الجهد والصبر. ويبقى السؤال: هل ستتمكن أميركا من تثبيت موقعها وسط شبكة التعقيدات السورية والإقليمية المتحركة، أم أن الترتيبات المقبلة قد تفرض مشهدًا لا ينسجم مع حساباتها في سوريا؟

المصدر: تلفزيون سوريا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى