واشنطن تُمدّد الحرب وتتجاهل العرب

محمود الريماوي

تنهمك ادارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، في إعداد ترتيبات “اليوم التالي” في قطاع غزّة المُدمّر، وبتنسيق تام مع حكومة نتنياهو، ومع تجاهل أميركي (علني على الأقل) للأطراف العربية المعنيّة بهذه المسألة، فقد آظهرت الأيام القليلة الماضية مجدّداً بعض التوجّهات الأساسية لواشنطن، كما تفيد تقارير إعلامية متطابقة، إذ جنحت هذه الإدارة أخيراً إلى تنحية مسألة المفاوضات جانباً، وحيث كان ستيف ويتكوف يرعى هذه المفاوضات، ويمثّل الجانب الأميركي فيها، فقد جرى تجاهل الرد الإيجابي لحركة حماس على مقترحاته، كما جرت مماشاة نتنياهو في سحب اليد من المفاوضات، وفي تفاديه الردّ على موقف “حماس” التفاوضي، والذي نال قبولاً من مصر وقطر. وهكذا وبعد نحو 20 شهراً من المفاوضات، ارتأى نتنياهو أن لا حاجة لها، ووافقته إدارة ترامب، كما لو أن الحال يتعلّق بالانسحاب من لُعبة ما، أو من شركة قيد التأسيس.

ولكن، ما البديل عن التفاوض؟ ليس لدى واشنطن، المسؤولة عن أمن العالم، والساعية إلى وقف جميع الحروب، من جواب، فهي تحيل الأمر إلى نتنياهو، وتمنحه حقّاً حصرياً في تقرير مصير غزّة بالطريقة التي يشاء، وكأن أجداد نتنياهو ينحدرون من هذه البقعة في الشرق العربي. كيف سيقرّر المطلوب للمحكمة الجنائية الدولية مصير القطاع؟ لقد طلب مهلة بضعة أسابيع إضافية للقضاء على حركة حماس، وما يقترن بذلك من تجويع المدنيين وقتلهم جوعى، والتلذّذ السادي بدفعهم المرّة تلو المرّة من مكان الى آخر تحت وابلِ من القصف ومن التجويع الذي ترعاه واشنطن، برفضها إدخال المساعادات عبر المعابر، ومنع الأمم الممتحدة وهيئاتها من تنظيم توزيع المساعدات، والاستعاضة عن ذلك بمؤسّسة من المرتزقة تقتل الساعين إلى استلام المساعدات. … أجل إنها وحشية بلا حدود، بدلاً من أن يعمل رئيس العالم على وقفها فوراً يمنح مجرم الحرب أسابيع إضافية. وسبق لترامب أن شكا علناً من تلاعب نتنياهو به، لكنه، ويا لفعل السحر، بات يرحّب بهذا التلاعب من رجل لا تتوقف الأصوات في تل أبيب عن اتهامه بإطالة أمد الحرب بصورة متعمّدة تحقيقا لمصالحه الشخصية.

تتجاهل إدارة ترامب الطرف الفلسطيني المُعترف به على أوسع نطاق في العالم، ولا تتباحث معه بشأنٍ يخصّ أرضاً فلسطينية

وبينما يندفع الجيش الغازي في نسف ما تبقى من بيوت وتدمير ما بقي من مراكز صحية، لا يضيّع الرئيس ترامب الوقت في الأثناء، إذ يعكف على وضع ترتيبات اليوم التالي للحرب التي سوف تنتهي كما يُرجّح قبل نهاية العام. وبناء على توسيع حملة التجويع وإدامتها، والفتك بمزيدٍ من المدنيين وتجفيف موارد الحياة الشحيحة، يجري النظر في البيت الأبيض هذه الأيام بترتيبات لاحقة في ضوء النتائج المنتظرة لتصحير القطاع على يد بطل حرب الإبادة نتنياهو. وقد نقلت وكالات الأنباء الأربعاء خبر عقد اجتماع موسّع للنظر في هذه الترتيبات، وللتدليل على أهمية الاجتماع وجدّيته، ضم رئيس الوزراء البريطاني الأسبق، توني بلير، والصهر المستشار السابق جاريد كوشنر، وقد نسبت تقارير صحافية أن بلير يعمل، من خلال معهد التغيير العالمي (يديره)، لتنسيق تهجير أبناء غزّة من أرضهم، كما عُرف عنه تأييده صفقة القرن التي أطلقها ترامب في ولايته الأولى. اما كوشنر فكان من السبّاقين في التغنّي بالساحل الطويل لقطاع غزّة، وبحُلم رؤيته وقد خلا من أصحابه، وينوف عددهم عن مليوني نسمة، وقد استلهم ترامب فكرة “الريفييرا” من الصهر الشاب. وقد لاقت الفكرة الخرقاء، طرد أبناء غزّة، أوسع رفض إقليمي ودولي في القارّات السبع، ما حمل ترامب على الامتناع لاحقاً عن ترديد فكرة الاستيلاء على أرض الغزّيين وساحل بحرهم. وقد رشح عن الاجتماع الموسّع في البيت الأبيض الذي طوّح بجهد تفاوضي طويل وشاقّ إكراماً لنتنياهو، أنه قد جرى تدارس نشر قوات عربية ودولية في القطاع، حين تنقطع شهية نتنياهو عن مواصلة التطهير العرقي. وبينما يجري الحديث عن نشر قوات عربية، أغفل سيد البيت الأبيض دعوة أطراف عربية إلى اجتماعه الموسّع، ابتداءً من الوسيطين، المصري والقطري، إلى بقية الأطراف المعنية، مثل السعودية والأردن والإمارات، وطرف إقليمي شديد الأهمية تركيا. ويزداد الأمر سوءاً مع تجاهل إدارة ترامب الطرف الفلسطيني المعترف به على أوسع نطاق في العالم، وعدم التباحث معه بشأنٍ يخصّ أرضاً فلسطينية.

واشنطن تطلق يد نتنياهو مجدّداً لاستكمال حلقات الحرب الأشد وحشية في عصرنا

ومغزى ما تقدّم أن واشنطن تطلق يد نتنياهو مجدّداً لاستكمال حلقات الحرب الأشد وحشية في عصرنا، والتي تلقى إدانة دولية مطلقة، وفي الوقت نفسه، يتم التحضير لما بعد التصحير، بفتح الأبواب للتهجير، مع استدعاء قوات عربية ودولية، وبمعزل عن الطرف الفلسطيني، صاحب الشأن والاختصاص.

تُلقي هذه التطورات على الأطراف العربية المعنية مسؤولية التحرّك، بحيث لا تنفرد واشنطن مع تل أبيب في تقرير مصير هذا الجزء من منطقتنا، وبحيث لا تتوليان تحديد دور القوات العربية المزمع تشكيلها مع تغييب الجانب العربي والفلسطيني، ففي ذلك استخفافٌ مقيت، يتعاكس مع واقع العلاقات العربية الأميركية الوطيدة. وكان من اللافت أن أنباء الاجتماع الموسّع في البيت الأبيض تزامن نشرها مع نشر أنباء عن مواصلة مصر، بالتعاون مع الأردن، تدريب نحو عشرة آلاف عنصر من رجال الأمن الفلسطينيين، لنشرهم في القطاع، ما أن تضع حرب الإبادة أوزارها. وهذا يملي على الدول العربية المعنيّة التمسّك الحازم بالخطّة المصرية العربية من أجل التعامل مع تحدّيات ما بعد الحرب، فاليوم التالي للحرب مسؤولية عربية وفلسطينية، قبل مسؤولية أي طرف آخر. وهناك ما هو أكثر أهمية وإلحاحاً، مخاطبة واشنطن بوضوح تام بضرورة وقف الحرب فوراً، وليس منح القتلة مهلة حتى نهاية العام يزيدون فيها من الجرائم المقزّزة بحق المدنيين المنكوبين.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى