
1- هناك بالتأكيد لعب إيراني وإسرائيلي على أقل تقدير لتفجير الوضع في سورية، لكن هذا اللعب ما كان لينجح لولا هشاشة البنية الداخلية السورية، وهذه الهشاشة يتحمل المسؤولية الكبرى عنها نظام الأسد الذي بنى سلطته ومصالحه على أنقاض الوطنية السورية.
2- لا تُحسد السلطة الحالية على ما ورثته من ركام، وعلى ما يواجهها (ويواجه السوريين بالطبع) من تحديات خارجية، لكنها تتحمل شيئًا من المسؤولية عن الوصول إلى اللحظة الراهنة، فقد كان “المؤتمر الوطني السوري” فرصة ضائعة اختُزلت إلى “مؤتمر حوار وطني” أصدر توصيات مهمة (لكنها ناقصة وغير ملزمة)، فضلًا عن تعييناتها ذات اللون الواحد، وافتقادها إلى المهنية على المستوى الإعلامي، الأمر الذي ترك السوريين عرضة للشائعات والتكهنات، ويضاف إلى ذلك الطريقة غير المطمئنة في تشكيل الجيش السوري الجديد، وتسريحها لآلاف الموظفين من دون توفير بدائل معيشية.
3- مع ذلك، ما زال ممكنًا تجاوز الفرصة الضائعة؛ تتجلى الحكمة الآن، في هذه اللحظة، في تغليب الحل السياسي على الحلول العسكرية والأمنية، وفي هذا مكسب للسلطة ذاتها ولجميع السوريين، فمن غير الممكن حل مشكلة وجود جماعات مسلحة أخرى ومشكلة السلم الأهلي حلًّا عسكريًا (ولنتعظ من تجربة السلطة السابقة).
4- اللحظة الراهنة خطرة حقًا، ولا سبيل إلى تجاوزها إلَّا عبر حلٍّ سياسي بقيادة السلطة الراهنة في دمشق، وأول وأهم خطوة مطلوبة هي من الرئيس الانتقالي أحمد الشرع، وتتمثل بالظهور في خطاب مباشر إلى الشعب السوري:
- يدعو فيه إلى التهدئة وتحييد استخدام السلاح في أضيق نطاق ممكن.
- التعهد بتأليف حكومة وطنية خلال أيام، تشارك فيها جميع أطياف الشعب السوري.
- التعهد بإصدار الإعلان الدستوري في أقرب وقت، مع تضمينه التعهدات الآتية:
أ- وحدة سورية أرضًا وشعبًا على أساس الوطنية الديمقراطية مسألة مقدسة، ولا يجوز التهاون بها.
ب- أن يكون نظام الحكم ديمقراطيًا لا مركزيًا، لكن ليس على أساس طائفي أو إثني، ومن ثمَّ التعهد بإجراء انتخابات برلمانية ورئاسية ديمقراطية في موعد أقصاه أربع سنوات.
ج- التعهد بأن يكون الجيش السوري المستقبلي جيشًا وطنيًا سوريًا لا يتدخل في العملية السياسية، وفتح باب الانتساب إليه أمام جميع السوريين استنادًا إلى معايير وطنية، ودعوة الضباط المنشقين للمشاركة في بناء الجيش.
د- التعهد بإنشاء الهيئة السورية للعدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية.
هـ- التعهد بأنَّ السوريين هم من سيكتبون دستورهم المستقبلي من خلال جمعية تأسيسية منتخبة، وليس استنادًا إلى “من يحرِّر يقرِّر”.
5- بعد الإعلان عن هذه النقاط في الإعلان الدستوري، أعتقد أنَّ الأغلبية العظمى من السوريين ستكون معها وتساعدها، وسيكون واضحًا تمامًا أنَّ كلَّ من لا يسلِّم سلاحه خارجٌ على القانون وتجب محاسبته، وأنَّ كلَّ من يعتدي على أي مواطن سوري مدانٌ وتجب ملاحقته ومحاكمته، وأنَّ كلَّ من يثبت أنَّ لديه تواصلًا مع “إسراــئيل” أو إيران، أو تنسيقًا معهما أو يتلقى دعمًا منهما مدانٌ بالعمل ضد المصلحة الوطنية وتجب إحالته على القضاء لمحاكمته تحت بند العمل ضد المصلحة الوطنية السورية كائنًا من كان.
6- تتحمل قيادة “قوات سوريا الديمقراطية” تحديدًا، وكذلك “الشيخ الهجري” بصورة خاصة، مسؤولية اللحظة الخطرة الراهنة، إضافة بالطبع إلى أخطاء الإدارة الجديدة خلال الأشهر الثلاثة الماضية، فالطرفان لم يكونا على قدر المسؤولية الوطنية، وما زالا يغردان بطرائق لا تخدم أحدًا.
7- نتحمل جميعنا كسوريين أيضًا بعض المسؤولية عمَّا يجري في هذه اللحظة بحكم: أولًا، الأفكار الهدامة التي تقطن في رؤوسنا ولا سيما في رؤوس “النخب ذات الوعي المسطح” التي ما زالت تقتات على “الهويات” و”الأكثريات” و”الأقليات” و”الطوائف” والقوميات”، والشعارات الهدامة على شاكلة “من يحرر يقرر” و”الدستور يكتبه المنتصرون”، وثانيًا بحكم ممارسة التحريض وبث الشائعات والأكاذيب وطرائق الحوار البائسة والتعاطي العدائي والساخر مع بعضنا بعضًا.
المصدر: صفحة د حازم نهار