عندما نكون ولا نكون

د- حازم نهار

عندما لا تكون هناك قيمة للإنسان وحياته وحريته في وطنه؛

وعندما لا يكون الإنسان قدس الأقداس؛

وعندما تغيب العدالة ويفلت المجرمون من العقاب؛

وعندما ننتقل من مظلومية إلى مظلومية أخرى؛

وعندما تكون حياتنا مجرَّد تنقّلٍ بين المظلوميات، وتبادلٍ في الأدوار بين الظالمين والمظلومين؛

وعندما يأكل الهوس الطائفي عقولنا؛

وعندما نغرق في أوهام النقاء العرقي؛

وعندما نبدع في تصنيف البشر بين فسطاطين أو بين أخيار وأشرار؛

وعندما تكون العدائية زوّادتنا والكراهية بوصلتنا؛

وعندما نطير فرحًا في الانتصار على شركائنا في الوطن؛

وعندما نطرب للشعر والكلمات المنمَّقة والسجع أكثر من رؤية الحقائق الواقعية؛

وعندما نمارس السياسة بطفولية طاغية على طريقة المدح والذم؛

وعندما نظلُّ في ساحة فهم مبتذل للسياسة بوصفها رقصًا على الحبال، ولعبًا بالبيضة والحجر؛

وعندما نكون بارعين في صناعة الاستبداد والنفاق في كل نفس وحركة إلى ما لا نهاية؛

وعندما نحكِّم الفتوى في حياتنا بدلًا من القانون؛

وعندما نستورد كلَّ شيءٍ من العالم إلا الديمقراطية؛

وعندما لا تكون الدولة فوق السلطة، وفوق الحكومة، وفوق أي حزب أو معتقد أو طبقة أو فرد؛

وعندما نترك ترهات الماضي تمسك بجلاليب الحاضر؛

وعندما نبحر في الماضي بحثًا عمَّا يعزِّز أوهامنا في الحاضر ويغذِّيها؛

وعندما لا نتعلَّم من تاريخنا وتاريخ الأمم الأخرى؛

وعندما نستمر في تفسير هزائمنا بغير أسبابها الحقيقية؛

وعندما ننظر إلى أنفسنا بانفصال عن التاريخ الإنساني، وبعيدًا عن منطق التاريخ الذاهب من الماضي إلى الحاضر فالمستقبل؛

وعندما نظلُّ منشغلين أيّما انشغال بلباس المرأة، ونؤلِّف الكتب والمجلدات التي تتمركز حوله؛

وعندما نخفق في تجسيد معنىً آخر لكلمة “علماء”.. معنىً مغاير لفقهاء الأديان والطوائف والمذاهب؛

وعندما نُخفق في بناء ثقافة وطنية، وفي صناعة نخب وطنية حقيقية؛

وعندما نظلُّ في طريق اللهاث وراء الشعبويين؛

وعندما نبقى متمسِّكين بالذين يكوِّعون في أي اتجاه بين ليلة وضحاها؛

وعندما ننتقل من رأي أو موقف إلى آخر ببساطة كما نغيِّر ملابسنا؛

وعندما تكون الحقيقة ملك حاملي السلاح أو من نصيب الذين ينتعلون صوتًا عاليًا؛

وعندما لا نتمكَّن من بناء رأي عام حول أي قضية أو مشكلة أو حادثة أو موقف؛

وعندما…

وعندما…

لن نبني شيئًا ذا قيمة، ولن نكون في خانة البشرية المتقدمة، ولن تقوم لنا قائمة في مواجهة أي عدو خارجي. هكذا كانت حياتنا طوال نصف قرن على الأقل، وما زالت، وهكذا ستبقى، ما دمنا مستمرين في حمل عاهاتنا على أكتافنا والدوران بها من زمنٍ إلى آخر!

المصدر: صفحة د- حازم نهار

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى