
تشهد الحركة الدبلوماسية السورية في الخارج نشاطًا كثيفًا وغير مسبوق، من أجل إعادة وصل ما انقطع مع الدول الكبرى والدول العربية وكل الدول المؤثرة في العالم، وهذا البعد السياسي يأخذ تموضعه من خلال الاشتغال على الكثير من الملفات، التي كانت وماتزال عالقة مع غير دولة في العالم، وهو إرث ثقيل ورثته الحكومة السورية الحالية، بعد فرار بشار الأسد إلى موسكو في 8 كانون أول / ديسمبر الفائت، وسقوط نظام الفساد والإفساد الأسدي برمته.
وإذا كان النشاط الخارجي والحركة الخارجية بمجموعها مهمة وضرورية، خاصة ما يتعلق منها بزوال العقوبات بكليتها، عن كاهل السوريين، وإعادة تموضع السياسة الخارجية والعلاقات البينية من جديد، وعلى أسس جديدة، تقوم على الاحترام المتبادل بين الدول، فإن هناك العديد من الملفات وكذلك التحديات الداخلية، في مجمل بقاع الجغرافيا السورية، هي الأخرى ماتزال تنتظر الحل، بل لعلها باتت الأكثر ضرورة والأشد إلحاحًا، فالداخل السوري ما يزال يعاني من حالات كثيرة من التشظي والتفتت، ومازال السوريون ضمن حالة بعد عن إطلاق الحوار الجدي والضروري بين كل السوريين، وما برح العقد الاجتماعي السوري المراد الوصول إليه، بعيد جدًا عن التحقق واقعيًا.
نعم هناك انشغالات خارجية كثيرة لدى الرئاسة وصناع القرار السوري ، والحكم الجديد في سورية، لعلها جميعًا تحول حتى الآن وتمنع من الالتفات الجدي نحو التصدي للتحديات والملفات الداخلية الأكثر تعقيدًا والتي طال انتظارها، وكثر اللغط والقيل والقال حولها، وهي في الواقع إن لم يتم الإسراع في حلها، فإن واقع التشظي والتفتت الداخلي السوري قد لا يكون بعيدًا عن الواقع، بل يبدو أنه سيكون على مقربة من التحقق العملي الممارس، ومن هذا الإشكاليات المهمة إشكالية محافظة السويداء وجبل العرب، التي مازالت تراوح بالمكان وسط تمنع حكمت الهجري ومجموعته العسكرية عن الدخول المجدي والحقيقي نحو حلها، ومازالت حكومة دمشق عاجزة عن الخروج من عنق الزجاجة، وصولًا إلى حل إشكالية أهل السويداء، ومن ثم الحد إن لم يكن منع حالات التدخل الإسرائيلي في الجنوب السوري واللعب بورقة الأقليات أو الطوائف والأثنيات. صحيح أن التدخلات الإسرائيلية كانت ومازالت تحول دون الوصول إلى اتفاق وحل وطني سوري، يعيد السويداء إلى بوتقة الوطن السوري، لكن من المعقولية السياسية أيضًا أن نقول: إنه لا جدية حقيقية فاعلة من أجل حل عملي حقيقي، يتم عبره محاسبة المرتكبين قضائيًا، وإرسال رسائل اطمئنان لأهل السويداء عن مستقبلهم الوطني المندمج في الحالة السورية، كما أن الحوارات منقطعة، ولا مبرر أبدًا لانقطاعاتها، ولا يمكن أن تبقى مثل هذه القضية الوطنية المهمة والخطيرة معلقة ومتروكة للزمن، أو متروكة أيضًا لما ستسفر عنه نتائج المفاوضات القادمة بين دمشق وإسرائيل . لعله من العقلانية السياسية أن نقول وبوضوح لابس فيه: أن هناك محاولات كثيرة سياسية سلمية واقعية، لابد من المضي بها، بشجاعة وقوة وبمزيد من العقلانية السياسية، قبل أن يفوت الوقت وتمضي اللحظة الزمنية السانحة حاليًا.
ناهيك عن المعضلة الأكبر شمال شرق سورية التي مازالت معطلة، وغير فاعلة رغم تصريحات براك المبعوث الأميركي التي تحض قسد على الاندماج ، ورغم كل ما حصل في الخارج لدى زيارة الرئيس السوري إلى واشنطن ونتائجها الايجابية، أي بالرغم من الضغوط الأميركية المفترضة على قسد، والتدخلات الدولية في إنفاذ وتطبيق اتفاق ١٠ اذار/ مارس الماضي، فمازال هذا الاتفاق بعيدًا عن إمكانية التنفيذ ومازالت شروط قسد مثل موضوع اللامركزية السياسية، والاندماج العسكري داخل مؤسسة الجيش السوري على أساس البقاء ككتلة عسكرية واحدة وازنة وقوية بعيدة جدًا عن التطبيق، أو القبول السوري. ورغم النقاش المستمر في مسألة بديلة وهي الحل الثالث الذي قد يكون مخرجًا من هذا العثار الكبير، لكنه هو الآخر لا يبدو أنه قد أصبح ناجزًا، وهو الذي يطرح فكرة بقاء جزء من تنظيم قسد العسكري كتلة واحدة، وهو الجزء المهتم بقضية الإرهاب ومحاربة داعش، وتكون قيادته بدمشق، وليس في الحسكة، وأن يتم حل باقي عناصر قوات قسد الكبيرة التي يتجاوز عديدها الآن عتبة ١٠٠ألف مقاتل حسب تقديرات الخبراء. هذا الحل الثالث مازال متداولًا بين ثنايا الحوارات والمفاوضات، لكنه لم ينجز بعد، علمًا أن وفدًا من قسد سيتوجه قريبًا إلى دمشق، ليتم استثمار لقاء الرئيس الأميركي دونالد ترامب مع الرئيس السوري أحمد الشرع وصولًا إلى حل واقعي شمال شرق سورية يقبله الجميع.
في الداخل السوري أيضًا مازال مجلس الشعب المنتخب لم يبدأ أعماله بعد، في انتظار تعيين الثلث من قبل رئاسة الجمهورية، ويبدو أن انشغالات الرئاسة بالخارج، وزيارات ولقاءات الخارج، قد أخرت هذا التعيين الضروري، لانطلاق المجلس، وعلى أجندته الكثير من القوانين، التي تنتظر الاشتغال عليها، وملء الفراغات، ومواكبة حالة التغيير الكبرى الجارية في سورية، توطئة إلى التعبير الفعلي عن متطلبات السوريين الكثيرة والمحقة.
إن السياسات الخارجية وحراكها العملي مهم وضروري، لكن لا أعتقد أنها أهم من متطلبات الداخل السوري الصعبة، وندرك كسوريين مدى صعوبة ذلك، وارتباطه أحيانًا بحراك الخارج الدبلوماسي، إلا أن من يتابع جملة حراك وإجراءات الداخل، يرى وبوضوح مدى تأخرها وعدم قدرتها على اللحاق بمسارات الخارج السياسي والدبلوماسي، الذي يسير بسرعة فائقة، ويحقق ما عجزت كل الحكومات السابقة عن تحقيقه.
فهل تشهد الحالة السورية الداخلية قريبًا المزيد من اللحاق بركب التسارع الكبير، الذي نتابعه على مستوى السياسات الخارجية، وإقامة العلاقات المهمة السياسية والاقتصادية مع الدول الأخرى في العالم؟ أم أن الأمور ومساراتها الداخلية ستبقى على حالها وهناك ما يمنع من احتمالات حراكها الجدي والمتسارع؟
المصدر: موقع المُحَمَّرة


