وليمة قتل في البصرة

ولاء سعيد السامرائي

حادثة قتل واغتصاب وتعذيب ما تزال تهزّ العراق وشعبه يوماً بعد آخر من أربيل الى بغداد والنجف والبصرة وميسان منذ حدوثها قبل أكثر من أسبوعين، ضحيتها شابة تُدعى بان زياد طارق، وهي طبيبة نفسانية ورئيسة لجنة الصحة النفسية في إدارة صحة البصرة، يتابعها على موقعها الطبي الخاص بتربية الأطفال أكثر من 270 ألف متابع على شبكات التواصل الاجتماعي، عرفها أساتذتها وأصدقاؤها وزملاء العمل بالنشاط والحيوية والمهنية والإنسانية، فهي لم تكن فقط طبيبة عادية، بل إنسانة صاحبة مبادئ عالية لا تقبل التنازل ولا المتاجرة بمهنتها كما تفعل اليوم الغالبية الصامتة في كل مرافق اللادولة لعملية الاحتلال السياسية للمنطقة الخضراء، المنخورة بعصابات الفساد والمافيات ومرتزقة المليشيات الولائية. ولأنها رفضت كتابة تقرير كاذب تحنث فيه بقسم مهنتها، بصفتها طبيبة أولاً، وأن تزّور حالة قاتل، هو أخو زوجة محافظ البصرة المحكوم عليه بالإعدام لقتله زميلة له تعمل في الكلية نفسها، وتُشخصّها بالجنون، بغرض تخفيف حكم الإعدام الصادر بحقه وإحالته إلى المستشفى، فقد تقرّر أنهاء حياتها.

كان الخبر الذي انتشر بسرعة فائقة على مواقع التواصل الاجتماعي فجيعة أغضبت العراقيات والعراقيين، بدءاً من البصريين صعوداً إلى مدن النجف وكربلاء والسماوة وبغداد وأربيل الذين خرجوا حالاً بالمئات في احتجاجات غاضبة تشبه احتجاجات انتفاضة تشرين عام 2019، بعد أن فضحت الحلقة السياسية الأعلى في المدينة نفسها أمام الناس بالتدخّل غير القانوني في تقرير المستشفى وبالثرثرة والغرور ومناكفة البصريين والشعب العراقي علناً من شاشة قناة الأولى الحكومية، حيث مشهد تواطؤ المذيعة مع نائب اعترف وصرّح في اللقاء أنه يعرف كل شيء عن القضية، ولا يقول بأي صفة، واصفاً الوفاة مرّة بأنها انتحار، وادعى في أخرى أن من قتلها هو أخوها، عبر تدوينة استهزاء بالأخرين، نشرها على حسابه، وأعاد تكرارها مع المذيعة، ناسياً كلامه عن الانتحار، لكن ثرثرته وتفاخره بمنصبه نائباً فضحاه أمام الملايين الذين تابعوه لمعرفة ما سيقوله.

فهم الجميع، بعد نشر جثة المغدورة وصور حمّام بيتها الذي نقلت إليه وعذبت فيه، أن الطبيبة لم تنتحر ولم يقتلها أخوها، بل قتلت بأبشع طريقة على يد جهات سياسية مهيمنة على المدينة، منها هذا الذي يعرف كل شيء عن الحادث.

الطبيبة لم تنتحر ولم يقتلها أخوها، بل قتلت بأبشع طريقة على يد جهات سياسية مهيمنة على المدينة

كانت الطبيبة بان زياد المرأة القوية والإنسانة الشجاعة التي ترفض الخنوع والانصياع للقتلة الذين ينشرون الموت في كل البصرة، أنهت كواتم مسدّساتهم الناشطات والناشطين والصحافيين والمصوّرين في المدينة، من أحمد عبد الصمد إلى زميله المصوّر صفاء غالي وعشرات آخرين الناشطين والمحتجين في التظاهرات، معلنين على الملأ مسؤولية قتلهم بحجّة أنهم أولاد سفارات أجنبية. تضرب هذه المليشيات من جديد وتقتل الدكتورة بان زياد طارق، بعد قتل سارة العبودي الموظفة في كلية التربية الرياضية والناشطة التشرينية رهام يعقوب وعشرات من النساء، ما دعا متظاهرات ومحتجات على الجريمة إلى أن يرفعن لافتات تحمل جملة “من هي التالية؟” ويطالبن بكفّ العنف المتزايد ضد النساء في كل مدن العراق. وبسرعةٍ أيضاً، رفع زملاء الطبيبة وموظفو المستشفى وزميلاتهم أصواتهم، وتوجّهوا إلى إدارة المستشفى التي لم يكتب الطب الشرعي فيها حقيقة ما جرى للطبيبة من تعذيب وإتلاف أعضاء في جسدها، وهم يهتفون بأن التقرير باطل، وأن تزييف الحقائق باطل، وأن قتل النساء باطل، وأن انتحار بان باطل، وهو ما ردّده المتظاهرون والمتظاهرات في كل مدن العراق.

