
عودة حزب الله إلى استخدام “الأهالي” والدراجات النارية في تنفيذ أهدافه السياسية، هي قفز فوق الزلزال السياسي الذي ضرب المنطقة بنتيجة حرب إسناده غزة. وفي حين كانت الأداتان ثانويتين في ذروة هيمنته على لبنان والدولة، استخدمهما لأغراض تكتيكية عابرة، أثقل الحزب الحمل عليهما الآن. إذ لا طاقة لهما على تنفيذ تهديداته لإسرائيل بأنها “سترى العجب” في اليوم 61 لانتهاء الفترة التجريبية لوقف إطلاق النار. كما لا طاقة لهما على تحقيق رغبته المضمرة بإفشال تنفيذ القرار 1701 الذي وقع عليه، وألزمه بمغادرة جنوب الليطاني والتخلي عن سلاحه في كل لبنان.
مشهد الجنوبيين وهم يواجهون الجنود والدبابات الإسرائيلية في محاولة دخول قراهم وبلداتهم، لا يماثله اندفاعاً يائساً، سوى مشهد الفلسطينيين في غزة وهم يواجهون آلة الحرب الإسرائيلية في عودتهم إلى شمال القطاع. تجيير حزب الله حراك الجنوبيين لصالح القول إنه لم يغادر الجنوب، جعل الحراك يبدو وكأنه ليس في سبيل الأرض والحرية، بل من أجل مشاريع تغامر بالأرض وأهلها. المشهد بكل جلاله، غطى على مشهد إنطلاقه تحت رايات حزب الله وصورة الراحل نصرالله وشعاراته التي ورثّها لحزبه. كما غطى على تصريحات نائب حزب لله علي فياض وآخرين من زملائه الذي دعوا القوى السياسية والمسؤولين عن تشكيل الحكومة إلى التأمل ملياً في المشهد، ومراجعة اعتقادهم بنهاية عهد سيطرة الحزب على المشهد اللبناني. والتصريح الأكثر وضوحاً لهدف حزب الله من استغلال تشوق الجنوبيين للعودة إلى ديارهم، جاء في اليوم الثاني لزحف الجنوبيين على لسان نائب حزب الله إبراهيم الموسوي الذي قال “هذا شعبنا يفرض في الجنوب معادلة الجيش والشعب والمقاومة، سواء رضي من رضي، أو أبى من أبى، وإن لم يسطروها في البيان الوزاري، فقد سطرت من خلال الزحف الشعبي، وفاء لدماء الشهداء”.
أما مشهد “الموتوسيكلات” الذي كان يثير توجسات اللبنانيين من الشر الآتي في كل مرة كان يغزو هؤلاءالمناطق “الأخرى”، فقد أصبح مثاراً للسخرية. بالتأكيد، لا يزال بوسع حزب الله تنظيم مثل هذه العراضات من مراهقي “بيئته الحاضنة” الذين يجيدون تكرار شعار “شيعة، شيعة” الذي لقنه لهم مع كل ما يحمله من غضب وكراهية للدولة والآخر. لكن مسيرة “الموتوسيكلات” التي اجتاحات أحياء “الآخرين” من الحدث حتى الجديدة، مروراً بالجميزة، لن يسمح لها الجيش وحاضنته من كل اللبنانيين بالتطور إلى اجتياح آخر للقمصان السود. إذ أن يوم 7 أيار/مايو “المجيد” أصبح من ذكريات الماضي “المجيد”. ومطاردة الجيش اللبناني لـ”موتوسيكلات شيعة، شيعة” واعتقال بعضهم وملاحقة البقية، يؤكد على مضي الزمن الذي كان حزب الله يستخدم هذه الأداة من دون الخشية من أي عواقب.
الإعلام الإسرائيلي وجد في استغلال حزب الله حنين الجنوبيين للعودة إلى ديارهم، ورفع أعلامه فوق حشود العائدين، منح إسرائيل الحجة للقول إن حزب الله لم يغادر الجنوب، وأنه يحشد أنصاره لتحدي التحذير الإسرائيلي من خطر العودة إلى القرى الحدودية التي لم تنسحب منها بعد. كما منحها الحجة لتأكيد ما تذهب إليه بأن الجيش اللبناني لا يقوم بالمهمات المنوطة به في اتفاقية وقف إطلاق النار..
على خلفية كل ما قام به حزب الله في الشهرين الأخيرين، لم تكن إسرائيل بحاجة لبذل جهود تذكر لـ”إقناع” الإدارة الأميركية بضرورة تمديد مهلة انسحابها الكامل من جنوب الليطاني. ودعمت طلب تمديد مهلة انسحابها، ما نشرته صحيفة التايمز البريطانية ونقله عنها في 27 الجاري موقع MIGNEWS الإسرائيلي الناطق بالروسية. قالت التايمز إن رئيس جهاز مخابرات الجيش اللبناني في الجنوب سهيل بهيج حرب سلم حزب الله معلومات سرية من غرفة قيادة اللجنة الدولية المولجة بالإشراف على تنفيذ وقف إطلاق النار. وأضافت الصحيفة أن ضم الضابط اللبناني إلى الغرفة المذكورة تمت الموافقة عليه بضغط من وفيق صفا. ونقلت عن “تقرير استخباري دولي” أن العشرات من الضباط ساعدوا حزب الله في تحذيره من الغارات التي يتم التحضير لها، مما منح الوقت للحزب لمغادرة المكان.
يشير الموقع الإسرائيلي إلى أن التايمز لم تذكر الدولة التي قدمت التقرير المذكور، كما أشار إلى أن العسكريين اللبنانيين لم يردوا على طلب التعليق على ما نشر.
صحيفة The Moscow Times الصادرة في أمستردام باللغتين الروسية والإنجليزية، نشرت في 24 الجاري نصاً بعنوان “أمل للبنان: حزب الله ضعف، إسرائيل تنسحب تدريجياً”. كاتبة النص الصحافية المستقلة ماريانا بيلنكايا التي سبق أن كانت تتابع شؤون الشرق الأوسط في إحدى كبريات الصحف الروسية Kommersant رأت أن لبنان على مفترق طرق. فهو من ناحية، لأول مرة منذ خمس سنوات ثمة أمل في تشكيل هيئات راسخة للسلطة والحصول على مساعدات دولية للتعافي الاقتصادي. ومن ناحية أخرى يبقى الوضع هشاً للغاية، إذ ليس بين القوى السياسية توافق، كما في السابق. كما ليس هناك من يقين بأن اتفاقية وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحزب الله التي تنتهي في 26 الجاري سيتم تمديدها.
أضافت الصحافية بالقول، إنه على مدى الشهرين الماضيين، لم يتم تنفيذ الاتفاق بشكل كامل، وكان الهدوء في منطقة الصراع نسبياً للغاية. حزب الله حاول خلال هذه الفترة قصف الأراضي الإسرائيلية مرة واحدة فقط، في حين أن إسرائيل، صحيح انها لم تهاجم بيروت، لكنها واصلت بشكل دوري قصف جنوب لبنان وضرب مناطق أخرى مرتبطة بحزب الله.
أشارت الصحافية إلى الشكوى التي قدمها لبنان إلى الأمم المتحدة على اختراقات إسرائيل اتفاقية وقف إطلاق النار، وقالت إن إسرائيل لا تخفي بأنها تواصل تنفيذ الغارات والعمليات الاستطلاعية بهدف القضاء على البنية التحتية العسكرية لحزب الله. وتنسب لخبراء لم تذكرهم رأيهم بأن تدمير كل ما أقامه حزب الله في جنوب لبنان، يستغرق عدة أشهر على أقل تقدير.
بعد أن توقفت الصحافية عند تفاصيل كثيرة في الحياة السياسية اللبنانية التي تعرفها (غطت أحداث عين الرمانة العام 2021 مندوبة لصحيفة Kommersaant المذكورة، وكان لها مقابلات مع حزب الله والقوات اللبنانية ونجيب ميقاتي)، التفتت إلى صعوبات تشكيل الحكومة اللبنانية. ورأت أن بين القضايا الكثيرة الملحة يعطي رئيس الجمهورية والرئيس المكلف الأولوية لقضيتين: سلاح حزب الله والتحقيق في انفجار مرفأ يروت.
بشأن سلاح حزب الله أشارت الصحافية إلى أن حزب الله يرفض منذ عشرات السنين تسليم سلاحه، على الرغم من كل التوافقات الداخلية على الأمر. لكن بعد أن جر حزب الله لبنان مرتين إلى الحرب مع إسرائيل، نفد صبر القوى السياسية اللبنانية الأخرى، وهي تريد حل قضية نزع سلاح حزب الله بطريقة لا تتسبب باندلاع حرب أهلية جديدة في البلاد. لكن حزب الله يرفض أن يلاقي هذه القوى في منتصف الطريق.
وعن التحقيقات في انفجار المرفأ، قالت بيلنكايا أنهم لايستبعدون في بيروت أن يؤدي استئناف التحقيق إلى عملية واسعة النطاق في مكافحة الفساد، ومحاكمة المسؤولين عن الانهيار المالي في لبنان، وغيرهم. ورأت أن إحالة قضية انفجار المرفأ إلى المحكمة ستكون بمثابة اختبار للسلطات اللبنانية الجديدة ومدى استعدادها للتعامل مع قضايا الفساد والمحسوبية واستبداد حزب الله.
المصدر: المدن