
فيما كان السفير الإيراني في أنقرة محمد حسن حبيب الله زاده يحمّل إسرائيل مسؤولية ما يجري في سوريا والإقليم، كان جهاز الاستخبارات التركي “ميت ” يضع اللمسات الأخيرة على ملف تسليم خلية تجسس إيرانية إلى القضاء التركي بتهمة التجسس وجمع معلومات عن قواعد عسكرية ومناطق حساسة داخل تركيا وخارجها ونقلها إلى مشغليهم في استخبارات الحرس الثوري الإيراني.
نفذ جهاز الاستخبارات التركي قبل أيام وبالتنسيق مع الأجهزة الأمنية حملة مطاردة واعتقال لخلية تجسس إيرانية مؤلفة من 5 أشخاص تنشط على خط إسطنبول – مرسين – أنطاليا بمهمة جمع معلومات عسكرية وسياسية حول مراكز التصنيع الحربي التركي وأماكن وجودها.
لا بد هنا من العودة بالذاكرة إلى الوراء والهجوم الذي استهدف في تشرين الأول 2024 مقر الشركة التركية لصناعات الطيران والفضاء “توساش” الواقع قرب العاصمة أنقرة الذي أودى بحياة 5 أشخاص، والحديث عن وجود أصابع دولة خارجية على طريقة تبادل الخدمات، في تحريك مجموعة “حزب العمال الكردستاني ” التي أعلنت مسؤوليتها عن هذا الاعتداء.
لا معلومات تفصيلية بعد حول نتائج التحقيقات لكن هناك أكثر من تقرير استخباراتي وأمني تركي يتحدث عن استعدادات إيرانية مكثفة لتفعيل خلايا ناشطة ونائمة إلى جانب محاولة زيادة عدد الشبكات المحلية التي تجندها للعمل لصالحها في الداخل التركي. لذلك فاحتمال توسيع أنقرة لرقعة عمليات المطاردة كبير جدا، بحسب المعلومات المسربة حول نشاطات الخلية والأدوات المستخدمة والأشخاص الذين يتم تجنديهم وتواصلهم المباشر مع قيادات جهاز استخبارات الحرس الثوري الإيراني.
اتساع رقعة التباعد التركي الإيراني في ملفات ثنائية وإقليمية عديدة في الأعوام الأخيرة تشير إلى احتمال اتساع المواجهة التركية الإيرانية.
المؤشرات التي تؤكد ذلك لا تعود فقط إلى حملات المطاردة والتوقيف التي ينفذها جهاز الاستخبارات التركي ضد هذه الخلايا ومجموعات التجسس الإيرانية في الأعوام الأربعة الأخيرة والتي تجاوز عدد المعتقلين فيها 40 شخصا تمت عمليات رصدهم وتوقيفهم في العديد من المدن التركية. بل إلى اتساع رقعة التباعد التركي الإيراني في ملفات ثنائية وإقليمية عديدة في الأعوام الأخيرة تقود القيادة الإيرانية للذهاب وراء خطوات بهذا الاتجاه.
هناك:
– تدهور العلاقات التركية الإيرانية في الإقليم حيال ملفات سياسية وأمنية وتجارية بطابع استراتيجي.
– تراجع النفوذ الإيراني في سوريا وتحميل أنقرة بالتنسيق مع “هيئة تحرير الشام” المسؤولية الأساسية على ذلك.
– التقارب التركي العربي والتركي الغربي وزيادة التنسيق في ملفات سياسية وعسكرية تقلق طهران.
– الصعود العسكري والسياسي التركي خصوصا في مجالات التصنيع الحربي.
– توقيت عملية توقيف عملاء إيران قبل أيام والذي لا يمكن فصله عن انفجار الأحداث الأخيرة في الساحل السوري حيث الكثافة السكانية العلوية وردة الفعل في الداخل التركي من قبل بعض قيادات المعارضة التي تريد لعب هذه الورقة لكسب دعم الجناح العلوي في المدن التركية، والذي حذر بعضهم من أنه يخدم أهداف إيران لزعزعة الاستقرار في تركيا وسوريا. وهكذا تكون إيران قد أضافت البعد السوري الجديد إلى أسباب تفعيل تحرك أجهزة استخباراتها في الداخل التركي منذ سنوات والذي كان يركز على:
– جمع المعلومات حول النشاطات العسكرية والاقتصادية والأمنية في تركيا.
– مطاردة النشاطات الإسرائيلية وجمع المعلومات حول الأقلية اليهودية في المدن التركية ومحاولة اغتيال رجال الأعمال الأتراك من أصل يهودي كما حدث في شباط 2022 بعد عملية فاشلة خطط لها ضد يائير غللر الصناعي المتخصص في قطاع التكنولوجيا المتطورة وأجهزة التصنيع العسكري انتقاما لمقتل أحد أبرز المشاركين في برامج إيران النووية محسن فخري زاده.
– رصد تحركات مجموعات المعارضة الإيرانية وكوادرها التي طلبت اللجوء إلى تركيا ومحاولة اختطافهم وإعادتهم إلى طهران كما حدث في منتصف كانون الأول 2020 عندما كشف جهاز الاستخبارات التركية عن خلية تجسس تعمل لصالح إيران نجحت في اختطاف أحد رموز المعارضة الإيرانية خلال زيارة له إلى تركيا.
– متابعة نشاطات المجموعات الكردية الإيرانية الهاربة إلى تركيا.
هناك جهود إيرانية تبذل بشكل مكثف لتصفية الحسابات مع أنقرة التي نجحت في إضعاف وتراجع النفوذ الإيراني في الإقليم وعلى أكثر من خط مواجهة تركية إيرانية بطابع سياسي وأمني واقتصادي.
حاولت أجهزة الاستخبارات الإيرانية والإسرائيلية أكثر من مرة نقل المواجهة إلى الساحة التركية رغم جهود جهاز الميت التركي قطع الطريق على عمليات من هذا النوع. لكن هدف إيران هذه المرة وكما يبدو هو محاولة اختراق الداخل التركي نفسه وحيث تكثر الأنباء التي تتحدث عن احتمال اتساع المواجهة التركية الإيرانية.
قناعة كثير من الأتراك اليوم أنه لا يمكن الفصل بين نشاط جهاز الاستخبارات الإيراني المكثف في الآونة الأخيرة فوق الأراضي التركية وبين العديد من التطورات السياسية والاستراتيجية الإقليمية:
– إيران منزعجة من التحول الحاصل في سياسة تركيا الإقليمية وانفتاحها الجديد على العواصم العربية وتدرك أن ذلك سيضر بمصالحها وحساباتها الإقليمية في المنطقة، ويعرقل أكثر من مشروع استراتيجي إيراني في مسائل خطوط التجارة وحركة البضائع.
– وهي تعتبر أنّ سياسة تركيا الجديدة في ملفّات الطاقة عبر مناطق البحر الأسود وشرق المتوسط والقوقاز، تتجاهل النفوذ والمصالح الإيرانية الاستراتيجية على أكثر من خطّ في تلك المناطق بينها قطع الطريق على حلم الوصول إلى السواحل السورية.
– وإيران أيضا تريد عرقلة خطط ومشاريع أنقرة في تفعيل برامج البحث عن مصادر طاقة جديدة بينها اكتشافات حوض البحر الأسود والجهود التركية لصناعة تفاهمات ترسيم الحدود المائية في شرق المتوسط، وكلها ستنعكس سلبا على إيران وحساباتها ومصالحها في المنطقة.
هناك جهود إيرانية تبذل بشكل مكثف لتصفية الحسابات مع أنقرة التي نجحت في إضعاف وتراجع النفوذ الإيراني في الإقليم وعلى أكثر من خط مواجهة تركية إيرانية بطابع سياسي وأمني واقتصادي. وهناك تحسب تركي واستعدادات لسيناريوهات الرد الإيراني ضد المصالح التركية في الداخل والخارج.
المصدر: تلفزيون سوريا