وقبل حادثة قتل بان، أُوقفت المحامية الشجاعة زينب جواد التي تظهر على القنوات الإعلامية بشكل منتظم، وتجرّأت في الرد على أحد أصحاب العمائم المتعالية والمحتقرة النساء بالقول “حي الله ابن الناقصة”، في ردٍّ منها عليه لقوله إن النساء ناقصات عقل، وهي إجابة لا تغتفر عند مرتزقة المليشيات الذين وضعوا اسمها على قائمة المطلوبين للتأديب. وقبل أسابيع، وعند عودتها من أربيل، عملت مجموعة مليشياوية على احتجازها ساعات هي وزميلة لها وسائق العربة، وذلك بحجّة تشابه في الأسماء، ثم بدأوا التحقيق معها وسؤالها عن انتساب أخيها إلى “سرايا السلام”، التابعة لمقتدى الصدر، لكن الحقيقة أنها كانت على لائحة النساء اللواتي يجب معاقبتهن وإعطاؤهن درساً في الأخلاق كما يعتقدون. وكانت زينب جواد صوتاً مسموعاً وقوياً وصاحبة حجّة في عملها محامية وصوتاً للدفاع عن قانون الأحوال الشخصية الذي أراد هؤلاء تمزيقه، ووضع قانون متخلف يسلب حقوق المرأة والأطفال والإرث والحضانة، إذ اعتبر الطائفيون والأميون والمتعصّبون من القتلة واللصوص دفاعها عن المرأة وحقوقها عورة وعيباً وتجاوزاً على الرجال، ولقد تمكّنت بكلام طيب من إقناعهم بإطلاق سراحها، لكنّهم صادروا هاتفها وهدّدوا أصدقاء لها برسائل ونشروا صورها الشخصية على مواقع التواصل الاجتماعي انتقاماً منها. وبعد خروجها في أحد البرامج وفضحها تصرّفاتهم ذهبوا إلى بيتها وكسروا ما في داخله، ما اضطرّها لترك البيت والمدينة والذهاب إلى شمال العراق في أربيل.

المحامية زينب مهدّدة بالقتل، ويمكن أن تقتل كما قتلت بان، وقبلها سارة وتارة ورفيف ورهام، وهو ما لا يخفى على فائق زيدان رئيس المحكمة العليا الذي تحرّك بسرعة البرق لنجدة المهيمنين لغلق ملفّ بان، وأصدر بياناً يوكّد فيه ثقته بمهنية محكمة استئناف البصرة الثالثة (كتبت التقرير الطبي الناقص بحسب طلب حكومة المدينة)، والذي رغم توصية رئيس الوزراء، محمد شياع السوداني، الذي تحرّك قليلاً تحت ضغط الشارع، وأوصى بمتابعة قضية الطبيبة، والإسراع بكشف الحقائق، إلا أنه لن يعيد بتاتاً فتح القضية، وسينتهي بعد المماطلة ومضي الوقت وهدوء الناس بالقول إن تقرير محكمة البصرة مهنيٌّ وشفافٌّ لا غبار عليه، لأن هذا الشخص، ببساطة، تابع لهذه المليشيات، بدليل أن محافظ البصرة لملم الفضيحة بسرعة، ووجد طبيباً قال إن الحادثة جنائية وليست انتحاراً، فانقض عليه ليلبسه تهمة القتل وتهمة الانتساب لحزب البعث، الجاهزة التي تلصقها الحكومة كما يحلو لها بمن تريد التخلّص منه، وهاجمت الطبيب مجموعة من الغوغاء واعتقلته وحطمت مسكنه، من دون أي مسوّغ قانوني.

جريمة قتل فضحت بشكل واسع إقليمي ودولي ما تقوم به حكومة المنطقة الخضراء في المدينة المصدرة الأولى لنفط العراق

ولقطع الطريق على مزيد من الاحتجاجات والتظاهرات، وإسدال الستار على الجريمة، أعلن المحافظ إطلاق 15 ألف وظيفة للشباب العاطلين في المحافظة، وهو فيلم مكرّر رأه سابقاً أهالي البصرة وشبابها العاطل الذي يخرج منذ أكثر من عقد ونصف العقد في تظاهرات للمطالبة بإفساح المجال في العمل، بدل الاستخدام المقصود للعمالة الأجنبية المستوردة، لكنّ خطط المليشيات الولائية في المدينة كانت تقضي بعدم تشغيل العراقيين، بل إرغامهم بهذه الطريقة ليتجهوا نحو الانتساب إلى المليشيات.

“ما شاء الله، العصابات موجودة في كل مفاصل ومؤسّسات الدولة، قلناها منذ سنوات، الشعب العراقي محكوم عليه بالإعدام حكم جماعي، ومسألة التنفيذ، فهي متعددة ومتفرعة، وكل جلاد بينهم هو وأسلوبه وفنه وذوقه في اختيار التنفيذ”… هذا ما كتبته امرأة بصراوية تعليقاً على الوليمة البشعة لتعذيب الطبيبة بان زياد وقتلها. وقد فضحت هذه الجريمة بشكل واسع إقليمي ودولي ما تقوم به حكومة المنطقة الخضراء في المدينة المصدرة الأولى لنفط العراق. فضحت تورّط الساسة والمليشيات في الجريمة المنظّمة، سواء في التخلص ممن لا ينصاع لهم أو تجنيد المساجين والتربّح منهم والتورّط بإرسالهم مرتزقة إلى روسيا بطلب من وراء الحدود، إضافة الى ملفات أخرى كثيرة لن يتأخّر الزمن عن كشفها.

المصدر: العربي الجديد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى