
مرّ قرن ونيّف على محاولات الكرد الحديثة الحصول على كيان سياسي يجسّد تطلعاتهم وطموحاتهم القومية، وقد حققوا إنجازيْن مهمّين في هذا المجال: إقامة إقليم كردستان العراق، وإقامة الإدارة الذاتية في الجزيرة السورية وأجزاء من محافظة حلب. تحقّق الأول بجهود القوميين الكرد بقيادة مسعود البارزاني، وتحقّق الثاني بجهود حزب الاتحاد الديمقراطي، المرتبط عقائديا بفكر عبدالله أوجلان الأممي. وقد شكّل الإنجاز الأخير تجربة سياسية مختلفة عن تجربة الإقليم، ومنافسة لها، ما رتب انقسام كرد سورية إلى تيارين عريضين، على خلفية التباينات الفكرية والبرامج العملية والتصوّرات النهائية لأهداف النضال الكردي. تيار البارزاني، يجسّده المجلس الوطني الكردي، وتيار أوجلاني، يجسّده حزب الاتحاد الديمقراطي. وقد قاد هذا الانقسام إلى تنافس وصراع سياسي واجتماعي مرير. وجرت محاولات لرأب الصدع وتوحيد الجهود حيث عقدت مفاوضات برعاية رئيس إقليم كردستان العراق، مسعود البارزاني، في إربيل (عاصمة الإقليم) عام 2012، بين المجلس الوطني الكردي ومجلس الشعب لغرب كردستان، سلف “الإدارة الذاتية” التي شكّلها حزب الاتحاد الديمقراطي عام 2014، وجرى الاتفاق على صيغة للشراكة في الإدارة، اتفاقية هولير1 عام 2012، لكنها لم تدخُل حيّز التنفيذ، وقد تبادل الطرفان الاتهام بالتسبّب بذلك، وعقدت اتفاقية ثانية، هولير2 عام 2013، ولم تدخُل حيّز التنفيذ كذلك، رغم الاتفاق على وثيقةٍ سياسيةٍ وتشكيل مرجعية لتوحيد الرؤى السياسية. كما رعت الولايات المتحدة جلسات تفاوض بين المجلس الوطني الكردي، وهو يضم 12 حزباً وتنظيماً، وأحزاب الوحدة الوطنية، وهو تحالف يضم 25 حزباً وحركة سياسية بقيادة حزب الاتحاد الديمقراطي، عام 2020، اتفق فيها على عدة نقاط، وبقيت نقاط خلافية حالت دون توقيع اتفاق نهائي. وقد تجدّدت المحاولات برعاية أميركية فرنسية بعد سقوط النظام البائد لتوحيد الموقف الكردي، وتشكيل وفد موحد للتفاوض مع الإدارة السورية الجديدة، لكن الجهود لم تثمر. وقد فاجأ حزب الاتحاد الديمقراطي الجميع بالتحضير لعقد مؤتمر تحت عنوان “المؤتمر القومي الكردي”، سيجمع معظم القوى والأحزاب السياسية الكردية في شمال شرق سورية، لتوحيد الموقف واختيار وفد كردي واحد لمفاوضة النظام الجديد على حقوق الكرد في الدولة الجديدة، قالت مصادر بوجود توجه إلى استبعاد المجلس الوطني الكردي من المؤتمر، ما يعني، في حال صدقت الرواية، أن الهدف من عقد المؤتمر العتيد الالتفاف على المفاوضات مع “المجلس”، ما يشير إلى وجود تيّار داخل حزب الاتحاد الديمقراطي يرفض الاتفاق على شراكة سياسية مع المجلس الوطني الكردي من حيث المبدأ.
لم يقف ضرر انقسام الكرد بين هذين التيارين عند ارتباك النضال الكردي فحسب، بل قاد إلى تعميق التنافر وسيادة العداوة والكراهية بين أتباع التيارين عكستها هجمات منظمات تابعة للتيار الأوجلاني، حركة الشبيبة الثورية، على مقرّات أحزاب المجلس الوطني الكردي، وإتلافها محتويات هذه المقرّات وحرقها واعتقال قوى الأمن الداخلي (الأسايش) التابعة للإدارة الذاتية لقياديين من أحزاب المجلس، وخطف بعض كوادرهم وإعلامييهم وتصفيتهم جسديا. وقد زاد السجال الإعلامي الطين بلة باتهام كل تيّار الطرف الآخر بالارتباط بجهة خارجية، المجلس الوطني مع الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة، المرتبط بالعدو القومي للكرد: تركيا، والإدارة الذاتية بحزب العمال الكردستاني التركي المرتبط بالنظام البائد وبإيران، ومطالبة كل طرفٍ الطرف الآخر فك ارتباطه الخارجي، ما يعكس عقماً سياسياً لأن كل طرف يتهم خصمه بالارتباط وهو نفسه مرتبط.
تستدعي اللحظة السياسية الدقيقة والخطيرة اعتماد المرونة والتركيز على الجوهر: الحقوق، والتنسيق مع جميع القوى السياسية السورية
قالت تقديرات سياسية لمحللين عرب وكرد إن عدم تنفيذ الاتفاقات المتتالية سببه رفض حزب الاتحاد الديمقراطي، بتوجيهٍ من حزب العمّال الكردستاني، إشراك المجلس الوطني الكردي في إدارة مناطق الإدارة الذاتية، ورفضه إدخال قوات البيشمركة التابعة للمجلس إلى مناطق الإدارة الذاتية، وقالت أخرى إن عدم الاتفاق سببه الاختلاف على أمور تفصيلية، وليس على المبدأ، وهذا من دون تقديم تفسير مقنع لعدم الاتفاق ودوافعه ومبرّراته.
واقع الحال أن ثمة توافقاً كبيراً بين التيارين على حقوق الكرد، والاختلاف، كما تعكسه المواقف والتصريحات، مرتبطٌ بتمسّك كل تيار بمواقفه من فكر الطرف الآخر وعمله، وبعدم تقديم تنازل له؛ لأن أي تنازل، مهما كان صغيراً، سيعني تسجيل نقطة ليس للمنافس المحلي، بل للتيار المنافس في كل الساحات الكردية. تنازل “المجلس” سيحسب لصالح الأوجلانية، وتنازل الإدارة الذاتية سيُحسب لصالح البارزانية، حيث جوهر الصراع، في رأي كاتب هذه السطور، صراع على قيادة الكرد عامة، صراع على الزعامة الكردية. زاد تعقيد الموقف تخوّف التيار الأوجلاني من أن يؤدّي تنازله لتيار البارزاني حصول إقليم كردستان العراق على موطئ قدم شرعي في مناطق الإدارة الذاتية.
يكمن المأزق القائم في الانعكاس السلبي للاختلاف والصراع بين التيارين على مسيرة النضال الكردي، بدءا باستحالة التنسيق والتعاون لتعزيز الإنجازيْن وتكريسهما، خاصة وأنهما هشّان ما جعلهما عرضة للانتكاس والتآكل، في ضوء التطورات الجيوسياسية والجيوستراتيجية العاصفة التي تشهدها المنطقة والعالم، فالظروف الاستثنائية التي سمحت بتحقيق الإنجازين، حرب الخليج الثانية، حرب تحرير الكويت، عام 1990، وفرض منطقة حظر طيران شمال خط العرض 32، عام 1992، الذي وفر لكرد العراق بيئة آمنةً وفرصةً لتأسيس بنى سياسية وعسكرية واقتصادية مستقلة عن بغداد، تكوين شبه دولة، والاحتلال الأميركي للعراق عام 2003، وفرضه نظاماً سياسياً اتحادياً حصل الإقليم بموجبه على شرعيةٍ سياسيةٍ عام 2005، بالنسبة للإنجاز الأول، والدعم والحماية التي وفرها التحالف الدولي لمواجهة تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) بقيادة الولايات المتحدة لكرد سورية، بعد اعتماد “وحدات حماية الشعب” و”وحدات حماية المرأة”، الذراع العسكرية لحزب الاتحاد الديمقراطي، شريكاً محلياً في مواجهة التنظيم، و”الخلافة” التي أقامها على مساحات واسعة من أرض العراق وسورية، بعد نجاحهما في دحره في منطقة عين العرب (كوباني) عام 201. وبقي الإنجاز الثاني من دون شرعية سياسية، تلاشت مفاعيلها في ضوء التغيرات الإقليمية والدولية.
طلبات قوات سوريا الديمقراطية الاحتفاظ بتركيبتها العسكرية، وربطها بوزارة الدفاع شكلياً يتجاوز الاتحادية
والإنجازان ليسا راسخين؛ وقد حصل ما يؤكد هذا في الإنجاز الأول، الإقليم، تجسّد في عدم حلّ الخلاف مع المركز بشأن المناطق المتنازع عليها بإجراء استفتاء تنفيذاً لفحوى المادة 140 من دستور البلاد، واستعادة بغداد السيطرة على محافظة كركوك المتنازع عليها، ومعاقبة مسعود البارزاني على إجرائه استفتاء الاستقلال عام 2017، ودفعه إلى الاستقالة من رئاسة الإقليم، وفرض قراراتٍ سياديةٍ على الإقليم من المركز، مثل فرض تصدير نسبة من نفط الإقليم عن طريق شركة التسويق الاتحادية (سومو) ووضع قيمة صادرات الإقليم من النفط في حسابٍ يخضع لرقابة ديوان الرقابة المالية الاتحادي، وحل هيئة انتخابات الإقليم، وإعادة النظر في عدد مقاعد برلمان الإقليم، وحصة الأقليات فيه، واشراف المفوضية العليا المستقلة للانتخابات العراقية على انتخابات برلمان الإقليم عام 2024، بالاستناد إلى أحكام من المحكمة الاتحادية العليا. في حين يعيش الإنجاز الثاني، الإدارة الذاتية، تحت ضغوط هائلة بدأت بتنفيذ عمليات عسكرية تركية، (غصن الزيتون عام 2018 ونبع السلام عام 2019)، أنهت وجودها في عدة مناطق، أهمها عفرين ذات الحضور الكردي الشامل، وهي (الإدارة)، حالياً تحت ضغط دعوات حلها في ضوء ما حصل في سورية أخيراً: سقوط النظام البائد والدخول في عملية تأسيس جديدة للدولة السورية تحت سلطة جماعات عسكرية سلفية التوجه، تحظى برعاية ومباركة من معظم الدول العربية، ومن تركيا التي تضغط عليها لدفعها نحو مهاجمة الإدارة الذاتية عسكرياً، والإجهاز على التجربة، ومعظم دول الاتحاد الأوروبي، والولايات المتحدة وإدارتها الجديدة التي قطعت تمويل السجون في شرق الفرات، وأعلنت أنها تعد لسحب قواتها من شمال شرق سورية، بين 30 و90 يوما، بالإضافة إلى وجود توجّه عربي وإقليمي ودولي، داعم لتوجه الإدارة السورية الجديدة، لبسط سيطرتها على كل الأراضي السورية، ما يثير احتمال فرض عزلة على الكرد، ما يضعف موقفهم التفاوضي، ويفقدهم القدرة على المناورة في المفاوضات معها، خاصة إذا دفع استمرار الاختلاف بين التيارين إلى عدم الاتفاق على موقف موحّد وتشكيل وفد موحد، والذهاب إلى المفاوضات بأكثر من وفد كردي سيُضعف موقفهم التفاوضي أكثر، لأنه يمنح الإدارة السورية الجديدة فرصةً لابتزاز كل طرف منهم بالتلويح بالاتفاق مع طرف كردي آخر.
لا تكمن المشكلة في عدم الذهاب بموقف موحد ووفد موحد فقط، بل وفي التصورات المطروحة لحقوق الكرد، وتمسّك الأحزاب والمنظّمات والمستقلين الكرد بتبنّي الدولة الجديدة نظاماً اتحادياً، حيث لا تكفي كلمة اتحادية لتحديد الموقف، فطلبات قوات سوريا الديمقراطية (قسد) الاحتفاظ بتركيبتها العسكرية، وربطها بوزارة الدفاع شكلياً يتجاوز الاتحادية، حيث ليس في الاتحادية جيوشٌ خاصة للأقاليم، كما أن النظم الاتحادية ليست على نمط واحد، من جهة، والاتحادية، من جهة ثانية، لا تضمن الحقوق والعدالة، إذا لم يكن النظام مبنياً بشكل فعلي على التشاركية والمساواة، ما يستدعي التركيز على قضايا أكثر أهمية من الاتحادية، من التعدّد السياسي، والحريات الخاصة والعامة، وحرية الرأي والتعبير، وحرية الإعلام، وسيادة القانون، والعدل والمساواة في الحقوق والواجبات والتنمية المتوازنة والخدمات الجيدة في المحافظات، والانتخابات النزيهة، وصولاً إلى الحق في التنظيم في أحزاب ومنظمات ونقابات… إلخ. كما أن مطالبة الكرد برفع كلمة العربية من اسم الدولة والاكتفاء بالجمهورية السورية ليست أكثر من جوزة فارغة، لأن عدم وجود كلمة عربية في اسم الدولة لا يلغي أنها عربية، العراق مثلا استبعد وصف عربية من اسم الدولة، لكنها بقيت في جامعة الدول العربية.
تستدعي اللحظة السياسية الدقيقة والخطيرة اعتماد المرونة والتركيز على الجوهر: الحقوق، والتنسيق مع جميع القوى السياسية السورية، للوصول إلى نظام ديمقراطي يوفر الحقوق ويحقّق العدالة والمساواة بين المواطنين، لأن الآتي أخطر في ضوء وجود احتمالين قادمين: انسحاب القوات الأميركية من سورية، كما أشار إلى ذلك الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، الذي تربطه علاقات جيدة مع الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، واتفاق تركيا مع عبدالله أوجلان على إلقاء السلاح والذهاب إلى تسوية سياسية معقولة. تحقّق الاحتمالين المذكورين سيُعيد الصخرة إلى أسفل الجبل، وسيضطر “سيزيف” الكردي إلى محاولة الصعود بها إلى قمة الجبل من جديد.
المصدر: العربي الجديد
الأكراد متوزعين ديموغرافياً بينخمسة دول إيران +العراق+ تركيا + أرمينيا+ سورية وتحاول خلال أكثر من قرن أن يشكلوا لهم دولة ولكن تبعيتهم لأجندات الدول تفقدهم وحدة الأداة والهدف، بسورية يحاولون تشكيل إقليم ويفرضوا أجندة لا وطنية بمطالب تقسيمية وهم يشكلون أقل عدداً من الدول الخمسة وحتى بالنسبة السكانية، فهل يعوا المخاطر ويتقبلوا بدولة المواطنة مثلما يتقبلوا بها بأوروبا؟.